الله يفتدي حياتي

 

الله يفتدي حياتي

المزمور التاسع والأربعون

أحبّائي، ما زلنا نقرأ المزمور 49، هذا المزمور الغنيّ. تحدّثنا أوّلاً عن الإنسان الذي يتشكّك حين يرى الأشرار ينجحون. وكان الكلام الثاني أنّ الجميع يموتون. أمّا هذا المقطع الذي يبدأ في آية 13، فنعطيه العنوان:  الله يفتدي حياتي. ونحن نعيد قراءة المزمور كلّه ونتوقّف عند آية 13 وما يلي.

1 - قراءة النصّ الكتابيّ

مهمّ جدٌّا، أحبّائي، قراءة نصّ الكتاب المقدّس وإعادة قراءته. هذا التكرار مهمّ جدٌّا حتّى تدخل الكلمة في عقولنا، في قلوبنا، في حياتنا. لا شكّ، هناك الشروح والشروح العديدة، ولاسيّما في اللغات الأجنبيّة ولكن، الشرح هدفه لا أن يغطّي نصّ الكتاب المقدّس، لا أن يحلّ محلّ الكتاب المقدّس، لا أن يبعدنا عن كلام الله. الشرح دوره أن يوصلنا إلى الكلام، إلى كلام الله. ويأتي وقت نرمي الشرح جانبًا، ونبقى نحن تجاه كلمة الله التي تتحدّانا، تتوجّه إلينا، تطلب منّا جوابًا الآن عن نداء الربّ، من خلال كلمات كُتبت في كتاب، نقرأها بعيوننا أو نسمعها بآذاننا، فتطلب منّا اليوم أن نأخذ موقفًا.

لهذا، إن نحن قرأنا النصّ أكثر من مرّة فلا نكون خادعين أنفسنا، ولسنا كأشخاص لا مادّة لهم يتسلّون بها، فيقرأون النصّ ويقرأونه من جديد. بل هم يريدون أن يتلذّذوا بهذا النصّ. أن يتلذّذوا كما يتلذّذ الإنسان بأكلة طيّبة، بأكلة شهيّة. نحن أيضًا نعرف ما يقوله المزمور: ذوقوا وانظروا ما أطيب الربّ. ذوقوا وانظروا ما أطيب كلمة الله. لهذا السبب نقرأ الكتاب المقدّس ونقرأه، وقيل عن بعض الآباء أنّ عيونهم عميت من كثرة ما طالعوا في الكتاب المقدّس. وفي أيّ حال، لم يعودوا يحتاجون إلى عيونهم، صار الكتاب المقدّس جزءًا منهم وصار كلامهم كلام الله بعد أن تجسّد فيهم كلام الله. قرأوا الكتاب وأعادوا قراءته والتأمّل بنصوصه، فإذا هم كتاب مقدّس.

ونعود إلى قراءة المزمور 49 من البداية، يقول في آية 2: اسمعوا هذا يا جميع الشعوب... وأوضح بالكنّارة مغزاها.

فمع نهاية الآية 5 نسمع النداء من معلّم كبير تعلّم عند قدمي الربّ، على ما فعلت مريم، أخت مرتا، عندما جلست عند قدمي يسوع تنظر إليه، تسمع كلامه وتطبعه في قلبها. كلّنا مدعوّون، وما من أحد يقدر أن يستثني نفسه. كلّنا مدعوّون لأن نسمع ما تقوله الحكمة. الحكمة الآتية من عند الله. ونتابع قراءة المزمور. فالآية 49:6 تقول:

لماذا أخاف في أيّام السوء... ويهلّلون لكثرة غناهم.

يجعل المؤمن نفسه تجاه الأغنياء وأصحاب الثروة. هو لا يملك شيئًا. لا يملك إلاّ مخافة الربّ. ومخافة الربّ غير المخافة التي تذكر في أيّام السوء.

2 - المسيح يكفّر عنّا

ويتابع في آية 8: الإنسان لا يفتدي نفسه... ليحيا ولا يرى الهاوية. هنا لا بدّ من أن نفهم المعنى ونربطه بيسوع المسيح. فدية النفس باهظة، ولا تكون أبدًا كافية. يعني أنّ الإنسان لا يستطيع أن يكفّر عن خطاياه، إنّما الربّ هو الكلّيّ العظمة، هو اللامحدود، أمّا الإنسان فمحدود. فكيف يستطيع المحدود أن يقف أمام اللامحدود. وحده يسوع استطاع أن يكفّر عن خطايانا، وحده يسوع هو الفدية الكاملة الكافية لجميع البشر. أراد أن يخلّص الجميع وهو سوف يخلّص الجميع. بدون المسيح نبقى في الشيول أو الجحيم، حيث يقيم الأموات جميعًا، من أغنياء وفقراء وحكماء وجهّال. كلّهم يقيمون في الهاوية. ولكن مع المسيح هي الحياة.

49:10 ليحيا ولا يرى الهاوية. إذا أراد الإنسان أن يحيا، يتطلّع إلى يسوع. فالمسيح وحده يكفّر عن خطاياه، وحده يفديه. ألا نرى الحكماء يموتون والكسالى والأغبياء أيضًا يبيدون تاركين ثروتهم للآخرين. نعم نراهم، قبورهم بيوتهم إلى الأبد، مساكنهم إلى جيل وجيل ولو سمّوا البلدان بأسمائهم. هم ليسوا بخالدين. هم يموتون. جاءوا من التراب ويعودون إلى التراب، وكلّ ما فعلوه يتحوّل إلى تراب إلاّ إذا آمنوا بالمسيح الذي هو ربّ الأحياء والأموات. عندئذ يتجلّى لا بجسدهم فقط وروحهم ونفسهم. بل تتجلّى كلّ حياتهم، تتجلّى أعمالهم وتتمجّد. وحين يريد الربّ أن يجازيهم تكون هذه الأعمال العلامة أنّهم آمنوا بالمسيح وساروا في خطّه، في حياته.

وهكذا، أحبّائي، قرأنا المزمور 49 مرّة أولى، ومرّة ثانية وثالثة، ولا يمكن أن نشبع من قراءته، ولا يمكن أن نستنفد الغنى الذي فيه ولو قرأناه عشرين وثلاثين مرّة. كلّ مرّة هناك غنًى جديد. ونتابع القراءة 49:13 وهذا القسم أعطيناه عنوانًا: الله يفتدي حياتي. يقول النصّ: عظمة الإنسان لا تدوم... ويكون عالم الأموات مسكنًا لهم.

3 - المائت من لا يعرف الربّ

هم الأغنياء الذين اتّكلوا على غناهم، على عظمتهم. وفي آية 11: أمّا البارّ، أمّا المتّكل على الله، أمّا المسكين، مسكين الربّ، فيقول لنا المرتّل في صيغة المتكلّم: أنا، لكنّ الله يفتدي حياتي أنا من الموت حين يأخذني. بعد ذلك يتابع في آية 17: لا تغرْ إذا اغتنى إنسان وعظُمَ مجد بيته، فبعد موته لا يأخذ شيئًا ولا يتبعه إلى القبر مجده. يهنّئ هذا الرجل نفسه في حياته، ويمدحها على طيب عيشه، لكنّه يموت ويلحق آباءه، ومثلهم لن يرى النور. عظمة الإنسان لا تسعده، هو مثل البهائم التي تهلك.

نبدأ، أحبّائي، فنلاحظ في آية 13 وآية 21، في بداية المقطع الذي نتأمّل فيه وفي نهايته: هذا الإنسان هو مثل البهائم التي تهلك، كأنّنا أمام لازمة، أمام قرار، أمام ردّة تتردّد في البداية وفي النهاية. ولماذا يكون الإنسان مثل البهائم؟ لأنّه يتّكل على عظمته. عظمة الإنسان تبقى على مستوى الإنسان. وفي النهاية، لا يبتعد الإنسان في حياته اليوميّة عن البهيمة، عن الحيوان. عظمة الإنسان لا تدوم. إن أرادها أن تكون، فهي تكون جثّة بين يديه، منتنة.

آية 21: عظمة الإنسان لا تسعده، لا تمنحه السعادة. فإذا أراد أن يجد السعادة في عظمته، في شخصه، في إمكانيّاته، فهو لا يتعدّى البهائم، هو يهلك والبهائم تموت. لكن إذا عرف أنّه بالروح الذي ناله، بالروح الذي يقرّبه من الروح القدس، صار أرفع من البهائم، عند ذلك لا يهتمّ بعظمته مهما كانت، لا يهتمّ بغناه مهما كَثُر، لا يهتمّ بشيء من هذه الدنيا.

ونعود إلى الآية 13: عظمة الإنسان لا تدوم، نعم لا تدوم. فلان عظيم، فلان غنيّ. كلّ هذا لا يدوم. إذا أردنا، فهي لا تبيت الليلة. يعني تكفيك ليلة فقط وليس أكثر من ليلة. مثل هذا الغنيّ الذي تحدّثنا عنه في مرّة سابقة. أراد أن يكبّر أهراءه حتّى تكون واسعة لكلّ غلاّته. قيل له في تلك الليلة: تؤخذ نفسك، في هذه الليلة. وهنا عظمة الإنسان وغناه وثروته لا يمكن أن تبيت ليلة واحدة. في الغد يراها وقد زالت مثل الندى، عندما تقوى حرارة الشمس.

4 - أيكون الإنسان مثل البهائم

ونتابع: إذا كانت حياة الإنسان تنتهي مثل البهائم. لماذا؟ والجواب: لأنّه يعيش طريق المتكاسلين، المتّكلين على نفوسهم، الراضين على أقوالهم. هم يحملون المديح لنفوسهم. وكلام الكتاب واضح: المدحة لا تأتي من الناس، وخصوصًا المدحة لا تأتي منّي أنا. مار بولس يقول: أنا لا أرضى أحدًا أن يدينني. حتّى أنا لا أدين نفسي. وحده الربّ هو الديّان. والمدحة التي يمكن أن نصل إليها، هي عطيّة من الربّ لا من الإنسان.

آ 15: إذًا، هؤلاء المتكاسلون، هؤلاء المتّكلون على نفوسهم، يساقون كالغنم إلى عالم الأموات. وهناك يرعاهم الموت. ينزلون توٌّا إلى القبر، وصورتهم تصير إلى البلاء، ويكون عالم الأموات مسكنًا لهم. تنتهي حياتهم في القبر، في الشيول أو عالم الأموات. في عالم الصمت كما قلنا. هناك لا كلام، لا تسبيح ؟. هذه نهاية الذين عاشوا الجهل ونسوا الله أمّا المؤمن فهو لا يتّكل على العالم وعلى ما في العالم، كما يقول أيضًا بولس الرسول: نحن لا نتّكل على العالم وعلى ما في هذا العالم. معونتنا فقط باسم الربّ، صانعِ السموات والأرض.

مع آية 16 نحن أمام فعل إيمان سبق بأجيال التفكير اليهوديّ. يمكن أن نقابل العبارة بما في الفصل الثاني من سفر التكوين مثلاً عندما يقول: يترك الرجل أباه وأمّه ويلزم امرأته ويكون الاثنان جسدًا واحدًا. هذا لا يمكن أبدًا أن يكون على مستوى البشر. لأنّ الذين كُتب في أيّامهم، لم يكونوا أصحاب زوجة واحدة. كان لداود مثلاً أكثر من زوجة وسليمان وغيره من الحكّام والملوك. ومع ذلك كانت كلمة نبويّة. وهنا كلمة مهمّة جدٌّا: الله يفتدي حياتي من يد الموت حين يأخذني.

5 - شفيعي حيّ

وقبل أن نتوقّف عند كلمات هذه الآية نتذكّر أيضًا ما قاله أيّوب في فصل 19:25. رغم أنّه يتألّم، رغم أنّه قريب من الموت، خسر أولاده، خسر أمواله، ماذا قال في 19:25: رغم أنّ الفلاسفة اعتبروا أنّ الله ضدّه، أنّ الله يضربه لأنّه خاطئ، مع أنّ الكتاب قال لنا هو تامّ، هو كامل، هو بارّ. إذًا، يقول سفر أيّوب 19:25: أعرف أنّ شفيعي حيّ وسأقوم آجلاً من التراب، فتلبس هذه الأعضاء جلدي، وبجسدي أعاين الله، وتراه عيناي إلى جانبي ولا يكون غريبًا عنّي. هو بلا شكّ فعلُ إيمان كبير.

وإذا عدنا إلى 49:16، نسمع المرتّل يقول: الله يفتدي حياتي. الإنسان لا يستطيع أن يفتدي حياة إنسان. هو أضعف من أن يفعل. هو خاطئ. ورئيس الكهنة نفسه كان عليه أن يقدّم ذبائح عن خطيئته أوّلاً ثمّ عن خطايا الشعب. هو الله يفتدي حياتي من الموت حين يأخذني. هنا نتذكّر أنّ هذه الكلمة قيلت في إيليّا النبيّ الذي أخذه الله إليه. فعلُ الإيمان هذا يبدّل العاطفة كلّها.

6 - عودة إلى الأشرار

في القسم الأوّل صاحب المزمور كان منزعجًا من هؤلاء الأشرار الذين ينجحون، من الكسالى والبلداء الذين ينامون مع الحكماء. يأخذني. إذًا، الله هو الذي يأخذني بيده. آ 17: لا تغر إذا اغتنى إنسان وعظم مجد بيته. هنا انقلبت الأمور كلّها. قبل ذلك اغتنى إنسان فغار المرتّل. عظم إنسان، تمجّد إنسان، كبر بيته فغار المؤمن. الآن تبدّل كلّ شيء، يقول آ 18: عند موته لا يأخذ شيئًا، ولا يتبعه إلى القبر مجده. كلّ ما هو من الأرض يبقى على هذه الأرض. ما اقتناه الإنسان، ما اغتنى به على الأرض، يبقى مع الأرض. عند موته لا يأخذ شيئًا ولا يتبعه إلى القبر مجده. يهنّئ نفسه في حياته ويمدحها على طيب عيشه.

هو فرح نتذكّره مع الغنيّ في إنجيل لوقا. كان رجل غنيّ يلبس البرفير والأرجوان ويتنعّم كلّ يوم. وهذا الغنيّ يظهر بشكل ساطع، بشكل فاقع عندما نرى أليعازر الفقير عند باب هذا الغنيّ. إذًا، يهنّئ نفسه أنّه يمتلك الثروة، أنّه يمتلك المال يمتلك العظمة، ويُمدح على طيب عيشه. وبقدر ما هو فرح نسيَ أنّه إنسان. إذًا، هو لا يموت، وطريق السعادة له محضّرة.

آية 21: وآخر آية، عظمة الإنسان لا تُسعده، هو مثل البهائم التي تهلك. فكلّ ما يريد الإنسان أن يفعله لنفسه، لن ينجح فيه أبدًا. وكلّ مرّة يهنّئ نفسه هو مخطئ كلّ الخطأ. يعتبر أنّه خالد، أنّه لا يموت، هو غلطان بأكبر غلطة، خصوصًا أنّنا لا نأخذ شيئًا معنا، عند موتنا. لا نأخذ إلاّ شخصيّتنا، أعمالنا، حياتنا، وجهنا. هذا ما نأخذه معنا. لكنّ العظمة تبقى هنا، المال يبقى هنا، الثروة والملك يبقيان هنا. كلّ هذا يبقى هنا. والعالم ما دام في هذا الإطار لن يرى النور. متى يرى النور؟ حين تكون يد الربّ معه، حين يفتديه الربّ، يلقى النور؛ وهؤلاء المتّكلون على نفوسهم لن يروا النور. أمّا الأبرار فيعيشون في النور.

نعم يا ربّ، أنت تفتدي حياتي، فأسير معك في النور. أنت يا ربّ تأخذني من يد الموت، فلا أعرف الهاوية، ولا يعرف جسدي الموت، ولا يعرف جسدي الفساد، بل تكون لي معك الحياة الأبديّة. آمين.

 

Copyright © 2017 BOULOS FEGHALI. SITE by OSITCOM ltd
Webmaster by P. Michel Rouhana OAM