الفصل الخامس والعشرون: خطب بطرس الخمس الرسولية

الفصل الخامس والعشرون
خطب بطرس الخمس الرسولية
في أعمال الرسل:
بنيتها ومضمونها اللاهوتي
الأب يوحنا الخوند

أ- مقدمة: الخطب في كتاب أعمال الرسل
لجأ الكتّاب الأقدمون، في مؤلّفاتهم التاريخية، إلى الخطب كوسيلة تعبير أدبية، لشرح نفسية الرجالات العظام في سرد سيرتهم، أو لشرح وضع راهن، أو لإظهار معنى حدث تاريخي معيّن. ولجاً لوقا أيضاً كمؤرّخ إلى الخطب، في كتاب أعمال الرسل، مقتدياً بمؤرّخي اليونان القدامى، كما فعل في مقدّمة الإنجيل (1: 1- 4) وفي سياق الإنجيل حيث يربط أحداثه بأحداث التاريخ المعاصر، الديني منه والمدني (1: 5؛ 2: 1- 2؛ 3: 1- 3).
من إحصاء مدقّق لنصوص الخطب في كتاب أعمال الرسل، نخلص إلى ما يلي:
1)- نجد 236 آية من أصل 1005، أي ما يقارب الربع من نصّ الكتاب الكامل خطباً مختلفة:
- ثماني خطب لبطرس (1: 15- 22؛ 2: 14- 36، 38- 40؛ 3: 12-26؛ 9:4-12؛ 29:5-32؛ 10: 34-43؛ 11: 5- 17؛ 15: 7- 11).
- ثماني خطب لبولس (13: 16- 41، 46- 47؛ 17: 22- 31؛ 20: 18- 35؛ 22: 1- 22؛ 24: 10- 21؛ 26: 2- 23، 25- 27؛ 27: 21- 26؛ 28: 17- 20، 50- 28).
- خطبة لنرسل الإثني عشر (6: 2- 3).
- خطبتان ليعقوب (15: 13- 21؛ 21: 20- 25).
- خطبة لاسطفانوس (7: 2- 53).
- خطبة لبولس وبرنابا (14: 15- 17).
- صلاة الكنيسة المضطهدة (4: 24- 30).
- رسالة كنيسة أورشليم إلى كنائس الأمم (15: 23- 29).
- خطبة صنّاع أفسس (19: 25- 27).
- خطبة كاتب أفسس (19: 35- 40).
- خطبة المحامي ترتلس (24: 2- 8).
- خطبة الوالي فستس (25: 14- 21، 24- 27).
- رسالة قائد الألف ليسياس للوالي فيلكس (23: 26- 30).
2)- نجد ان الخطب موزّعة توزيعاً متناسباً على جميع فصول الكتاب تقريباً. أربعة فصول فقط لا تحوي خطباً (8؛ 9؛ 12؛ 16)، ولكنها تحوي حوارات مختلفة. لو جمعت نصوص الحوارات العديدة المستطيلة قي جميع فصول كتاب أعمال الرسل، لوجدنا أكثر من ثلث الكتاب خطباً وحوارات. هذا كلّه يدلّ على تفضيل لوقا لأسلوب الخطب والحوارات في كتابه، وتوزيعها منسّقة على كلّ أقسام الكتاب.
3)- نجد الخطب قصيرة جداً، تقع أقصرها في آيتين أو ثلاث، وأطولها في 28 آية، ما عدا خطبة اسطفانوس وحدها، في ستّين آية. ونلاحظ انها برغم قصرها تؤلّف. وحدات أدبية كاملة في ذاتها، حتى ولو قاطع أحد السامعين المتكلّم في خطبته، يبقى المعنى في الخطبة كاملاً (7: 54؛ 10: 44؛ 17: 32؛ 22: 22؛ 26: 24)... وهذا أيضاً دليل على أسلوب لوقا الإنشائي، فإنه لا ينقل لنا في كتابه نقلاً حرفياً كاملاً مسجّلاً لوقائع الخطبة في المكان والزمان. لذلك لا يسعنا إلاّ أن ندرك من خلال ذلك قصد الكاتب أن يوجّه كلامه في تلك الخطب إلى القارىء أكثر منه إلى السامعين التاريخيين الحقيقيين، ليشدّد على بعض أحداث خلاصية مصيرية، ومفارق هامّة في نموّ الرسالة الإنجيلية، وانتشارها في العالم، ونموّ الكنيسة، جماعة المؤمنين بقوّة روح يسوع الممجّد.
4)- نجد مجمل الخطب مطبوعاً بلاهوت الإنجيلي لوقا.

ب- خطب بطرس الخمس الرسولية: بنيتها ومضمونها اللاهوتي
من خطب بطرس الثماني، في كتاب أعمال الرسل، خمس فقط تمثّل البلاغ الرسولي الأول، تضاف إليها خطبة واحدة مشابهة للقديس بولس في مجمع أنطاكية بيسيديا (13: 16- 41).
أمّا خطب بطرس الخمس، وهي موضوع بحثنا، فهي:
الأولى أمام الشعب يوم العنصرة (2: 14- 40)،
والثانية أمام الشعب بعد شفاء الكسيح (3: 12- 26)،
والثالثة أمام المجلس اليهودي (4: 9- 12)،
والرابعة أيضاً أمام المجلس اليهودي (5: 29- 32)،
والخامسة في بيت كرنيليوس (10: 34- 43).
ونجد في كلّ من هذه الخطب الخمس، مهما طالت (26 آية)، أو قصرت (4 آيات)، تصميماً واحداً، وموضوعاً واحداً كاملاً، مبنيّاً على نقطتين أساسيّتين هما: رسالة يسوع الخلاصية، وبراهين من الكتاب المقدّس. لكن ترتيب هاتين النقطتين يختلف من خطبة إلى أخرى، وقد تراجعت إحدى النقطتين مرات في الخطبة الواحدة، لكنهما نقطتان جوهريتان في كلّ خطبة.
ويبدأ الرسولي دوماً خطبته بمقدّمة يذكر فيها الظرف والمناسبة الخاصة التي فيها يتكلّم، ويختم دوماً بدعوة ملحّة إلى الإيمان والتوبة والخلاص.
1- مقدّمات الحطب الخمس
- مقدّمة الخطبة الأولى (2: 14- 15): يتكلم الرسول بطرس كمسؤول أول بين الرسل الإثني عشر، مخاطباً اليهود الذين احتشدوا أمام العليّة، حيث كان الرسل مجتمعين معاً، وحلّ عليهم روح العنصرة، وشرعوا يتكلّمون بألسنة غريبة على ما كان الروح القدس يؤتيهم أن يتكلّموا. وكان اليهود المحتشدون ذاهلين متحيرّين متسائلين، وبعضهم كانوا ساخرين يقولون: لقد سكروا من الخمر! فما كان من بطرس إلاّ انه بدأ خطبته بمقدّمة منكراً فيها على اليهود المحتشدين توهمّهم ان الرسل سكارى، ومعلناً انها الساعة التاسعة من صباح ذلك اليوم الخمسين، وهي ليست ساعة الشرب والسكر.
- مقدّمة الخطبة الثانية (3: 12): يخاطب بطرس الشعب، وقد هرع هذا إليه ذاهلاً كلّ الذهول من شفاء الكسيح على باب هيكل أورشليم، فيبدأ الرسول خطبته بمقدّمة داعياً فيها الشعب إلى الهدوء والسكينة، ومنكراً عليهم تعجّبهم وتوهمّهم أن يكون هو ورفيقه يوحنّا بقوّتهما أو بتقواهما قد جعلا ذلك الكسيح يمشي!
- مقدّمة الخطبة الثالثة (4: 9): أمام مجلس أورشليم الأكبر، وهو المحكمة العليا في إسرائيل، يتكلّم بطرس وقد امتلاً من الروح القدس، مخاطباً الرؤساء والشيوخ والكتبة وعظيم الاحبار وكلّ أعضاء الأسرة الحبرية. يبدأ خطبته بمقدّمة منكراً فيها عليهم أن يحاكموه مع رفيقه يوحنا على عمل إحسان عملاه بشفاء الكسيح، وكأنهما في نظر المجلس قد اقترفا جرماً كبيراً يستحقّ الحكم.
- مقدّمة الخطبة الرابعة (5: 29): أمام مجلس أورشليم الأكبر يَمثُل الرسل كلهم مع بطرس. وجواباً على قول عظيم الاحبار لهم ان المجلس قد نهاهم أشدّ النهي عن التعليم باسم يسوع، وعلى الرسل أن يطيعوا، بدأ بطرس مع الرسل خطبته بمقدّمة ينكر فيها على المجلس اليهودي سلطته وحقّه بالطاعة في أمر نهي الرسل عن التعليم باسم يسوع، ومعلناً ان الله أولى بطاعتهم من البشر.
مقدّمة الخطبة الخامسة (10: 34- 35): في بيت قائد المئة كرنيليوس، في قيصرية البحرية، وقد أرسل هذا القائد إلى يافا إثنين من أهل بيته وجندياً من حرسه الخاص، يستدعي بطرس ليحضر إلى بيته، حيث كان في انتظاره هو وأهل بيته وأنسباؤه وصفوة من أصدقائه، ليسمعوا من بطرس البشرى. يبدأ بطرس خطبته بمقدّمة يعلن فيها رضى الله عن كلّ إنسان اتّقاه، من أيّ أمّة كان. هذا كان أوّل لقاء لبطرس مع جماعة وثنية، وقد سبق الله في رؤيا فدعاه إلى تخطّي مفاهيمه اليهودية في المآكل، في الطاهر والنجس، وعدم التفريق بين يهودي ووثني، لأن الله يطهّر بالإيمان قلوب الوثنيين، فيستغنون عن الختان.
2- رسالة يسوع الخلاصية
النقطة الأساسية الأولى في كلّ خطبة هي ذكر مراحل رسالة يسوع الخلاصية، أهمّها في كلّ خطبة مرحلة موته وقيامته من الموت. ولكن في الخطب مراحل أخرى عدّة يمكننا أن نلخّصها كما يلي:
- يسوع ناصري، من ناصرة الجليل (2: 2؛ 4: 10)؛
- بدأ رسالته في الجليل بعد العماد الذي نادى به يوحنا المعمدان (10: 37)؛
- حلّ عليه الروح القدس وقدرة الله في عماده (10: 38)؛
- طاف في كلّ بلاد اليهود حتى أورشليم وهو يعمل الخير، والله يؤيّده بالمعجزات والعجائب والآيات، لأن الله كان معه (2: 22؛ 10: 38)؛
- اختار له تلاميذ شهودَ عِيان على كلّ ما فعل (10: 39، 41)؛
- اسلمه شعبه إلى الوثنيين الرومان (2: 23؛ 3: 13)؛
- نبذه اليهود في حضرة بيلاطس الوالي الروماني الذي حكم بإطلاقه (13:3)؛
- طالب اليهود بيلاطس بالعفو عن قاتل بدل يسوع (3: 14)؛
- قتله اليهود (2: 23؛ 5: 30؛ 10: 39)، أماتوه (3: 15)، صلبوه (2: 23؛ 4: 10)، علّقوه على خشبة (5: 30؛ 10: 39)؛
- لكنّ الله أقامه (2: 24، 32؛ 3: 15؛ 4: 10؛ 5: 30؛ 10: 40)، من بين الأموات (3: 5؛ 4: 10؛ 10: 41)، من أهوال الموت وقبضته (2: 24)؛ في اليوم الثالث (10: 40)؛
- ظهر لتلاميذه بعد قيامته، مثبتاً لهم حقيقة قيامته (10: 40- 41)؛
- التلاميذ شهود عيان ليسوع القائم من الموت (2: 32؛ 3: 15؛ 5: 32؛ 10: 41- 42)؛
- التلاميذ نالوا الروح القدس من يسوع القائم (2: 33؛ 5: 32)؛
- التلاميذ يبشّرون الشعب بيسوع (10: 42)؛
- التلاميذ نالوا الروح القدس من يسوع القائم (2: 33؛ 5: 32)؛
- التلاميذ يبشّرون الشعب بيسوع (10: 42)؛
- يسوع هو الرب (2: 36)؛ يسوع هو المسيح (2: 36)؛ يسوع هو النبيّ (3: 23- 24)؛ يسوع هو الفتى، عبد الله المتألمّ الممجّد الذي صار البركة للمؤمنين (3: 26)؛ يسوع هو الرئيس القائد إلى الحياة (5: 31)؛ يسوع هو القدّوس والبار (3: 14)؛ يسوع هو وحده المخلّص (4: 12؛ 5: 31)؛ يسوع هو ربّ الناس أجمعين (10: 36)؛ يسوع هو ديّان الأحياء والأموات (10: 42).
3- البرهان من الكتاب المقدّس
النقطة الأساسية الثانية في كل خطبة هي البرهان الكتابي: في شخص يسوع ورسالته الخلاصية كلّها تحقّقت أقوال الأنبياء الأقدمين كافة. في كلّ خطبة إشارة إلى هذه النقطة الأساسية الهامّة. كان على الرسل والكنيسة الأولى في عهدها الرسولي الأول ان تحدّد موقفها من العهد القديم: هل أتمّ يسوع انتظار العهد القديم؟ هل بقي منه شيء لم يتمّ؟ هل تمّ منه شيء على خلاف ما كان منتظراً؟ عن تلك الأسئلة حاول الرسل والكنيسة الأولى أن يجيبوا بوضوح، معلنين أن يسوع قد أتمّ في شخصه وتعليمه وأعماله كلّها تدبير الله الخلاصي، كما سبق الله وأعلنه في الآباء والأنبياء الأقدمين. وكما فعل يسوع نفسه في مجمع الناصرة، يوم قرأ في كتاب أشعيا النبيّ: "روح الربّ علي، فقد مسحني لأبشّر المساكين، أرسلني أنادي بإطلاق الأسرى، وعودة البصر إلى العميان، وأحرّر المقهورين، وأنادي بسنة مقبولة لدى الربّ" (لو 4: 18- 19)، ثم طوى السفر وجلس وشرع يقول للحاضرين: "اليوم تمّ كتاب سمعتموه" (لو 4: 21)، هكذا فعك بطرس والرسل في كلّ خطبة تكلّموا فيها عن يسوع ورسالته الخلاصية.
يستفيض بطرس، بقلم لوقا، في استعمال البراهين الكتابية في الخطبتين الأولى والثانية، ويختصر في الثالثة، ولا يذكر نصّاً كتابياً محدّداً في الرابعة والخامسة:
- في الخطبة الأولى (2: 16- 21) يركّز على خمس آيات من يوئيل النبي (3: 1- 5)، مبرهناً ان إعطاء الروح القدس للرسل في العليّة هو حدث خلاصي وعد به الله قديماً، وهو امتداد طبيعي لأحداث العهد القديم، وتحقيق النبوءات، في يوم الربّ العظيم السنّي الذي هو يوم مجيء المسيح في الأزمنة المسيحانية التي حدّدها الله في تدبيره الخلاصي.
* وفي (2: 25- 28، 31)، يركّز على أربع آيات من المزمور (16: 8- 11)، يطبّقها برهاناً على قيامة الرب يسوع الذي قام من القبر ولم يرَ فساداً، بينما كاتب المزامير مات، ولا يزال قبره في أورشليم شاهداً على موته وفساده.
* وفي (2: 30) يركّز على المزمور (132: 11)، برهاناً على تحقيق ما وعد الله به داود الملك أن يعطيه وريثاً أبدياً على عرشه من صلبه.
* وفي (2: 34- 35)، يركّز على المزمور (110: 1)، برهاناً على ان يسوع الحيّ القائم ظافراً على الموت، والممجّد عن يمين الله، والمفيض الروح القدس هو الرب والمسيح.
* وفي (2: 23) يركّز على ان تلك النبوءات الكتابية هي تصميم رسمته إرادة الله وحدّدته، وما من قوّة تستطيع الوقوف في وجه هذا التحديد. لذلك فإن حكم اليهود على يسوع يقابله تدخّل الله لإقامة يسوع من الموت.
- وفي الخطبة الثانية (3: 13، 18، 21- 25)، يستفيض بطرس في ذكر الآباء والأنبياء برهاناً قاطعاً على صدق رسالة يسوع الخلاصية:
* في (3: 13) يركز على الآباء الأقدمين إبراهيم وإسحق ويعقوب، وفي (3: 25) يركّز على إبراهيم أبي الآباء، الذي يمثل في شخصه الآباء أجمعين، وله أعطى الله الوعد الأكبر الذي تحقّق في الرب يسوع: "في نسلك تتبارك جميع عشائر الأرض" (تك 22: 18).
* وفي (3: 18، 21، 24، 25) يركّز تكراراً على الأنبياء، مشدّداً على تحقّق نبوءات العهد القديم كلّها في العهد الجديد. ولكن في (3: 22- 23) يخصّ من بين الأنبياء موسى أولاً، في وصيته الأخيرة: "سيقيم لكم الرب إلهكم من بين إخوتكم نبياً مثلي، فله تسمعون في كلّ ما يقوله لكم. وكلّ من لا يسمع لذلك النبيّ يستأصل من الشعب" (تث 18: 15، 19). ثمّ يخصّ أيضاً صموئيل وخلفاءه في (3: 24)، الذين بشّروا بأيّام يسوع المسيح وهي أوقات الفرج (3: 20)، وأزمنة التجديد الكامل (3: 21).
- والخطبة الثالثة (4: 11)، تتألّف من أربع آيات لا غير، وقد اجتهد لوقا أن يعتصر فيها كل عناصر الخطبة الأساسية: فالآية (4: 9) هي المقدّمة، تشرح الظرف والمناسبة الخاصة بالخطبة، والآية (4: 10) تختصر رسالة يسوع الخلاصية، والآية 4: 11 برهان من الكتاب المقدّس، من المزمور (118: 22): "ذاك هو الحجر الذي رذلتموه، أيها البنّاؤون، والذي صار حجر زاوية"، والآية (4: 12) هي الخاتمة، دعوة إلى الإيمان باسم الربّ يسوع للخلاص.
- أما في الخطبة الرابعة (5: 30) فيكتفي بالتركيز على الآباء دون تحديد.
- وفي الخطبة الخامسة (10: 43) يكتفي بالتركيز على الأنبياء دون تدقيق.
في جميع هذه الخطب نرى عنصراً أساسياً في البشارة الرسولية الأولى تشديدها على تحقّق نبوءات العهد القديم في العهد الجديد، في شخص يسوع المسيح وخصوصا في آلامه وموته وقيامته، كما جاء في الإنجيل بحسب القديس لوقا، ان يسوع نفسه في ظهوره لتلميذي عمّاوس بعد قيامته، قد فسرّ لهما كلّ ما قال فيه الكتاب، مبتدئا بموسى وكلّ الأنبياء (لو 24: 27)، وفي ظهوره لتلاميذه الاحد عشر، قد فتح أذهانهم ليفهموا الكتب، وانه "قد تمّ فيه كل ما كتب عنه في توراة موسى والأنبياء والمزامير" (لو 24: 44- 45).

4- خاتمات الخطب الخمس
تنتهي كل خطبة رسولية بدعوة إلى التوبة (2: 38، 40، 3: 19، 26؛ 5: 31)، والعودة إلى الربّ 3: 19)، والإيمان به (10: 43) والطاعة له (5: 32)، والإعتماد باسمه (2: 38)، للدخول في صلة خاصة جديدة بيسوع الحيّ القائم، فتحلّ في المؤمن المعمَّد قوّة جديدة تغيرّه من داخل، وتغفر له خطاياه (2: 38؛ 3: 19؛ 5: 31؛ 10: 43)، وتمنحه الروح القدس (2: 38؛ 5: 32)، والخلاص الكامل (4: 12). تلك النعمة لم تعُد محصورة بالمؤمنين من اليهود فقط، بل تعمّمت على جميع الأبعدين الوثنيّين كافة دون استثناء (2: 39).
ختاماً لعرضنا وتفصيلنا لخطب بطرس. الخمس في كتاب أعمال الرسل، واكتشاف تصميمها الواحد الثابت، ومضمونها اللاهوتي الغني، لن يسعنا التشديد بما فيه الكفاية على أهميّة تلك الخطب في البشارة المسيحية في أوّل نشأتها، وفي شكلها البسيط المختصر، لأن تعليم الرسل وخطبهم أصبحت تدريجياً إطاراً للإنجيل، ومادة لتصميمه العام، وخصوصاً في الأناجيل الإزائية، التي هي ينبوع كلّ إيماننا ولاهوتنا المسيحي:
يقول لوقا في أحد الملخّصات عن حياة الكنيسة الأولى في أورشليم (2: 42)، ان عنصراً أساسياً في تكوين الجماعة المسيحية الأولى كان مواظبة المؤمنين على تعليم الرسل وشهادتهم العيانية ليسوع القائم من الموت، وشرحهم لكتب العهد القديم، وإعلانهم لعظائم الله، من خلال حياة يسوع الشخصية منذ عماده حتى موته وقيامته.
وفي مقدّمة الإنجيل، يروي الإنجيلي لوقا بصيغة المتكلّم (1: 1- 4)، محدّداً مصادره ونهجه وغايته، متقيّداً بالتصميم الرسولي التقليدي، مراعياً الترتيب الزمني والجغرافي، مضيفاً فقط إنجيل الطفولة. والتصميم الرسولي للإنجيل هو كما يلي: بشارة المعمدان، عماد يسوع، بشارة يسوع في الجليل، بشارة يسوع في أورشليم، صلب يسوع والامه وموته وقيامته وظهوراته وإرساله التلاميذ للبشارة. وقد حافظ على هذا التصميم كلّ من متّى ومرقس ولوقا.
فأجمل ما يقال في تلك الخطب الرسولية الخمس: انها خلاصة الإنجيل!

ملاحظة:
أمّا البعد الراعوي لخطب القديس بطرس فواضح لا يُخفى على أحد: انها مثال لخطب الكاهن في مختلف الإحتفالات الطقسية، مهما طالت أو قصرت:
1- على الكاهن أولاً أن يبدأ خطبته بمقدّمة، من واقع السامعين لينطلق في خطبته (هي المفتاح).
2- على الكاهن أن يصمّم خطبته في نقطتين أو ثلاث على الأكثر، وأن تكون النقطة الأولى مركّزة على سرّ المسيح، بحسب المناسبة، والنقطة الثانية مستلهمة من الواقع التاريخي الماضي أو الحاضر أو المستقبل (فيها قراءة علامات الأزمنة) لتسليط الأضواء على النقطة الأولى.
3- على الكاهن أخيراً أن يخلص إلى التطبيق العلمي والتحريض والتشجيع لمزيد من الإيمان والإلتزام.

 

Copyright © 2017 BOULOS FEGHALI. SITE by OSITCOM ltd
Webmaster by P. Michel Rouhana OAM