الفصل الحادي والعشرون :إستعمال التوراة في الدفاع عن الإيمان

الفصل الحادي والعشرون
إستعمال التوراة في الدفاع عن الإيمان
الخوري بولس الفغالي

إنحنت المسيحية الأولى على التوراة تتأمل فيها. ودعا الوعّاظ الأولون سامعيهم لكي يتفحّصوا نصوصها. فالأسفار المقدسة تقدّم في نظرهم شهادة ساطعة عن شخص يسوع، عن عمله ورسالته. وإن الأحداث الحاضرة ستجد كلّ مدلولها على ضوء النصوص القديمة. كما أن النبوءات القديمة ستنال تأويناً جديداً حين تتمّ في يسوع المسيح. فالتوراة تفسّر تعليم المسيح والعكس بالعكس.
ومع الزمن، تركز الإنتباه على بعض النصوص المعبرّة لتكّون دفاعاً مسيحيا نجد آثاره في خطب أع. في الحقيقة، ليس استعمال النصوص البيبلية للدفاع عن الإيمان أمراً جديداً في الكرازة الرسولية. فقد عاد يسوع إلى نصوص التوراة، ونحن لن نفهم تعاليمه إن تجاهلنا هذه العودة إلى الأسفار المقدسة: يسوع هو الذي يحقّق انتظار اسرائيل الطويل، وإليه تتوجه الأسفار المقدسة لكيّ يتمّها. وتابعت كرازة الرسل هذا التعليم مستفيدة من الأضواء الجديدة التي حملتها الأحداث: آلام يسوع وموته وقيامته.
إن لوقا حدّد برنامج البرهان المسيحي بواسطة الأسفار المقدسة في أع، بل في الفصل الأخير من إنجيله. وهكذا بيّن التواصل بين الكرازة الرسولية وتعليم يسوع. فيوم العنصرة نفسه، تسلّمت الكنيسة من ربهّا التعليم الذي ستعلنه للعالم. على طريق عماوس، قدّم يسوع أمثولة تفسير مسيحي لتلميذين انطلقا في ذاك الصباح من أورشليم (لو 24: 13- 32): "شرح لهما ما جاء عنه في جميع الكتب المقدسة، من موسى إلى سائر الأنبياء" (لو 24: 27). وفي المساء عينه، ظهر للرسل وفتح أذهانهم ليفهموا الكتب المقدسة (لو 24: 45): "لا بدّ أن يتم لي كل ما جاء عني في شريعة موسى وكتب الأنبياء والمزامير" (لو 24: 44). واتخذت شروح يسوع شكل درس منظّم في التوراة: إنطلق من اسفار موسى الخمسة (البنتاتوكس) وتابع مع الأنبياء. وزادت آ 44: المزامير، فاعتبرت عمل داود عمل نبي كسائر الأنبياء.
إذن، اتبعت البرهنة ترتيب التوراة. ولكن عمّا أراد يسوع أن يبرهن؟ لقد بين يسوع لتلميذي عماوس أن "على المسيح أن يعاني هذه الآلام ليدخل في مجده" (24: 27). وحدّد البرنامج أيضاً في 24: 47: "إن المسيح يتألم ويقوم من بين الأموات في اليوم الثالث، وتُعلن باسمه بشارة التوبة لغفران الخطايا إلى جميع الشعوب، ابتداء من أورشليم". تبرز ثلاث نقاط. الأولى: على المسيح أن يتألم. الثانية: عليه أن يقوم. الثالثة: سيحمل تعليم الخلاص إلى العالم كله بما فيه الأمم الوثنية. وسيبين أع أن تلك هي النقاط الرئيسية للبرهنة المسيحية في الكرازة الرسولية.

1- شريعة موسى
لن نتوقّف على الشهادات العديدة التي يعطيها أع عن كرازة مؤسَّسة على الأسفار المقدسة، كما تأسسّ عليها تعليمُ يسوع القائم من الموت. نحن نستند إلى الكتب (17: 2، 11؛ 18: 28)، إلى الأنبياء (3: 18، 21، 24؛ 10: 43؛ 13: 27؛ 15؛ 26: 27). سنقدّم البرهان انطلاقاً من الكتاب المقدس (9: 22؛ 10: 43؛ 17: 2؛ 18: 5، 28، 20: 21، 24، 28: 23)، ونرى القرارات التي اتخذها الله مسبقاً وظهرت لا الكتاب (2: 23؛ 3: 18، 21؛ 4: 12، 28). ونشير إلى خطبة اسطفانس (ف 7) وخطبة بولس في انطاكية بسيدية (ف 13) اللتين تتفحّصان النصوص المقدسة تفحصاً منهجياً.
أولاً: النبي
هناك في أسفار موسى مقطع لفت الإنتباه بسبب قيمته الكرستولوجية (تث 18: 15، 18، 19). يعلن الله فيه لموسى أن اسرائيل لن يُترك بعد موته من دون رجل ملهم (نبي) يعلن له كلمة الله: "أقيم لهم من بين اخوتهم نبياً مثلك". حين يقرأ المسيحي هذا المقطع، فالنبي الشبيه بموسى هو المسيح النبي الوحيد الذي هو أعظم من موسى. من هناً أهمية لقب النبي المعطى ليسوع في الكرستولوجيا اليوحناوية (يو 6: 14؛ 7: 40؛ رج 1: 21، 25). يورد أع مقطع تث مرتين. في خطبة اسطفانس كايراد بسيط (7: 37)، وفي خطبة بطرس كبرهان عن يسوع المسيح.
على ماذا يبرهن النصّ؟ إن خطبة بطرس هي أساساً اعلان لقيامة المسيح. يؤكد أولاً أن الله "مجّد فتاه" (3: 13). ويختتم كلامه: "لكم أولاً أقام الله فتاه" (3: 63). وبين الاثنين يتكلّم عن آلام تحمّلها يسوع، وقد اعلن عنها الانبياء (3: 18). ويتحدّث أيضاً عن الأزمنة المسيحية التي أنباً بها الانبياء (3: 21) والتي دلّت قيامة يسوع على اقتراب مجيئها. لا يتعلق نصّ تث بآلام المسيح، ولا يشير إلى إقامة المملكة الاسكاتولوجية. نحن نعود به إلى القيامة بفضل معننَيْ كلمة "أقام" في اليونانية كما في العربية. قال موسى لبني اسرائيل: "سيقيم الرب لكم نبياً". ويقول بطرس: "لكم أقام الله فتاه". قال موسى: "لن ينقصكم من يتكلّم باسم الرب". فصار النصّ إعلاناً عن القيامة. وقال موسى: "اسمعوا له". فصارت النصيحة في فم بطرس تهديداً لكل من لا يسمع للنبي الذي أقامه الله (من بين الأموات). وهذا التهديد مأخوذ أيضاً من لا 23: 29 الذي تعلق بالمحتفلين بعيد التكفير (كيبور). إذن، يستعمل بطرس النصّ بحرّية كبيرة.

ثانياً: موسى
تتوقف خطبة اسطفانس مطولاً على خبر موسى (7: 17-42) ببعده الرمزي. حاول اسطفانس أن يقابل بين الرسالة العظيمة التي سلّمها الله إلى موسى وموقف الرفض والعقوق الذي وقفه منه شعب اسرائيل. ويدور هذا الموضوع حول خر 2: 14 (رج أع 7: 27، 35). رفض بنو اسرائيل موسى وقالوا له: "من أقامك علينا رئيساً وقاضياً"؟ ولكن الله سلّم إليه مهمّة الرئيس والمخلّص (7: 35) الذي ينقذ شعبه (7: 25). التلميحات شفافةٌ. حين تكلّم اسطفانس عن موسى فكّر بيسوع. فموقف اليهود تجاه موسى هو صورة مسبقة عن موقفهم تجاه الرئيس والمخلّص والفادي. تجاه يسوع الذي هو أعظم من موسى.
على ضوء هذا المقطع نفهم فهماً أفضل التلميح الذي تتضمّنه خطبتا بطرس. بعد أن يوبّخ اليهود على جرمهم ضد يسوع، يؤكّد أن الله جعله "رئيساً ومخلّصاً" (5: 31). وفي 3: 13- 15 يقابل بطرس بين موقف اليهود الذين أنكروا يسوع مع أنه "رئيس" الحياة (كما انكروا موسى). وأنكروا تدخّل الله الذي أقامه.
وهكذا نجد موازاة بين موسي والمسيح، تتيح لنا أن نقول عن يسوع ما قالت النصوص عن موسى، وتُبرز ملامح خبر موسى الذي يدلّ مسبقاً على ما سيلاقيه المسيح من معارضة وسط شعبه: كما رذل بنو اسرائيل موسى، هكذا سيرذلون المسيح.
ثالثاً: احداث الخروج
صارت أحداث الخروج علامة لما سيحصل حين مجيء المسيح (1 كور 10: 1- 11). حين نجد خبر هذه الأحداث في فم اسطفانس أو بولس، نستشف أن ما أورداه من أقوال لم يكن من قبيل الصدف. هناك أولاً تلك التي اتخذت مدلولاً جديداً على ضوء الحدث المسيحي الذي هو قيامة يسوع. حين يشدّد اسطفانس على عبادة الأوثان التي وقع فيها بنو اسرائيل في البرية (خر 32: اي؛ أع 7: 40- 41)، فلكي يستعد إلى أن يقوله إن الهيكل هو صورة المعبد الحقيقي. فالله لا يستطيع بعد اليوم أدن يسكن معبدا صنعته أيدٍ بشرية (7: 48)، ولا أن تمثّله صورة صنعتها يد إنسان (7: 41). إن تعلّق اليهود بالهيكل يصل بهم إلى عبادة حجارة ظهرت لاسطفانس وكأنها امتداد لعبادة الأصنام في البرية.
وهناك تلميح آخر إلى نصٍ تشريعي. يقول أع 5: 30 و10: 39 (رج أيضاً 13: 29) إن اليهود "علّقوا يسوع" (صلبوه) على الخشبة. نجد هنا العبارة في 1 بط 2: 24 وغل 3: 13. وهي تعود إلى تث 21: 23: "ألا تبيت جثته على شجرة. عليك أن تدفنه في ذلك اليوم. لأن المعلّق هو ملعون من الله". فيسوع المعلّق على خشبة (رج كلمة "قيسو" في السريانية التي تعني شجرة وخشبة) صار في وضع ذلك الذي تعلنه الشريعة ملعوناً. إذن، أخذ على عاتقه اللعنة التي أصدرتها الشريعة ضد الخطأة (رج أيضاً تث 3:33-4؛ ق أع 20: 32؛ 18:26).
رابعاً: سفر التكوين
من الصعب أن نجد هدفاً دفاعياً في ما يرويه اسطفانس عن ابراهيم (7: 2-8). أما الهدف الدفاعي فبارز في ايراد بطرس (3: 25) لنصّ تك 12: 3 (أو 22: 18؛ رج 18: 18) الذي يعود أيضاً في غل 3: 8. يعلن الله لابراهيم: "بنسلك تتبارك كل عشائر الأرض" (يُبنى البرهان على نصّ السبعينية). إذا كانت البركة المسيحانية معدّة اولاً لليهود (3: 26)، فهي ستمتدّ أيضاً إلى كل الأمم الوثنية. فالمسيح القائم من الموت هو مبدأ خلاص للوثنيين أيضاً. هذا هو المبدأ الثالث للبرهان الكتابي كما حدّده لو 24: 46-47.
والملّخص الذي يقدّمه اسطفانس عن خبر يوسف بن يعقوب (7: 9-16)، يكشف لنا النمطية التي استعملها من أجل موسى. فاخوة يوسف باعوه في حسدهم ليؤخذ إلى مصر (أع 7: 9= تك 37: 11، 18). تشير الكلمات إلى جريمة اليهود الذين أسلموا يسوع ليُقتل (3: 13؛ رج 13: 28). هذا ما فعله اليهود. فما فعله الله؟ "كان الله معه" (أع 9:7= تك 2:39، 3، 21، 23، رج ما قيل عن يسوع في أع 10: 39). خلّص يوسف من كل ضيقاته، وجعله رئيس مصر وبيت فرعون (7: 10) ومخلّص شبعه. لا يطبّق أسطفانس هذه الأحداث على المسيح. ولكننا نعرف الرسمة المطبّقة في أماكن أخرى حين يكون الحديث عن يسوع الذي قتله اليهود وأقامه الله وجعله مخلّصاً (أع 2: 23- 24، 36؛ 3: 13-17؛ 4: 10؛ 5: 30- 31؛ 7: 52؛ 10: 39- 40؛ 13: 27-30). إن سلوك أبناء يعقوب تجاه أخيهم يوسف يعلن مسبقاً سلوك اليهود تجاه المسيح. والطريقة التي بها وجّه الله الأحداث لتمجيد يوسف وجعْله مخلّص شعبه، هي علامة لما سيكون تدخّله من أجل يسوع المسيح.
وخلاصة القول فيما يخص البنتاتوكس: تكشف خطب أع استغلالاً للأخبار المتعلّقة بيوسف وموسى. رفض اليهود هذين الشخصين مع أن الله سلّم إليهما مهمة خلاص من أجل شعبهما. إنهما صورة لما سيحدث للمسيح. وبفضل موسى ستتخذ قيامة يسوع كل مدلولها.

2- الانبياء
أولاً: الأسفار التاريخية
وإذا إنتقلنا إلى الأنبياء الأولين (يش، قض، صم، مل) لن نجد الشيء الكثير. فسفرا يشوع والقضاة لا يقدّمان برهاناً كتابياً. وقصة صموئيل التي استوحاها لوقا من أخبار الطفولة (لو 1- 2) لا تقدّم عنصراً يخدم الكرازة الرسولية. وشاول الذي يذكره بولس يهيّىء الدرب لداود (13: 21- 22). أما داود فيهمّ أع كونه نبياً، أي كاتب المزامير الملهم. أما في شخصه فيُعتبر سلفاً كبيراً للمسيح، ذلك الذي نال المواعيد اللاحقة الذي إليه تتوجه كل آمال إسرائيل (2: 30؛ 13: 22-23). حين أقام (أي أخرج) الله المخلص، أتمّ الوعد الذي أعلنه (13: 33). وما يلي من الخطبة يدلّ على أن هذا الوعد يعني قيامة يسوع الذي جُعل بهذه القيامة ملكاً مسيحانياً (13: 23). نجد هنا مرة ثانية معنييَ كلمة "أقام" (أي أخرج، وأقام من الموت). أقام الله داود ليكون ملك اسرائيل، فغدا صورة المسيح الذي أقامه الله من الموت ليكون مخلص اسرائيل (رج 5: 30- 31). إن اعتلاء داود للعرش، صار صورة عن قيامة يسوع وجلوسه عن يمين الله.
لا يحتفظ اسطفانس من خبر سليمان إلاّ ببناء الهيكل (7: 47). ولكنه لا يرى في الهيكل صورة عن عمل المسيح. ويقابل اسطفانس بين هيكل بَنَته أيدي البشر وتسامي الله الذي لا يحصره معبد من هذا النوع.
ثانياً: الأنبياء بالمعنى الحصري
سيعود النصّ إلى الأسفار النبوية كثر مما فعل مع الأسفار التاريخيّة. فخطبة القديس بطرس الأولى يوم العنصرة تبدأ بايراد طويل من يوء 3: 1- 5.
كان النبي قد أعلن فيضاً وافراً للروح في الأزمنة الأخيرة. فجاءت معجزة العنصرة وحقّقت هذا الوعد (أع 17: 21، 33): وقال النصّ أيضاً (يوء 3: 15= أع 2: 21): إن الخلاص يفرض علينا أن ندعو باسم الرب. فعاد بطرس إلى مز 110: 1 (أع 2: 34- 35)، فشرح أن هذا "الرب" الذي ندعو باسمه هو يسوع المسيح الذي أقامه الله من بين الأموات. إن نصّ يوئيل هذا مهمّ جداً للكرستولوجيا الأولى: "كل من يدعو باسم الرب يخلص" (أو يحيا). فسّر بولس هذه الآية في روم 10: 9-13. ولقد كانت السبب لكي يسمّى المسيحيون: "الذين يدعون باسم الرب" (9: 14، 21؛ 22: 16؛ 1 كور 1: 2؛ 2 تم 2: 22). وإن خطبة بطرس في 4: 9- 12 تتوسّع في موضوع النبي يوئيل: فيسوع الناصري هو وحده من نال الأسم الذي به نخلص. وما يميّز خطبة ف 3 هو أنها ليست فقط تفسيراً لمقطع ورد في البداية، بل شرحاً لما يلي النصّ مباشرة. ففي 2: 39 يلمّح بطرس إلى يوء3: 5 د (سيخلص كل الذين دعاهم الرب). إن ايراد يوئيل لا يشكّل فقط نقطة انطلاق لبرهنة خطبة العنصرة، بل خلفيّه لها. فما يريد أن يبينه بطرس على أساس هذا النصّ، هو أن يسوع صار بقيامته الربَّ الذي يدعو باسمه من يريد أن يخلص.
ونشير في خطبة بطرس في قيصرية إلى التحديد التالي: الله أقام يسوع "في اليوم الثالث" (10: 40). لم يزد بطرس هذا التفصيل من أجل الدقة التاريخية. فالأناجيل تقول إن يسوع علّم أن على المسيح أن يقوم "في اليوم الثالث" (رج مت 16: 21؛ 17: 23؛ 20: 19؛ 27: 64؛ لو 9: 22؛ 18: 23؛ 24: 7، 46). وحين أعلن بولس قانون الإيمان الذي تسلمه من التقليد قال: "إن يسوع قام في اليوم الثالث كما في الكتب" (1 كور 15: 4). مثل هذا التشديد يفترض الإستناد إلى نصّ محدّد. يربط مت 12: 40 هذا التحديد مع يون 2: 1 (رج مت 16: 4؛ لو 11: 30). إن لمغامرات يونان قيمة نمطية: "فكما يقي يونان ثلاثة أيام وثلاث ليالي في بطن الحوت، كذلك يبقى ابن الإنسان ثلاثة أيام وثلاث ليالي في جوف الأرض" (مت 12: 40). ولكن قد يكون المسيحيون عادوا أيضاً إلى نصّ هو 6: 2 (يحيينا بعد يومين، وفي اليوم الثالث يقيمنا) فوجدوا فيه نبوءة مباشرة عن قيامة. يسوع.
يُذكر سفر عاموس مرتين في أع حسب الترجمة اليونانية. وهذا يدل على أن أع يعكس الحقبة الهلينية في الكرازة الرسولية لا المرحلة الأرامية الأولى. يرد عا 9: 11-12 في خطبة يعقوب في مجمع أورشليم (15: 16-17). يريد "الخطيب" أن يبيّن أن الله أعلن ارتداد الوثنيين مسبقاً في فم الأنبياء ووافق على هذا البرنامج الذي تنّفذه الكنيسة الأولى. تكلم عاموس. عن إعادة عرش داود الذي سيُخضع في تلك الأيام أدوم والأمم المحيطة بها. أما حسب التوراة اليونانية، فإعادة عرش داود تتضمّن تجديد المملكة الداودية وارتداد البشر، وكل الأمم إلى الرب. هذا هو المعنى الذي استند إليه يعقوب في برهانه.
ويرد عا 5: 25-27 في خطبة اسطفانس (7: 42-43). نحن أمام توبيخ يوجّهه الله لبني اسرائيل: يتّهمهم بانهم استسلموا إلى عبادة الأصنام في البرية. مثل هذا التوبيخ يدخل في لائحة اتهامات المسيحيين الأولين ضد اليهود: عصوا وتمرّدوا وتخلّوا دوماً عن الله. قتلوا الأنبياء الذي حملوا إليهم المواعيد الإلهية. وفي النهاية قتلوا ذلك الذي أتم هذه المواعيد (7: 39-53). إن ما فعله اليهود بيسوع هو خاتمة خيانات الله التي امتدت طويلاً. وإن نصّ عاموس يتخذ مكانه في برهنة كتابية تهدف إلى تفسير آلام يسوع.
كان حب 1: 5 في النصّ الأصلي تهديداً ضد الأمم الوثنية التي سيدهش عقابها شعب اسرائيل. أما النص اليوناني فلا يذكر الأمم الوثنية، وصار التهديد يصيب "المستهزئين". إنطلق بولس في خطبته إلى أهل أنطاكية بسيدية (13: 41) من الترجمة اليونانية، فجعل من نصّ حبقوق تحذيراً لليهود: إن رفضوا التعليم المسيحي، سيرون بذهول نتائج موقفهم أمام الله. وما يلي من خطبة بولس (رج أيضاً 28: 28) يجعلنا نفكّر أن قرار الله ليس انتقاماً من اليهود بل إحلال الأمم الوثنية محلّهم في التدبير الخلاصي.
إن إنتشار التعليم المسيحي وسط الأمم الوثنية ارتبط بطريقة خاصة ببولس. لقد وعى ذلك وهو الذي قرأ إر 1: 5-8 الذي يحدّثنا عن النبي الذي أرسله الله إلى الأمم الوثنية (رج أع 26: 17).

3- أشعيا
إستعملت الكرازة المسيحية الأولى الأسفار البيبلية بصورة مجزأة. ولكن سيكون لمجموعتين مكانة هامة في خطب أع الدفاعية: سفر أشعيا وسفر المزامير. هنا ستجد البرهنة المسيحية مواد وافرة وأساسية.
نحن لا نجد في أع إلاّ ايراداً واحداً من فصول أشعيا الأولى (أشعيا الأول: 6: 9- 10. ولكن ق أش 1: 2 وأع 13: 17؛ أش 32: 15 مع أع 1: 8؛ لو 24: 49). أما بعد ف 40 (أي أشعيا الثاني والثالث) فنجد عدداً كبيراً من الإيرادات والتعليمات.
أولاً: أش 6: 9- 5
يرد هذا النصّ في أع 28: 26-27 الذي هو الخاتمة الحقيقية لانجيل لوقا وسفر الأعمال. كان قد ذُكر هذا النصّ في الأناجيل الإزائية بمناسبة الحديث عن هدف الأمثال. أشار إليه مر 4: 12 ولو 8: 10 بطريقة عابرة، أما مت 13: 14- 15 فأورده حرفياً. وسيظهر الإيراد أيضاً في يو 12: 40 حيث يتّخذ المعنى المحدّد الذي ستعطيه كلمات بولس ليهود أورشليم: رفض اليهود الخلاص، فصار لهم هذا التعليم سبب عمى وتصلّب. إذاً، لا نتشكّك أمام موقف الشعب المختار تجاه الإنجيل: إنه يتمّ النبوءات. جوّ اش 6: 9- 10 هو جوّ حب 1: 5: إن ملاحظة رفض اسرائيل للمسيح وتفسير هذا الرفض بالكتب المقدسة يقودان طبيعياً إلى موضوع دعوة الوثنيين (28: 28) الذي ستبرهن عنه الكتب كما يقول أع 28: 28.
ثانياً: أش 52- 53
إن ما سمي كتاب "تعزية اسرائيل" (أش 39 ي) بدا للمسيحيين الأولين نبوءة كبرى عن يسوع المسيح. عبد يهوه (عبد الله) هو المسيح الذي يرجعون إليه مجمل ما تقوله هذه الفصول. ولكن هناك مقطعاً أثرّ فيهم بصورة خاصة: نشيد عبد الله المتألم (أش 52: 13- 53: 12). لم يرد هذا النصّ إلا مرّة واحدة في أع: بمناسبة كرازة فيلبس (أع 8: 32- 33= أش 53: 7-8). ولكن التلميحات العديدة تدلّ على تأثير هذا النصّ العميق على أع: إنها تلوّن كلامهم وتجعلهم يستعملون عبارات أشعيا بطريقة تكاد تكون لا شعورية. فان تحدّثوا عن "تمجيد" يسوع اللاحق لآلامه (تلميح إلى أش 52: 13)، فهم يسمونه "عبد الله" (أع 3: 13، 26؛ 4: 27، 30، أو فتاه). ويسمّونه في الإطار ذاته "البار" (أش 53: 11؛ رج أع 3: 13؛ 52:7؛ 14:22؛ مت 19:27؛ لو 47:23؛ 1بط 18:3؛ 1 يو 2: 1). ويقال عن يسوع انه "أسلم" (أش 53: 12؛ رج أع 3: 13؛ 7: 52؛ روم 4: 25؛ 8: 32؛ غل 2: 20؛ أف 5: 20). تشير كل هذه العبارات إلى صورة واحدة: إن يسوع المتألم والمنبعث هو "العبد" الذي رأى فيه النبي ضحيّة بريئة، الذي رآه متألماً ليفتدي الكثيرين من خطاياهم. حين قدّم لنا لوقا يسوع على طريق عماوس، بيّن بالكتب على أنه كان يجب على المسيح أن يتألم ليدخل في مجده (لو 24: 46).
ونرى أثراً لهذا النصّ الرئيسي في أع 4: 11. يورد بطرس مز 118: 2: الحجر الذي "رذله" البناؤون (مت 21: 42؛ مر 8: 31؛ 12: 10؛ لو 9: 22؛ 17: 25؛ 20: 17؛ 1 بط 2: 4، 7). أما أع 4: 11 فيقول: الحجر الذي هو صورة المسيح "إحتقره" البناؤون. الفعل هو الذي استعمله مر 9: 12 متأثراً بنصّ أش. إذن، يبدو أن نشيد عبد الله قد أثر على إيراد نصّ اقترب معناه من معنى أشعيا.
ثالثاً: أش 49: 6
وهناك نصّ ثالث يرد مراراً: أقام الله عبده نوراً للأمم الوثنية، وكلّفه مهمّة حمل خلاص الله إلى أقاصي الأرض. نحن هنا أمام نصّ مهمّ حول رسالة المسيح الشاملة ودوره الخلاصي تجاه الوثنيين. إنه يرد حرفياً في خطبة بولس إلى أهل انطاكية بسيديه (13: 47: جعلتك نوراً للأمم). ونجد بعض آثاره في خطبة اخرى لبولس (26: 23: يبشّر الأمم بنور الخلاص) وفي كلمات يسوع (أع 1: 8؛ رج لو 2: 32).
رابعاً: أش 57: 9
إرتبطت خطبة العنصرة (2: 39) مع يوء 3: 5 فلمّحت إلى أش 57: 9 (السلام للبعيد، أي الوثني، السلام للقريب، أي اليهودي). وقد لمح إليه أيضاً أع 22: 21 (سأرسلك إلى مكان بعيد). قد أورد هذا النصّ بولس الرسول وشرحه في أف 2: 13-17. جاء المسيح يحمل تعليم السلام (أي الخيرات المسيحانية) للذين هم "قريبون" والذين هم "بعيدون" أي الأمم الوثنية. نلاحظ هنا أيضاً الهمّ الدفاعي في أع: يريد لوقا أن يبرز انتشار المسيحية في العالم الوثني ويرى تحقيقاً للنبوءات المسيحانية.
خامساً: أش 52: 7 و 61: 1
ويقرّب بولس (روم 10: 5) من يوء 3: 5 نصاً آخر لأشعيا ينتمي إلى النصوص المعروفة في الكرازة الرسولية. إنه أش 52: 7 (ما أجمل أقدام المبشرين). تشير إليه خطبة بطرس لدى الضابط الروماني (10: 36). يتحدّث النصّ عن بشارة السلام التي أرسلها الله إلى البشر. أما الرسول فهو يسوع المسيح.
وفي 10: 38 نجد تلميحاً إلى أش 61: 1 (مسحني لأبشر المساكين) المذكور بوضوح في لو 4: 18. حين نقرأه، كله نجد علاقة وثيقة بين أش 61: 1 وأش 52: 07 الموضوع: انجيل السلام (السعادة) الذي رسوله هو المسيح حامل البشرى. وما نقرأه في آخر الخطبة عن غفران (افاسيس) الخطايا الذي يحمله المسيحيون إلى المؤمنين، كما يشهد الأنبياء، يجد تفسيره بواسطة أش 61: 1 الذي يتحدث أيضاً عن تحرير (افاسيس) المسبيّين. وهكذا تتكوّن بنية خطبة بطرس في قيصرية من نصَي أشعيا: يسوع هو رسول السلام ومسيح الله الذي جاء يحمل إلى الناس بشارة الخلاص.
سادساً: أش 59: 20
يورد بولس أش 59: 20 في روم 11: 26: يأتي المحرّر من صهيون ويفتدي يعقوب من شروره. لمّح بطرس إلى هذا النصّ في أع 3: 26: بركة تردّ كل واحد عن شروره. هناك ترجمتان ممكنتان: "أرسل الله فتاه ليبارككم فيردّ كل واحد عن شروره". أو: "أرسل الله فتاه ليبارككم شرط أن يرتدّ كل واحد عن شروره". إذا اتبعنا اشعيا، أخذنا بالترجمة الأولى، فبدا الإرتداد لا شرط الخلاص الذي يحمله عبد الله، بل هذا الخلاص عينه.
سابعاً: أش 44: 28
إن أع 13: 22 (في انطاكية بسيدية) يذكر شهادة الرب لداود حسب الكتاب: "وجدت داود رجلاً يرتضيه قلبي" (مز 89: 21؛ رج 1 صم 23: 14). ويزيد الله: "سيعمل كل ما أريد". أعطيت هذه الشهادة لا لداود، بل لكورش، عبد الله (أش 44: 28: القائل لكورش: أنت تتم كل ما أشاء). إذا كان بولس يطبّق هذه الكلمات على داود، فلأنه يرى فيه صورة المسيح: ما قيل في داود يتحقّق بصورة سامية في المسيح (13: 23). والتوازي قويّ إلى درجة نستطيع معه أن نطبّق على داود ما يليق بالمسيح.
إن العبارة المتعلّقة بعبد الله (يسمّيه اشعيا كورش) تتحقّق في يسوع، وبالتالي تقال عن داود الذي هو صورة يسوع. هذا الأسلوب يفترض أن لنصّ أش 44: 28 معنى مسيحانياً. إذن، تليق الكلمات بيسوع الذي جعله الله مخلص اسرائيل (13: 23؛ رج روم 11: 26) حين أقامه من بين الأموات (5: 31). ونحن نستطيع أن نطبّق بطريقة كاملة كلمات الله لداود (صار ملكاً على الشعب المختار) على المسيح الذي نصّب ملكاً في السماء.
ثامناً: أش 66: 1- 2
يورد اسطفانس أش 66: 1- 2 (السماء عرشي والأرض موطىء قدمي) حسب السبعينية (أع 7: 49-50). إنه نصّ يهاجم فيه الهيكل. الله هو إله الكون فلا يحيط بحضوره بيت يبنيه البشر. هذا الكلام يرتبط بموضوع شمولية التعليم المسيحي وامتداده إلى الوثنيين.
تاسعاً: أش 45: 21
ويعبر عا 9: 11- 12 (ورد في أع 15: 16-17) عن الموضوع عينه. وينتهي نصّ أع (15: 18) بكلمات تذكرنا بنصّ أش 45: 21 (من سمع هذا من القديم، من اخبر به منذ ذلك الزمان). فالنصّ المذكور (رج آ 22: أخلصوا يا جميع أقاصي الأرض) يتحدّث أيضاً عن شمولية الخلاص. أوجز لوقا مرجعه واحتفظ ببعض عناصر تجعلنا نعرف ما الغاه (ماذا بقي من أش 61: 1 في أع 10: 38 أو من يوء 3: 5 في أع 4: 10- 12). إذاً نحن أمام بقايا من أش 45: 21 في أع 15: 18 تدلّ على أن الوثنيين مدعوون إلى الخلاص مع اليهود في الأزمنة المسيحانية.
عاشراً: أش 55: 3
يبدو أش 55: 3 (أعاهدكم وأبقي على الاحسانات التي وعدت بها داود) ثانوياً في أع 13: 34. هدفه ان يقوي برهنة تستند إلى مز 16. إحتفظ أع من نصّ أش بالوعد: "أعطيكم أشياء داود المقدسة والحقيقيّة" (الامينة). وربط هذا بالمزمور الذي يستعيد الكلمات عينها: "لا تترك (حرفياً: لا تعطي) قدوسك يرى الفساد". هو تقارب على مستوى الألفاظ، تقارب محيّر. فأشياء داود المقدسة والحقيقية هي قدوس الله. أعطاها الله حين أعطى قدوسه أن لا يرى الفساد. إذا عزلنا نصّ أشعيا، فهو لا يقدّم شيئاً للبرهنة. إنه يعطي قوة للمزمور. ولكن لماذا ذكرنا نصّ اشعيا هذا؟ لأننا نجد حالاً الإعلان الإلهي (أش 55: 4): "ها أنا جعلته (أعطيته) شهادة للامم الوثنية، رئيس الأمم الوثنية وسيدها". حين يقرأ المسيحي هذا الكلام في إطار نبوءات "عبد يهوه" يفكّر بالمسيح وبرسالته الخلاصية الشاملة.
حادي عشر: أش 42: 7
نقرأ أش 42: 7 (رج أيضاً 42: 16) في أع 26: 18. نحن أمام رسالة عبد الله الشاملة. إنه معدّ ليحمل النور إلى الذين يقيمون في الظلمة أي إلى الأمم الوثنية (أش 42: 6). يطبّق بولس النبوءة على نفسه، لا على المسيح. فعليه ألقيت مهمة حمل النور إلى الوثنيين. ولكن النور الذي يحمله هو المسيح (أع 26: 23 ت أش 49: 6). بولس هو فقط رسول المسيح، فإن تحقّقت فيه نبوءة أشعيا، فقد تحقّقت من قبل في المسيح. في البدء وجب ان تُعلن على الأمم رسالة الخلاص باسم المسيح القائم من الموت (لو 24: 47). ووعى بولس أن الله أوكله بهذه المهمة.

4- المزامير
كان داود مرتل المزامير الملهم ولكنه كان أيضاً نبياً (2: 30). لهذا اعتبر المسيحيون الأولون المزامير على أنها مجموعة نبوية. وستستعمل في البرهنة الكتابيّة للدفاع عن يسوع على مثال كتاب أناشيد عبد الله.
اولاً: مز 2
هو مزمور مسيحاني. تشير آ 1- 2 إلى مؤامرة الشعوب على الرب وعلى مسيحه. إن صلاة المسيحيين الواردة في أع 4: 25-27 تبيّن كيف طبّقت كلماته على خبر آلام يسوع. يتهم المزمور الشعوب والامم. الشعوب هم اليهود والامم هم الرومان، ونجد الملوك والقضاة بين المتآمرين: الملوك هم هيرودس، والقضاة هم بيلاطس البنطي. اجتمعوا في مكان واحد وتآمروا في أورشليم على يسوع الذي هو بالحقيقة مسيح الله (اختاره ومسحه).
وترد آ 7 (أنت ابني، أنا اليوم ولدتك) في خطبة انطاكية بسيدية (13: 33). يفهم بولس هذا الإعلان على أنه يدلّ على تنصيب الملك المسيحاني. ولقد نعم يسوع بهذا المُلك ساعة قيامته. وهكذا حين أقام الله يسوع، أتمّ ما تنبأ به المزمور عن المسيح. نجد تأويلاً مماثلاً لهذه الآية في عب 1 :5؛ 5: 5.
ثانياً: مز 16
يشكّل مز 16: 10 قطعة رئيسية في البرهان الكتابي في خطبة بطرس يوم العنصرة (2: 25- 31) وفي خطبة بولس في انطاكية بسيدية (13: 34-37). يورد بطرس من هذا المزمور 4 آيات (آ 8- 11). غير أن البرهان كله يستند إلى آ 10 حسب ما ترد في اليونانية. كان المرتل قد عبرّ عن ثقته بأن الله سيأتي إلى عونه في المخاطر التي تتعرّض لها حياته: "لا تترك نفسي في الشيول ولا تترك شعبك يرى الهاوية". إذن، هو يأمل أن ينجو من الموت. ولكن السبعينية ترجمت الشطر الثاني: "لن تدع قدوسك يرى فساداً". فمن هو قدوس الله ان لم يكن المسيح؟ وعلى كل حال، لا يتحقّق القول في داود الذي يفترض أنه قاله. داود مات ووُضع في القبر (كانوا يكرّمون قبره في أورشليم، أع 2: 29). وتفكّك جسده كما تتفكّك كل الأجساد. أما يسوع الذي مات ووُضع في القبر، فلم يعرف الفساد، لأنه قام قبل أن يحلّ اليوم الثالث. إذاً فيه تحقّق القول الإلهي، وعنه تكلم صاحب المزامير. إذاً، يسوع هو المسيح كما قالت الجماعات المسيحية الأولى في دفاعها.
ثالثاً: مز 18
تُلمّح خطبة العنصرة إلى مز 6:18 الذي يشبه بمدلوله مز 16. قال بطرس: حين أقام الله يسوع، حرّره من رعب الشيول (او سلطان الموت). يتحدّث المزمور عن شِباك الموت. ويشكر المرتل الله لأنه خلصه منها، لأنه نجّاه من الشيول. في برهان بطرس، يصبح المزمور فعل شكر يرفعه ذلك الذي مات بعد أن انتشله الله من الموت. وفعل الشكر النبوي هذا لا ينطبق إلا على المسيح يسوع الذي أقامه الله.
رابعاً: مز 110
كان يجب على المسيح أن يقوم. وهذا ما يؤكده أيضاً مز 110: 1: "قال الرب لربي: إجلس عني يميني حتى أجعل أعداءك موطئاً لقدميك". أخذت خطبة العنصر برهاناً من هذا المزمور (2: 34-36). واستعمله العهد الرسولي استعمالاً واسعاً (مت 22: 4 وز؛ 26: 64 وز؛ مر 16: 19؛ أع 7: 55- 56؛ روم 8: 34؛ أف 1: 20؛ كو 3: 1؛ عب 1: 3، 13؛ 8: 1؛ 10: 12؛ 12: 2؛ 1 بط 2: 22). لم يكن من شكّ في المعنى المسيحاني على ضوء أحداث الفصح. كان على المسيح أن يستعيد جسده (بقي جسد داود في القبر) بصورة فائقة الطبيعة ليجلس من عن يمين الآب. والدعوة التي وجّهها الله إلى المسيح لكي يجلس عن يمينه، تتضمّن القيامة بكل مدلولها (أي مع تنصيبه ملكاً). والمقابلة بين أولى خطب بطرس وأولى خطب بولس تساعدنا على إقامة موازاة بين مز 110 الذي أورده بطرس، ومز 2: 7 الذي أورده بولس. يشكل هذان الايرادان مع مز 16: 10 برهاناً مسيحانياً واحداً.
خامساً: مز 118
ونقرب مز 118: 16 من مز 110: 1. من جهة، يُدعى المسيح ليجلس من عن يمين الله، ومن جهة يُرفع المسيح بيمين الله (في النصّ اليوناني فقط). نجد عبارة مز 118 في خطبتين من خطب بطرس (2: 33، 5: 31). حين أقام الله يسوع من الموت، تمّ النصّ النبوي.
ولا ينحصر البعد المسيحاني 118 في آ 16. إن آ 25-26 هما أيضاً من النصوص المسيحانية وتردان في الأناجيل (مت 21: 9 وز؛ 23: 39؛ لو 13: 35؛ يو 12: 31، مبارك الآتي باسم الرب). وهكذا نقول عن آ 22 (الحجر الذي رذله البناؤون) التي وردت في أع 4: 11 (رج مت 21: 9، 42 وز؛ 1 بط 2: 7). الحجر الذي رذله (احتقره) البناؤون صار رأساً للزاوية: هي نبوءة تشير إلى موقف اليهود تجاه المسيح، وإلى تدخل الله من أجل المسيح. وهذا ما تحقّق بآلام يسوع وقيامته.
سادساً: مز 132
وفي إطار قيامة يسوع وخلفيتها البيبلية، يذكر بطرس وعد الله لداود بأن يُجلس على عرشه واحداً من نسله (أع 2: 30). تستلهم هذه الكلمات مباشرة مز 132 (رج 1 صم 7: 12-13؛ مز 86: 4- 5). هناك نصّان يتواجهان في أع: من جهة، وعد الله داود بأن يُجلس على عرشه واحداً من نسله. ومن جهة ثانية، وعده أن يقيم المسيح من نسله ويجلسه على عرشه.
إن النصّ الثاني يجعل البرهنة أفضل، لاسيّما وأنه يستعمل فعل "أقام" بمعنييه. لقد تحقّق الوعد (أن يقيم لداود نسلاً) في قيامة يسوع (التي هي أيضاً تنصيب). هذا النصّ مشكوك فيه. أما النصّ الأكيد فيتكلّم عن وعد الله بأن واحداً من نسل داود يقوم على عرشه. بما أن داود عرف هذا الوعد، أعلن أن المسيح لن يرى الفساد (مز 16: 10؛ أع 2: 32). ولهذا أيضاً جعل الله يقول لهذا النسل: "إجلس عن يميني" (مز 110: 1؛ أع 2: 34). ومهما يكن من أمر، لقد تحقّق الوعد الإلهي المتعلّق بالملك المسيحاني في قيامة يسوع.
سابعاً: مز 89، 105
يستخرج 2: 36 (فليعلم بنو اسرائيل) النتيجة من البرهنة الكتابية التي سبقت. حين أقام الله يسوع جعله مسيحاً وربا. حين صار يسوع "ربا" حقّق كلمة مز 110: 1. فأي نصّ يسند لقب "مسيح"؟ لا يستعمل مز 16 هذا اللقب. ثم إن بطرس ذكر مز 132: 11. ولكن آ 10 تقول: "لا تردد وجه مسيحك". هل تذكر بطرس مز 132: 10-11 أو هل لخصّ لوقا مرجعه؟ الأمران ممكنان.
يؤكد إيراد 132: 5 في خطبة اسطفانس (أع 7: 46) اهتمام المسيحيين بهذا المزمور (ولكن ليس له بُعد دفاعي هنا). ثم إن مز 89 يرتبط بمواعيد الله لداود. يلمّح إليه بولس في خطبة انطاكية بسيدية (13: 22؛ رج مز 89: 21) فيدل على أن قيامة يسوع أتمّت النبوءات. ونشير أخيراً إلى تأثير مز 105: 21 على ملخّص خبر يوسف كما ورد في خطبة اسطفانس (أع 7: 10). أقيم يوسف سيداً على مصر وكل بيت فرعون، فكان صورة عن يسوع الذي أقامه الله بعد آلامه وجعله سيد شعبه.

خاتمة
إن يسوع يعطي الأسفار المقدسة معناها لأنه يتممها. والأسفار المقدسة تشهد للمسيح في الوقت الذي يتحقّق من شهادتها. أجل، لن تكون الكتب مفهومة إلا بحضور ذلك الذي أشارت إليه، يسوع المسيح الذي قام من بين الأموات، وجبس من عن يمين الآب، وأرسل من يعلن بشارة التوبة باسمه إلى جميع الشعوب.

 

Copyright © 2017 BOULOS FEGHALI. SITE by OSITCOM ltd
Webmaster by P. Michel Rouhana OAM