الفصل الثلاثون: غضب الله ورحمته

الفصل الثلاثون
غضب الله ورحمته
9: 14- 24

بعد أن برهن بولس أن فشل بني قومه للتجاوب مع الانجيل، يتجدّد في عدم فهم كلمة الله حول اختيارهم كشعب الله، عاد أيضاً إلى كلمة الله إلى اسرائيل وتواصلها وكمالها في الانجيل الذي يكرز به (آ 28؛ 10: 5- 13). ولكن في هذه النقطة، قرّر أن يتوقّف عند نتيجة عدم الاختيار (ما اختار الله عيسو)، ليبحث عن الوجهة المظلمة في مخطّط الله في اختياره. فاستند إلى نور تقدّمه له الكتبُ المقدّسة. قد يظنّ القارئ للوهلة الأولى، أن الرسول يبتعد عن موضوعه. يكفي أن يكون بيّن أن اسرائيل لم يفهم الانجيل. ولكنّ ألمَ بولس بسبب فشل شعبه لا يمكن أن يخفّ. ثم إن القارئ لم يجد بعدُ الجواب على مسألة عدم إيمان اسرائيل. فالرسول حين طرح سؤالاً حول الذين تركهم الله، فكّر أولاً ببني اسرائيل. وحين أنهى النظرة اللاهوتيّة حول الاختيار، رجا أن يجد لماذا تنكّر اسرائيل، في الواقع، لاختيار الله له. قال اليهود: أترى الله جائراً. وها هو بولس يبيّن عدالة الله حين يعاقب وحين يرحم. يبقى على الإنسان أن يتجاوب معه. وإن نحن تكلّمنا عن حريّة الله، فلا نتكلّم عن حريّة اعتباطيّة تهيّئ مسبقاً مصير الناس، بل هي حريّة تجعل الله يسبقنا في العطاء بعد أن اختارنا قبل انشاء العالم.

1- دراسة النصّ وبنيته
في آ 23 نجد «كاي» (الواو) في بداية الآية (وكما). ألغاها الفاتيكاني محاولاً تبسيط الجملة.
ونقرأ أيضاً «مجد» (دوكسا). ولكن 016 (القرن الخامس) قرأ «خريستوتيتوس»: الصلاح، الفضيلة. وعلى مستوى البنية، نضيف على ما قلناه في الفصل السابق، ما يلي:
يكوّن هذا المقطعُ (آ 14- 24) وحدة تحاول أن تشرح وجهتَي اختيار الله من أجل الرحمة، كما عبّر عنهما النصّ في آ 13 الانتقالية، وكرّر كلامه في آ 18. أما الموضوع الأساسيّ فهو رحمة الله (إلايوو) رَحِمَ. إلايوس، رحمة، آ 15، 16، 18، 23. قال أوريجانس إن آ 15- 19 تعبّر عن عواطف خصوم بولس.
* جاءت آ 15- 18 في توازٍ:
آ 15- 16 قال لموسى الكتاب ليس (متعلّقاً) بالذي يريد.
آ 17- 18 قال لفرعون الكتاب لمن يريد.
* وإن آ 22- 32 هي صدى لما في آ 17:
آ 17 رفعتك... قُدرتي وليُحتفَل باسمي.
آ 22- 23 يعلن... قدرته ويُعرف غنى مجده.
المصدران في آ 22 يتوازيان ويرتبطان بفعل «تالون» (مريد، اسم فاعل من أراد). والكلام عن «آنية» «سكاوي» في آ 22 وآ 23، يقدّم لنا تعارضاً آخر (كما في آ 13، 18، 21). ولكن العلاقة المتبادلة وقوّة التوازي تبقيان غير واضحتين من البنية نفسها، وترتبطان بالطريقة التي بُني فيها «تالون». هناك من يتوقّف عند آ 23، وآخرون عند آ 24. أما نحن فأخذنا بالخيار الثاني.

2- تحليل النصّ الكتابيّ (9: 14- 24)
جاء التحليل في ثلاثة مقاطع. قال اليهود: الله ظالم (آ 14- 18). فردّ بولس على هذا الاتهام، مشدداً على حريّة الله حين يرحم وحين يقسو. فجاء اعتراض آخر: إذن، لماذا يلومنا الله؟ عاد بولس إلى حرية الله في خلقه. فردّ اليهوديّ: إذا كان الله حراً، فلماذا يلومنا؟ أنقدر أن نقاوم مشيئته (آ 19 21)؟ عندئذ (آ 22- 24) بيّن الرسول أن الله يستعمل قدرته للرحمة، لا للغضب.
أ- أعند الله ظلم (آ 14- 18)
«فماذا نقول» (آ 14). رج 3: 5؛ 6: 1. طُرح السؤال مع «مي» (هل)، فانتظر القارئ جواباً بالنفي. لا، ما من ظلم عند الله. هو سؤال الإيمان، لا الريبة ولا العداوة. وسواء كان أمام بولس شخصٌ حقيقيّ أو شخص تخيّله، ففي أساس الجدال نظرةُ اسرائيل إلى الاختيار. إذا كان الله باراً (تث 32: 4) يعني: هل هو أمين لكلمة العهد؟ السؤال دعوة لكي نتعمّق في اختيار الله لشعبه أو رذْله (آ 13). هل الله بارٌّ أم لا؟ هناك كلام عن برّ الله، عن حقيقة الله (1: 18؛ 2: 8؛ 1 كور 13: 6؛ 2 تس 2: 10، 12). وجاء الجواب الحالي: كلا، أبداً (رج 3: 4).
«قال لموسى» (آ 15). يمثّل موسى هنا رحمة الله في تعارض مع فرعون (آ 17). لا يُفهم الاختيار والرذل بالطريقة البشريّة، بل في علاقة بحقيقة الله وبرَّه. «أرحم». رج خر 33: 19 كما في السبعينيّة. مع موسى كشف الله عن نفسه، عن مجده وعن اسمه (خر 33: 18- 19). هذا الاله هو رحيم حنون (خر 33: 18- 19؛ 34: 6). هكذا يُظهر مجده، هكذا يعلن اسمه. المجد (ك ب و د)، الحنان (ط و ب، الطيبة). قد يكون بولس أراد رباطاً بين خر 33: 19 وخر 3: 14. ولكن هناك عدداً من النصوص تورد هذا الكلام. رج عد 14: 18؛ نح 9: 17؛ مز 111: 4؛ 112: 4؛ إش 30: 18؛ حك 3: 9؛ 4: 15؛ 15: 1؛ مز سل 9: 8- 11؛ وص يهوذا 19: 3؛ وص زبولون 9: 7؛ كعب 3: 1؛ 35: 3؛ 4 عز 7: 33.
«فالأمر لا يعود» (آ 16). تالو (اراد). يُستعمل في تعارضين اثنين: بين إرادة الانسان (آ 16)، وبين إرادة الله (آ 16، 18، 22) التي هي وحدها حاسمة. وبين «الارادة» و«السعي»، وهذا ما يوافق الارادة والعمل في 7: 15- 21. لا يريد بولس هنا أن يجادل الفرّيسيين، بل أن يُوضح ما يعني العهد بالنسبة إلى اسرائيل (آ 17). «بل إلى رحمة». الله هو الرحيم في اللاهوت اليهوديّ. رج سي 50: 19؛ وص موسى 12: 7؛ مد 4: 32، 36- 37؛ 6: 9.
«ففي الكتاب» (آ 17). تبدأ الآية مع «غار» (لأن). هي بداية توضيح آخر لما في آ 14، مع أننا انتظرنا «ليس فقط بل» كما في آ 10 (الذي أدخل توضيحاً ثانياً لما في آ 6). إن آ 17- 18 هما توسّع في آ 16. هذا يعني أن بولس استعمل «تالو» (أراد) و«تراخو» (سعى) في معنى حياديّ على المستوى الخلقيّ في تصوير الباعث البشريّ والعمل. هكذا يُضَمُّ موقف فرعون وسلوكه، وتقوى اليهود. ثم إن رحمة الله هي الموضوع المركزيّ. «غرافي» (الكتاب). بالنسبة إلى بولس، الكتاب هو كلام الله (غل 3: 8؛ 4: 30). كيف أن الله استطاع أن يكلّم ملكاً وثنياً!
«رفعتك». رج خر 9: 16. هناك اختلافات بين روم وخر، من أجل إبراز تسامي مخطط الله. «ديناميس»: قدرة الله كالخالق (سي 16: 15- 16). أو قدرة الله كالمخلّص (1: 16؛ 1 كور 1: 18، 24؛ 2: 5؛ 6: 14؛ 2 كور 4: 7؛ 6: 7). لسنا أمام دينونة مباشرة لفرعون، بل أمام عهد الله الذي هو عهد رحمة لشعبه. الكلام عن تقسيه القلب هو نتيجة (آ 18)، مثل رذل عيسو (آ 13)، لا الخطّ الرئيسيّ في الفكر. جاءت القوّة والاسم معاً في مز 54: 1؛ أع 4: 7. المهم أن الله يكشف عن اسمه كالرحيم.
«فهو إذاً يرحم» (آ 18). البداية تشبه آ 16 فتدلّ على التوازي في الخاتمة: ليس كما يريد الانسان، بل كما يريد الله. القساوة تدلّ على رفض الجواب. على عدم التراجع. هذا ما نجده في خبر فرعون. رج خر 4: 21؛ 7: 3، 22؛ 8: 15؛ 9: 12، 35؛ 10: 1، 20، 27. سواء ميّز بولس بين فرعون الذي يقسّي قلبه (7: 22؛ 8: 15؛ 9: 35؛ 13: 15). أو الله الذي يقسّي قلب فرعون (هذا الموقف يسيطر فيدلّ على عمل الله)، فهو يتطلّع إلى مبادرة الله. من جهة فرعون: استعدادات شريرة. ويطبّق الرسول هذا الوضع على اليهود.
ب- لماذا يلومنا الله (آ 19- 21)
«ويقول لي» (آ 19). ويتواصل الجدال. هو سؤال يُطرح حول تقسية قلب فرعون بيد الله (يوب 48: 17). ذاك هو وضع اليهود بالنسبة إلى الاختيار. كيف يجد بعدُ خطيئة؟. «ممفوماي» (لام). رج 3: 7. إذا كان عملُ الله هو السبب الفاعل في تقسية الانسان، فأي مكان يبقى للمسؤولية؟ سؤال شرعيّ، وبولس يبيّن أنه لا يجادل منطقه. فالمعترض لم يفهم ما في آ 17- 18، وبولس لا يحاول أن ينكر قوّته مقدّماً شرحين يذكران الأسباب (الله وفرعون. الله ومستيما). «من يقدر أن يقاوم». «بوليما» (قرار). لا ترد في العهد الجديد إلاّ في أع 27: 43؛ 1 بط 4: 3، وفقط ثلاث مرات في السبعينيّة. «انتيستيمي». واجه، قاوم. ليست المسألة في استحاله المقاومة (من يقدر أن يقاوم)، بل في إرادة الله وقراره. رج أي 9: 19 (من يحاكمه في القضاء)؛ حك 12: 12 (من يسألك ماذا فعلت).
«من أنت أيها الانسان» (آ 20). المنادى ليس فقط بلاغياً (كما في 2: 1، 3). هو في خط التعارض بين الله والانسان. هل يريد الانسان أن يجيب الله؟ من يحسب نفسه؟ «أيقول المصنوع». رج إش 29: 16 حسب السبعينيّة. ولكن هي صيغة النفي في اشعيا. أما هنا فهو الاحتجاج. كيف يتجرّأ الانسان أن يقول؟ نجد هنا فكرة الفخاريّ. لماذا صنعت. رج أي 9: 12؛ حك 12: 12. «بلاساين» (جبل). يدلّ على نشاط الله في البدء. تك 2: 7- 8، 15؛ رج أي 10: 8- 9؛ مز 33: 15؛ 2 مك 7: 23؛ سيب 3: 24- 25؛ يوسيفوس. العاديات 1: 32، 34؛ نج 11: 22. في فيلون يُستعمل الفعلُ حصراً في الكلام عن الله. هو الله الخالق وهو الله العناية. ذاك الذي خلق هو مسؤول عن خليقته. إذ شدّد بولس على حق الله السامي كالخالق، ما فكّر بعقاب لاحق. وفي أي حال «بلاساين» تدلّ أيضاً على اختيار الله لاسرائيل (تث 32: 6؛ اش 43: 1، 7؛ 44: 21، 24).
«أما يحقّ للخزّاف» (آ 21). كانت صورة الخزّاف مع طينه (بيلوس) صورة شعبية عن الله الخالق في الفكر اليهوديّ (مز 2: 9؛ اش 29: 16؛ 41: 25؛ إر 18: 1- 6؛ سي 33: 13؛ وص نفتالي 2: 2، 4؛ نج 11: 22). «يكون له الحقّ». رج 1 كور 7: 37؛ 9: 4- 6؛ 2 تس 3: 9. حقّ الله لا يجادَل. رج حك 15: 8. البشريّة كلها هي من طين واحد. ولا يختلف اسرائيل في ذلك. ويتحدّث بولس عن الآنية. هناك إناء يزيَّن ليكون في بلاط الملوك. وإناء آخر يستعمل في الغرفة. أراد اسرائيل أن يتميّز على المستوى الوطني، فمنعه بولس من ذلك. فقد يكون لاستعمال دنيء.
ج- غضب الله وصبره (آ 22- 24)
«وكذلك الله شاء» (آ 22). مع «دي» (لكن)، نفهم أننا لسنا أمام خيار غير الذي في آ 20- 21، بل أمام فكرة مختلفة. هذا يكفي لكي نتساءل عن التعادل التام بين إناء وإناء. بين آنية آ 22 وآنية آ 22- 23. هي آنية الغضب وآنية الرحمة. «فارو». حمل بصبر، قاسى. وهناك صبر الله (مكروتيميا، طول أناته) مع شعبه المختار. رج خر 34: 6؛ ق 9: 15؛ يون 4: 2؛ مز 145: 8- 9. أما 2 مك 6: 14- 16 فيتحدّث عن صبر الله تجاه الأمم الوثنيّة التي يريدها أن تكمل خطاياها بحيث يرحم شعبه. رج حك 15؛ مز سل 13؛ 4 عز 7: 74؛ مد 15: 14- 20 (بلغته القاسية). لا، فآنية الغضب يصبر الله عليهم ليصيروا آنية رحمة. كان بالامكان أن تختبر الغضب، أن تهلك، تدمّر (آ 23). لا يجادل بولس حول الدمار الأخير، ولكنه يركّز الآن على الله الذي يتحمّل بصبر آنية الغضب.
«كما شاء أن يعلن» (آ 23). يعيد بولس صياغة خر 9: 16 الذي ورد في آ 17. «غنى مجده». هي عبارة ليتورجيّة (فل 4: 19؛ كو 1: 27؛ أف 1: 18؛ 3: 16). «دوكسا (المجد). رج 1: 21؛ 9: 4. والمجد الاسكاتولوجي. رج 8: 17. عاد بولس إلى خر 33: 18- 19 ليصوّر الله الحنون والرحيم. رحمة الله تبقى الأساس في حياة الشعب. وآنية الرحمة هيّأها الله مسبقاً (أف 2: 10؛ حك 9: 8؛ منذ البدء). وهكذا نعود إلى 2: 10؛ 5: 2؛ 8: 17- 30.
«أي نحن الذين دعاهم» (آ 24). بعد الكلام عن الرحمة (آ 14- 23)، يعود الموضوع الرئيسيّ مع فعل دعا (آ 7، 12، 24- 26؛ رج 1: 1؛ 4: 17؛ 8: 30). الاختيار المسبق هو دعوة في الواقع الحاضر. «ليس فقط بل». هو التعارض بين «اليهود واليونان» (1: 16؛ 2: 9، 10؛ 3: 9). أما هنا فبين «اليهود والأمم» (اتنوس). رج 1: 5. دُعوا من (إك): أي فُصلوا عن جسم كبير. الأمم عن بقية الوثنيين، واليهود عن كل اسرائيل (هي بقيّة فُصلت). صرنا نحن جسماً مميّزاً (أف 2: 15)، ولا حاجة للعودة إلى الوراء.

3- خلاصة لاهوتيّة
أنهى بولس المرحلة الأخيرة (آ 14) من برهانه مع ملا 1: 2- 3، وأدخل فكرةً حول اختيار حرّ ضدّ عيسو، واستعدّ أن يجيب على سؤال يمكن أن يطرحه أحد. فالتعليم عن اختيار الله الحرّ الذي يحدَّد كذلك، يبدو اعتباطياً. إذا كان الله يرذل ويختار دون عودة إلى ما يفعلون، فهو جائر (3: 5). وتوجّهت الفكرةُ إلى دور الله في الدينونة الأخيرة. إذا كانت أمانة الله تحسب حساب لاأمانة اسرائيل، وبرّ الله بحسب لابرّهم، يكون الله جائراً إن هو حكم على اللابرّ نفسه. ويُطرح السؤال من وجهة الاختيار، لا من وجهة الدينونة. إذا كان من الممكن الكلام عن البرّ وقت الكلام عن الدينونة الأخيرة، فالامكانيّة تضعف حين الكلام عن الاختيار. فالاختيار لا يُلغي الدينونة (ف 2). ومن هذه النظرة المختلفة إلى الاختيار، فالسؤال الأول لا يتعلّق بالله الذي يختار أو يرذل، بل باستحقاقات الانسان أو بلا استحقاقاته. يتركّز المخرج المركزيّ على مخطّط الله، لا على الانسان الذي يستحقّ اللوم أو المديح.
في هذا الخطّ يبدو بولس ثابتاً في آ 15. أسند رفضه أن يكون الله جائراً إلى خر 33: 19 فكشف طبيعة الله العميقة. لا يستطيع الانسان أن يرى الله ويبقى على قيد الحياة. ولكن أتيح لموسى أن يرى شيئاً من مجده، ويعطي نظرة عميقة إلى معنى اسمه. وتلخّصَ الوحيُ في هذه الكلمات التي أوردها بولس. إله اسرائيل هو قبل كل شيء إله الحنان والرحمة. واسمه كإله العهد يدلّ على أن اختياره لاسرائيل كان سببه الحنان والرحمة فقط.
وتأتي النتيجة (آ 16) في خط آ 11 مع كلام عن قصد الله واختياره. وهنا عن رحمته. فالباعث الأساسي في الاختيار هو رحمة الله، وهدفه أن يدلّ على هذه الرحمة، ويتكلّم عن عمل الخير والشرّ، عن الإرادة والسعي.
في القسم السابق من البرهان (آ 17)، توقّف بولس عند نتيجة اختيار يعقوب، أي رذل عيسو. والآن، إذ عاد إلى حقبة الخروج وسيناء، ما أراد أن يتجاهل النتيجة. فافتداء الله لاسرائيل من مصر، يعني أن فرعون نال المصير عينه في دور مختلف. وبيّن بولس كيف أن دور الفرعون في دراما الخروج كان كلّه حسب إرادة الله. فاسم الله هو الرحيم (آ 15؛ خر 33: 19). وبولس اليهوديّ يعلن أن نتيجة الخروج هي أن تعرّف بقدرة الله في الكون. والشعب اليهوديّ العائش في الشتات، يُنشد هذه القدرةَ كلّ سبت في المجامع. وفي هذا السياق، ذُكر الفرعون مع إعلان نعمة الله التي اختارت فدلّت على قصد الله الرحيم. وكذلك قساوة قلب فرعون.
وإذا كان اختيار اسرائيل (آ 18) عملاً حراٌّ اختاره الله، دون العودة إلى سلوك اسرائيل، فدورُ فرعون في ذاك المخطّط جاء بدون العودة إلى سلوكه. فالله يرحم من يشاء. والله لا يبدّل مخططه بسبب سلوك فردٍ أو شعب. وموقف فرعون قد أراده الله وأدخله في قصده. ولكن بولس لا يتوقّف عند اسرائيل وعند فرعون، بل هو يوسّع نظرته إلى كل انسان، في تاريخ الخلاص.
ولكن النظرة إلى الاختيار والرذل (آ 19) دون العودة إلى أعمال صالحة، هي نظرة شريرة، تدلّ على أن الله جائر! إن كان يقسّي من يشاء، فكيف يقدر أن يلوم؟ أما كان الفرعون لعبة في يد الله؟ ولكن أن نكون خارج شعب الله المختار لا يدلّ على الحكم علينا. وأن نكون داخل الشعب المختار لا يكفل التبرير النهائيّ. هذا يعني أن مخطّط الله في تاريخ الخلاص لا يستبعد أحداً ولا يعذر أحداً. كلٌّ يدان على أعماله. وهذا يكفي من أجل الكلام عن الدينونة.
وواصل بولس (آ 20- 21) كلامه عن قصد الله من منظار الله الخالق، لا الله الديّان. من يظنّ الانسانُ المخلوقُ نفسَه حين يسأل عن الله الخالق؟ هو تمرّدٌ على وضعه كخليقة، يجد جذوره في سقطاته (1: 18- 32). نحن نتعرّف إلى الله بروح متواضع، كالخليقة أمام الخالق. والجواب يأتي من الكتاب المقدّس مع صورة الخزّاف والطين. فالروح المتواضع حقاً لا يتصوّر أنه يقدر أن يحتجّ على ما هو وعلى ما صنعه الله، ولا أن يسأل الخزّاف عن مقصده. هذا الانسان يقرّ أن الله الخزّاف الالهي، يقدر أن يصنع شعوباً مختلفة وأشخاصاً متنوّعين بأدوارهم المتنوّعة.
في نظر بولس، لا قدرة فوق قدرة الله. ومصير الانسان الأخير يرتبط بقصد الله. لذلك كانت صورة الخزّاف التي أشار إليها إر 18: 1- 11، ليدلّ على أن قصد الله يمكن أن يُخفّف أو يتبدّل، وأن إناء صُنع لعمل دنيء أعيد صنعُه ليكون للكرامة.
في آ 22- 23 تطلّع بولس إلى رذل اليهود من الاختيار الذي يقدّمه الانجيل. وبعد أن وضح أنه حرّك مسألة الرذل الالهي وقساوة القلب كنتيجة تعليم اسرائيل عن الاختيار، ها هو يشرح ظاهر هذا الرذل. رفض أن يدخل في دينونة الله الجائرة أو اللاجائرة، وعاد إلى تاريخ اسرائيل ليُلقي الضوء على مخطط الله في تاريخ الخلاص. هنا مفتاح الصعوبة في آ 22- 24.
ويُطرح السؤال: هل تظنّ أن الخليقة تعرف أكثر من الخالق؟ هناك طريق وحيدة ممكنة لفهم قصد الله (آ 24). هو لا يقدّم الآن طرحاً عقائدياً (سيكون في ف 10)، بل اعتباراً حول غضب الله الذي يدلّ على دينونة الله. فالله لا يقبل بخليقة ناقصة. وإرادتُه يعبّر عنها في عمله في خطيئة الانسان، وفي تدمير هذا النقص في يوم الدينونة.
ويعود بولس إلى الواقع (آ 24)، فيتوقّف عند آنية الرحمة، الذين هم اليهود والأمم. فصبرُ الله هو للجميع. وإذا كانت الأمم نعمت بطول أناة الله في الماضي، فبنو اسرائيل ينعمون بتأخّر الله عن العقاب. والدعوة التي أقام فيها اسرائيل (آ 7، 11)، قد توسّعت فوصلت إلى الأمم كما إلى اليهود بحسب قصد الله.

الخاتمة
اختار الله يعقوب، وما اختار عيسو. وفي الحال ورد الاعتراض الذي يبدو معقولاً على المستوى البشريّ، لا على مستوى مخطّط الله. عاد الرسول إلى سفر الخروج، لا ليؤكّد فقط حريّة الله التامّة، بل ليقول إن هذه الحريّة تدفعه إلى أن يرحم ويتحنّن. لسنا هنا أمام نظرية تتحدّث عن اختيار خلاصيّ لفئة، واختيار هلاكيّ لفئة أخرى. فالبرهان يتركّز على نقطة رئيسيّة: الله هو إله يختار. وحين يختار فمن أجل الخلاص. وتاريخ الخلاص مملوء بالمنعطفات والرفض المتكرّر. إنه تاريخ الخلاص، لا تاريخ الهلاك. فعلى هذا الضوء فهم الرسول مختلف الأحداث، مهما كانت مظلمة. تجاه الغضب هناك الصبر، وتجاه القدرة هناك الرحمة. والصبر والرحمة تجاه الجميع، تجاه اليهود في الماضي، والأمم في الوقت الحاضر. فكيف نتجاسر أن نتّهم الله أنه جائر؟

Copyright © 2017 BOULOS FEGHALI. SITE by OSITCOM ltd
Webmaster by P. Michel Rouhana OAM