الربّ القدير معنا

الربّ القدير معنا

المزمور السادس والأربعون

- المزامير للمؤمن كالهواء للرئتين

أحبّائي، قراءتنا للمزامير ستأخذ معنا أيّامًا وأسابيع بل وسنوات، لأنّها تحمل صلاة شعب أوّل ظلّ يتلوها سحابة ألف سنة وما زال يتلوها إلى الآن، إمّا في الاجتماع الأسبوعيّ يوم السبت في المجمع، وإمّا في صلاته الفرديّة.

وهذه الصلوات ما زالت الكنيسة تتلوها يومًا بعد يوم، تتلوها وتنشدها. هذه الصلوات تحمل عواطف الإنسان في الفرح والحزن، في التعب والراحة، في الصعوبة والسهولة، في النصر وفي الهزيمة، في كلّ ظروف الحياة. هذه المزامير تعلّمنا أنّ الصلاة تشبه التنشّق، التنشّق يُدخل الهواء إلى الرئتين حتّى يحيا الإنسان، حتّى لا يموت خنقًا. وحين يتلو المؤمن المزامير فهي كالهواء الذي يدخل إلى الرئتين. لا شكّ، يمكن أن نصلّي أكثر من صلاة، ولكنّ الهواء النقيّ لا يمكن إلاّ أن يكون كلام الله

والمياه الصافية اللذيذة المنعشة لا يمكن إلاّ أن تكون تلك الخارجة من ينبوع الله.

في هذا المجال نتذكّر إرميا النبيّ الذي يقول بفم الربّ: تركوني أنا ينبوع المياه واحتفروا آبارًا مشقّقة. ما طعم المياه؟ مرارة، ملح. وهذا ما يحدث بالنسبة إلى عديدين منّا: نطلب مياهًا آسنة، مياهًا لا تُشبع، مياهًا عكرة، مياهًا لا تحمل الحياة. أو نطلب هواء ملوّثًا، ونتساءل بعد ذلك لماذا نحن مرضى؟

حين كان الشعب العبرانيّ في برّيّة سيناء مع موسى، أيّ ماء وجد؟ أوّلاً مياه مارّة. لماذا سمّيت كذلك؟

لأنّ مياهها كانت مرّة. ومن جعل هذه المياه المُرّة حلوة؟ قدرة الله

يقول الكتاب المقدّس: جعل موسى قطعة خشب في الماء فصار حلوًا. وتحدّث الآباء عن الصليب، عن خشبة الصليب التي تحوّل الحياة المرّة إلى حياة حلوة.

2 - صلاة القلب

والقدّيس بولس يقول إلى أهل كورنثوس في الرسالة الأولى 11: إذا كنتم أنتم تخلطون بين الخبز المادّيّ، الخبز الفاني الذي تأكلونه، وجسد المسيح، أفتتعجّبون أن يكون بينكم المرضى والسقماء، وأن يصل بكم مرضكم إلى الموت؟ هذه هي حالنا حين نبحث عن صلوات من هنا وهناك، صلوات بشريّة فقط، عاطفيّة، نجدها في آبار مشقّقة، وننسى ينبوع الماء الحيّ. ما أجملنا حين نصلّي إلى الله بكلمات الله لهذا السبب، لو بقينا سنوات نتلو المزامير بعضنا مع بعض، نصلّيها، نفسّرها، نتأمّل بها، نقرأها على مهل، بحيث تخرج الكلمات لا من فمنا وشفاهنا، بل من قلبنا، تصبح الكلمات في قلبنا صلاة خافتة، صلاة صامتة، مثل صلاة حنّة أمّ صموئيل لمّا كانت في شيلو وطلبت من الربّ أن يعطيها ابنًا فأعطاها الربّ صموئيل وكرّسته للربّ.

هذه الصلاة الصامتة لا تعبّر فقط عن شفاهنا وفمنا. فإن عبّرت فقط عن شفاهنا وفمنا، تستحقّ الحكم القاسي من إشعيا النبيّ. هذا الشعب يسبّحني بشفتيه وقلبه بعيدٌ منّي، فباطلاً يعبدونني. صلاة المزامير يجب أن تخرج من قلوبنا. عند ذلك نستطيع أن نجعل صلاتنا في شخصنا كلّه، وإذ نقدّم للربّ ترانيم الشفاه، ترانيم الفم نقدّم في الوقت عينه للربّ حياتنا كلّها.

هنيئًا لنا إن وصلنا إلى هذا المستوى من التأمّل وقراءة المزامير. خصوصًا، أحبّائي، كما في هذا المزمور 46، عندما ننطلق من واقع أليم عشناه وتذكّرناه السنة بعد السنة، بل القرن بعد القرن، مئة سنة بعد مئة سنة، عندئذٍ نفهم كيف أنّ حياتنا صارت صلاة، وصلاتنا صارت حياة.

1 - الله يوجّه التاريخ

المزمور 46. قبل أن نصل إلى السياق الذي فيه أُنشد للمرّة الأولى، وسيظلّ يُنشد في تاريخ الشعب الأوّل بانتظار أن يصبح صلاتنا نحن، نتلو هذه الردّة الجميلة، هذا القرار: الربّ القدير معنا، تتردّد هذه العبارة أكثر من مرّة: الربّ القدير معنا، إذا كنّا انتصرنا فبقدرة الربّ فقط لا بقدرتنا.

إذًا، نقرأ، أحبّائي، المزمور 46 من آية 2: الله حماية لنا وعزّة، حتّى آية 12: إله يعقوب ملجأنا.

قرأنا المزمور 46 وعنوانه الربّ القدير معنا.

ما هو الإطار، ما هو السياق الذي فيه كُتب هذا المزمور؟ لا بدّ من العودة إلى التاريخ. سنة 701 قبل المسيح، كان الملك حزقيّا ملك يهوذا بعاصمتها أورشليم، وكان النبيّ إشعيا ذاك المنتصر بقدرة الله، ذاك العارف قداسة الله ذاك الذي سمّى الملك عمّانوئيل، إلهنا معنا. انطلاقًا من هنا أنشد المرتّلون، أنشد المؤمنون، الربّ القدير معنا. هؤلاء الناس الذين خافوا مرّة أولى من تحالف الملوك، ملك صيدون وملك السامرة وملك دمشق، حيث اجتمعت ممالك عديدة لتدمّر أورشليم وهيكلها مركز حضورالله.

ماذا كان كلام إشعيا؟ كلّ هؤلاء لا شيء. فتيلة مشتعلة سوف تنقطع، سوف تنطفئ؟ أوراق شجر تسقط في الخريف. إذًا، علينا أن لا نخاف. هي الحرب كما يقال: الحرب الإفرائيميّة يعني السامرة ومملكة إسرائيل، والحرب الأراميّة أي دمشق ومملكة أرام، مع صيدا وغيرها من المدن. إذًا، يقول لهم إشعيا: لا تخافوا سيأتي يوم تزول دمشق ومملكة أرام، تزول السامرة ومملكة إسرائيل. وهذا ما حدث في الواقع سنة 734 بالنسبة إلى دمشق و722 بالنسبة إلى السامرة. فليس الملوك هم من يوجّهون التاريخ، بل الله هو من يوجّه التاريخ لأنّه سيّد التاريخ.

4 - هو الحماية والعزّة

وسنة 701 هجم الأشوريّون، والناس كانوا يعلمون من كان الأشوريّون. الأشوريّون كانوا شعبًا قويٌّا يترك وراءه الموت والدمار والسبي والحرب والنهب. وما هي أورشليم تلك المدينة الصغيرة؟ كيف يمكنها أن تقف في وجههم؟ ما هو عدد جيشها تجاه الجيش الأشوريّ؟ هذا ما يقوله الناس، لا ما يقوله النبيّ. من الذي يدافع عن أورشليم؟

46: 6 يقول المزمور: الله في داخلها. هو الذي يؤمّن عليها الحماية. إذًا، لن تتزعزع، هي قويّة بقوّة الله. جاءت الأمم تضجّ، ولكن كما يقول المزمور 2: السيّد يضحك. هؤلاء كلّهم يضجّون ولكنّهم لا يستطيعون شيئًا، لماذا؟ لأنّ الربّ القدير معنا، ملجأنا إله يعقوب، يعني إله القبائل الاثنتي عشرة وإله الرسل الاثني عشر أيضًا. الربّ هو الإله في العهد القديم كما في العهد الجديد، في العهد الأوّل كما في العهد الثاني. هو حقٌّا معنا. ليس فقط في تمنٍّ بل في حضور شخصيّ وملموس، لأنّ يسوع هو عمّانوئيل، إلهنا معنا.

يقول المزمور في آية 2: الله حماية لنا وعزّة ونصيرٌ عظيم في الضيق. ليس الجيش هو حماية لنا. ليس الجيش هو العزّة لنا. لا شكّ، إن كان هناك جيش يدافع عن الأسوار، يدافع عن الحصون، ولكن بالنسبة إلى المؤمن، إلى المرتّل، معونتنا باسم الربّ لا باسم البشر. الاعتصام بالله خير من الاتّكال على العظماء، من الاتّكال على البشر. الله حماية لنا وعزّة ونصير عظيم في الضيق، فالجيش هو هنا، الجيوش بأسلحتها، ولكنّنا لا نخاف.

آية 3: لا نخاف من الجيوش، لا نخاف من البشر الذين يشبهون الزهرة أو العشبة، التي تطلع في الصباح وتجفّ في المساء، لا نخاف ولاسيّما في زمن الضيق.

بل لا نخاف إن تزحزحت الأرض، ومالت الجبال إلى قلب البحار، وتدفّقت المياه كما في الطوفان، وارتعشت من ارتفاعها الجبال. كلّ هذه القوّة لا تخيفنا. لو انقلبت الأرض رأسًا على عقب، فالمؤمن لا يخاف. تجاه هذه الحرب، ماذا نجد؟

نجد الفردوس الأرضيّ حيث الله ما هو الفردوس؟ مدينة الله أورشليم. ما هو الفردوس؟ مساكن الله العليّ، وهذه المساكن هي مقدّسة.

إذًا، إن كان هناك من فرح، فلأنّ الربّ يقيم في مدينته. وإن كان هناك من ثقة، فلأنّ الربّ حاضر بحيث لا تتزعزع مدينة الله.

وتتحدّث آية 5 عن جداول النهر: هي أربعة لأنّه كان في الفردوس الأرضيّ أربعة أنهار، وهي تدلّ على ملء بركة الله في الفردوس، كما في أورشليم.

آية 6: الله في داخلها، فلن تتزعزع، ينصرها ما طلع الصبح.

نتذكّر هنا أنّ الأشوريّين الذين كانوا يحاصرون أورشليم ضربهم الوباء، فيقول سفر الملوك إنّهم في الصباح هربوا.

آية 7: تضجّ الأمم تتزعزع الممالك. كلّ الممالك سقطت، كلّ الحصون سقطت. لكنّ صوت الله يجعل الأرض تموج، تتحرّك، وكأنّها قطعة من قماش. هذه الأرض الثابتة، الجامدة، القويّة، الله يتصرّف بها كما نتصرّف بقطعة من القماش في الهواء. لماذا كلّ هذه الثقة، كلّ هذا الاتّكال؟ لأنّ الربّ القدير معنا، لأنّ الربّ الإله هو ملجأنا.

آية 9: ألا تصدّقوالله تعالوا انظروا أعمال الربّ، أعماله العجيبة في الأرض. أعمال الربّ أوّلاً حين نجّى أورشليم من الدمار، ولكن هذا لا يكفي. فأورشليم نقطة محدّدة في الأرض، وإن رمزت إلى حضور الربّ. أعمال الربّ هي عجيبة في الأرض كلّها، لا في أرض فلسطين فقط، لا في أرض المشرق فقط، لا في أرض مقدّسة محدودة فقط، أعمال الله عجيبة في الأرض كلّها.

3 - أعمال الربّ: لا للحرب

وما هي هذه الأعمال؟ هي تزيل الحروب إلى أقاصي الأرض. لا نحتاج بعد إلى الحرب، لا في أورشليم ولا في فلسطين، ولا في أيّ مكان من العالم. يبدو أنّ التاريخ المعروف حتّى الآن هو تقريبًا خمسة آلاف سنة. قبل المسيح، هناك فقط 288 سنة لم تعرف الحرب. ثمّ إذا عددنا الحروب التي عرفها العالم بعد المسيح، فالحروب لا تُحصى. وكارثة كوارث الحرب العالميّة الأولى 18 مليون قتيل. لكنّ الإنسان فنّان: ففي الحرب العالميّة الثانية ترك ستّين مليون قتيل. الربّ لا يريد الحرب، لا يريد أن يحارب مع شعبه على الآخرين، ولا مع الآخرين على شعبه، الربّ يرفض الحرب، الربّ يرفض القتل، يرفض العنف، يرفض السلب والنهب، الربّ يرفض كلّ هذا، يريد لشعبه ولشعوب العالم أن يعيشوا بأمان وسلام. وبماذا تتمّ الحروب، بالقوس؟ سنكسر القوس. بالرمح؟ سنقطع الرمح. بالدروع؟ سنحرق الدروع، لن نترك أيّة آلةٍ من آلات الحرب.

والربّ يقول: قفوا، توقّفوا عن الحروب، ممنوع العنف، ممنوع القتل. أنا الله آمركم بهذا. البشر يتوافقون أو يختلفون. البشر يضعون المعاهدات التي يتجاوزونها سريعًا، خصوصًا إذا كان القويّ هو من يتجاوز هذه الشرائع، هذه الحدود التي وضعها البشر. أمّا الربّ الذي هو القويّ القويّ، فيريدنا أن نحترم بعضنا بعضًا، يريدنا بلا سلاح. فالسلاح الواحد هو كلمة الله. ومن هو هذا الإله؟ هو العليّ جدٌّا. هو ليس فقط إله إسرائيل، ليس فقط إله الشعب العبرانيّ، ليس فقط إله أورشليم وهيكلها، ليس فقط إله فلسطين، أرض الربّ، بل هو إله الأرض كلّها.

آ 11: اعلموا أنّي أنا الله أتعالى في الأمم، وأتعالى في الأرض. أنا العليّ بالنسبة إلى الأمم الوثنيّة وليس فقط بالنسبة إلى أمّة واحدة. أنا الله العليّ في الأرض كلّها، لا في أرض محدّدة.

عندئذٍ يفهم المؤمن، فيردّد: الربّ القدير معنا، إله يعقوب ملجأنا، ممّن نخاف؟ بعد الآن لا نخاف، لأنّ الله هوحماية لنا وعزّة، ونصيرٌ عظيم في الضيق، فلا نخاف أبدًا. آمين.

 

Copyright © 2017 BOULOS FEGHALI. SITE by OSITCOM ltd
Webmaster by P. Michel Rouhana OAM