الفصل الثامن والعشرون :سجن بطرس

الفصل الثامن والعشرون
سجن بطرس
12: 1- 23
الأب ريمون هاشم الأنطوني

1- تحديد النصّ
بداية النصّ تتكلم عن توقيف بطرس وسجنه وعن القضاء على يعقوب أخي يوحنا (آ 1-3). أما خاتمة النصّ فتنحصر في الحديث عن هيرودس والجنود الذي أضاعوا بطرس (آ 20) وفي الملاك الذي قضى على هيرودس (آ 23). إذا بطرس المسجون أصبح طليقاً وهيرودس القاضي والحاكم قضي عليه.
بداية النصّ وخاتمته حصرا موضوعاً واحداً ألا وهو: بطرس عضو الكنيسة ومواجهته مع هيرودس.
زيادة على ذلك فالنصّ الذي يسبق (12: 1-23) يتحدث عن ارسال برنابا وشاول لمساعدة الاخوة الذين يسكنون في اليهودية (27- 30). أما النصّ الذي يلي (12: 1-23) فيؤكد انتشار الكلمة (آ 24) ويتكلم عن رسالة برنابا وشاول التي اكتملت بعودتهما (آ 25).
إذاً فالآيات (11: 27- 30) و(12: 24- 25) تتحدث عن موضوع مغاير للموضوع المعالج في (12: 1- 23) وبذلك نستنتج أن الآيات 12: 1- 23 تشكل وحدة أدبية يمكننا دراستها وتحليلها بشكل مستقل.
أ- تأليف المقطع
إن الآيات (1- 5) تشكل قسماً واحداً بجزئين (1-3) و(4- 5). (1- 3) مبني بشكل محوري و(4- 5) بشكل متوازي. وأما ما يبني الترابط بين الجزئين فهو ترداد كلمة "كنيسة" (1 ب و5 ج).
وتتطابق الأجزاء (1-3) و (4- 5) مع أجزاء الخاتمة 18-23 بحيث إن الآيات (18- 19) المبنية بشكل متواز تتوازى والآيات (4- 5) بسبب التعارض القائم بينهما. الجزء الأول يتكلم عن سجن بطرس أما الثاني فيعرض لنا البلبلة الناتجة عن اختفاء بطرس من السجن.
أما بالنسبة للأطراف، فالآيات (25- 22) بالإضافة إلى آ 23 المبنية بشكل محوري تتكلم عن موت هيرودس الناتج عن تدخل الملاك. أما الآيات 1-3 فتتكلم عن موت أحد أعضاء الكنيسة. وهذا أيضاً نوع من التعارض لأن ما نوى الملك أن يفعله بأعضاء الكنيسة تحقق فيه. وهو ما نسميه بانقلاب الأحوال.
الآيات 6-9 المبنية بشكل محوري تركز على ظهور الملاك في السجن (7 أ)، وعلى انتقال بطرس من حالة ثبات "النوم" (آ 26) إلى حالة دينامية "نهوضه" (آ 7). أما أطراف هذا الجزء فتخبر بشكل متعارض عن هيرودس الذي كان يهم بمحاكمة بطرس (آ 6) وعن الملاك الذي يعيد إليه رداءه وحذاءه من أجل اخراجه (8- 9).
والآيات (6- 9) تتطابق والآيات (12- 17) والسبب هو التعارض من ناحية المكان. فالآيات (6-9) تتكلم عن بطرس في السجن، أما الآيات (12-17) فتتكلم عن بطرس في بيت مريم أم يوحنا. أو المنتقل إلى بيت مريم أم يوحنا.
بالاضافة إلى ذلك، نلاحظ ترداد المفردات التالية: "الباب" (6 د و 13 أو 14 ب. ج) "اليد" (7 د و 17 أ) "المكان" (7 ب و12 أ و17 د) الخ...
فالمفرد "مكان" يقوم بوظيفة التضمين ويحدد المقطع (12- 17).
أما الآيات 12 ب ج و17 أ ب ج فتتطابق فيما بينها بسبب الموقع وبسبب ذكر الأسماء "مريم أم يوحنا الملقب بمرقس" و"يعقوب والاخوة". وحالة الصلاة التي كانوا يعيشونها في الآية 12 تنقلب إلى حالة تبشير في الآية 17. والآية (13- 14 أ) تتطابق والآية 16 بسبب "قرع الباب" الذي يتردد في الآيتين وحالة الانذهال المشتركة بين رودي والمجمع الحاضر. أما آ 14 ب وآ 15 أ ب ج فتتطابق فيما بينهما بشكل متواز: يتردد قول الجمع مرتين في 15 أ و15 ج؛ و14 ب تتوازى و15 ب لأنهما تتكلمان عن بشرى رودي الخادمة.
أما الآيات الوسط 9 ب- 11 فيتمحور حولها النصّ لأنها تشكل الحدث الأساسي الذي بني عليه.
وهذه الآيات بنيت بشكل محوري لأن خيال بطرس في 9 ب أصبح واقعاً في آ 11، والآية 10 أ تتطابق والآية 10 ب بسبب الفعل (جاز).
ب- النص في إطاره
إن أع 12: 1- 23 ينتمي إلى أع 6- 12 الذي يحتوي على تعيين الشمامسة (أع 7) المرتبط بالتبشير بالكلمة وبانتشارها في السامرة على يد فيلبس (8: 5- 24). بالإضافة إلى ذلك فإن ارتداد بولس كان السبب في تبشير الكلمة في دمشق (9: 1- 31). أما بالنسبة لبطرس فإنه شفى امرأة وأقام طبيثة في يافا، وأثناء خطبته جاء الروح وحلّ على الغير المختونين الذي اعتمدوا وبذلك اقتبل أهل الأمم الكلمة وبنيت كنيسة انطاكية (11- 19) وبدأت وجهة جديدة في التبشير مع برنابا وشاول (آ 25).
بطرس دخل السجن (12: 1- 12) وتحرر منه على مثال معلمه المسيح. مع تحريره تحررت الكلمة وتابعت مسيرتها بالإنتشار. وبعد ذلك اختفى ذكر بطرس من كتاب أعمال الرسل. اختفى ذكر بطرس وبقيت الكلمة.

2- شرح النصّ
أ- الأحوال تنقلب رأساً على عقب (12: 1- 5)
نبدأ من الأطراف: إن القبض على أعضاء من الكنيسة والقضاء بالسيف على يعقوب أخي يوحنا، أرضى الشعب اليهودي وشجّع هيرودس بالقبض على بطرس. وكان ذلك في أيام الفطير (11-3). أمسك هيرودس ببطرس وألقاه في السجن ووضع حراساً عليه ونوى أن يحاكمه بمرأى من الشعب. ولكن الكنيسة كانت تضرع إلى الله من أجل بطرس (4- 5). ففي الآيات التي تشكل خاتمة النصّ (18-23) نرى بأن الأحوال تنقلب رأساً على عقب. فبدل أن يساق بطرس إلى العذاب سيق حراسه، وبدل أن يمثل بطرس للمحاكمة بمرأى من الشعب، مثل هيرودس بمرأى من الصوريين والصيدونيين الذي اثبتوا عليه التهمة التي تقول بأنه جعل من نفسها إلهاً. فتدخل ملاك الرب وأجرى الحكم بنفسه إذ إنه ضربه لأنه لم يمجّد الله. وبذلك فإن صلاة الكنيسة (آ 5) استجيبت (آ 23).
ب- لا يمكن حبس البشارة (6: 19)
الآيات 6- 9 تتكلم عن تدخل الملاك من أجل انقاذ بطرس من السجن.
محور هذا المقطع هو ظهور الملاك الذي ينهض بطرس من حالة الجمود التي سببها له السجن والسلاسل. لمس الملاك بطرس وأيقظه من رقاده واستعمل الفعل "قام" الذي يشار به عادة إلى المسيح القائم من بين الأموات. وأعاد إليه اعتباره وحريته بانتعال الحذاء رمز الخروج من العبودية وباتشاحه الرداء رمز الكرامة وكل هذه الملابس ترمز إلى الاستعداد للسفر. وما كان يفعله بطرس هو تنفيذ ما كان الملاك يأمره به. إذاً فاستسلامه بين يدي الملاك أعاد إليه الحرية. أما في الجهة المقابلة، فبطرس اصبح خارج السجن 12-17.
تعرف على المكان دون نية البقاء والإختباء في داخله لأن الآية 17 تتكلم عن خروجه قاصداً مكاناً آخر. قصد بطرس بيت مريم أم يوحنا ونقل الجماعة من حالة الصلاة إلى حالة التبشير بالحدث الذي عاشه مع الرب (آ 12 ب و 17 أ). حياة بطرس أصبحت واقع يُبشر به من أجل إحياء الرجاء واعلان البشارة التي تحيي وتقوّي الإيمان بالرب.
الإنذهال والفرح علامتان عاشتهما الخادمة رودي والجماعة التي كانت تصلّي من أجل بطرس.. هاتان العلامتان عاشهما الرسل عندما سمعوا مريم المجدلية تبشّرهم بقيامة المسيح. عندما تلقوا الخبر خرجوا من العليّة وتخطوا حالة الخوف التي كانت تتملكهم وها إنهم يعيشون الحالة نفسها مع بطرس الخارج من السجن. بطرس طلب منهم ألا يبقوا في سجنهم لئلا تُحبس البشارة ويُحدّ من انتشارها. ويبدو أن الهدف من تحرير بطرس هو متابعة التبشير بتدخل الرب الذي أنهض الإنسان من حالة رقاده وأعطى معنى لحريته..
والعبارة "ضرب الملاك جنب بطرس" (آ 7) تتطابق والعبارة "قرع بطرس الباب" (آ 13). الواقع هاتان العبارتان المتطابقتان تعبران عن طريقة بطرس في قرع باب الجماعة وإيقاظها من غيبوبتها التي تشبه طريقة الملاك في إيقاظه من نومه عندما كان في السجن. الرب أيقظ بطرس لكي بدوره يوقظ جماعته.
ج- العبور (9 ب- 11)
الآيات التي يتمحور حولها النصّ تصف لنا كيفية خروج بطرس من السجن بمرافقة الملاك الذي لم يتركه إلاّ عندما تأكد من حريته. بطرس بذلك انتقل من حالة العبودية إلى حالة الحرية حيث اعترف وأيقن أن الربّ أرسل ملاكه لإنقاذه من يد هيرودس ومن توقعات الشعب اليهودي.
بالواقع في هذه الآيات تحرر بطرس من شيئين: أولا من خياله، وثانياً من السجن. والتحرر من الخيال مرتبط كلياً بالواقع الذي دخل إليه بطرس بعد أن فارقه الملاك. وما انفتاح الباب من تلقاء نفسه إلاّ ليرمز إلى حجر القبر الذي دُحرج ليخرج المسيح.

الخاتمة
إن القضاء أو القبض علىٍ أحد اعضاء الكنيسة يمس الجماعة بأكملها كما وأنه يمس الله المرتبط كلياً بها: "كانوا يضرعون إلى الله من أجله دون إنقطاع".
صلاة الكنيسة وابتهالاتها الدائمة أنقذت بطرس من حالة جموده التي فرضها عليه الشرّ. وعاود بذلك نشاطه الرسولي القائم على نشر البشارة والكلمة. تدخل الله في حياة بطرس والكنيسة هو عامل أساسي من أجل اكمال مثروعه الخلاصي وإلاّ فالكلمة تبقى في سجنها والإنسان في عبوديته. وما موت هيرودس إلاّ ليقول لنا إنه ليس بإمكاننا ولو ظنّنا بأننا آلهة أن نقف حاجزاً في درب كلمة الله.
عاش بطرس حدث السجن كما عاش المسيح حدث الموت والقيامة.
وبذلك يمكننا القول بأن كتاب أعمال الرسل لم يرد التكلم عن سجن بطرِس او موته إذا امكننا القول. بل أراد أن يقول لنا بأن بطرس ما زال حيا وبأن الجماعة المسيحية ما زالت تعيش من كلمته.

 

Copyright © 2017 BOULOS FEGHALI. SITE by OSITCOM ltd
Webmaster by P. Michel Rouhana OAM