تقديم.

 

سلسلة

بين عهد وعهد

13

إرحمنا يااله

فنحن ضيوف لديك

الخوري بولس الفغالي

2009

تقديم

المزامير صلوات تعبّر عمّا في قلب المؤمن من آمال وآلام، وتفتحه على نداءالله. أمّا أوّل خبرة فيعرفها في الخطيئة. فمنذ بداية سفر التكوين، دخلت الخطيئة إلى العالم، بواسطة نصيحة الحيّة الجهنّميّة، بواسطة إبليس، وعلّمت الإنسان كيف يكون »الله« قبالة الله. وتحدّى نمرودُ الله، فأطلق عليه سهامه علّه يصيبه في أعلى سمائه. وتوالى التحدّي في خبر مدينة بابل مع برجها. يجب أن ترتفع مدينةُ الإنسان إلى السماء كي تهاجم الله في عقر داره. تلك هي الخطيئة. تلك هي ثورة الإنسان على الله. ولكن ماذا كان جواب الله؟ لا الضربة، لا الانتقام، لا التصدّي وكأنّه إنسان من الناس، وهو الذي يقول في النبيّ هوشع: أنا إله لا إنسان. أنا القدّوس في وسطكم. يعني لا أتصرّف كما أنتم تتصرّفون.

جواب الله هو الرحمة. عاطفة الأمّ تجاه أولادها الذين حملتهم في رحمها، في حشاها. لولا اتّكالنا على رحمة الله، لكنّا نروح في اليأس والبحث عن الموت قبل أن نموت الموت الثاني الذي هو الهلاك الأبديّ. ولكن هذه الرحمة تُنعش فينا الثقة. ثقة الابن بوالده. ثقة تدعوه إلى العودة على مثال الابن الضالّ الذي عاد فوجد يدَي أبيه مفتوحتين لاستقباله. كما تدعونا هذه الثقة للاستناد إلى الله مهما كان العالمُ المحيط بنا. فالربّ يسوع قال لنا: أنتم في العالم. إذًا انتظروا أن تروا الشرّ الذي وصل بي إلى الموت والموت على الصليب. ولكنّكم لستم من العالم. هذا يعني أنّكم لا تتخلّقون بأخلاق العالم، بل بأخلاق المسيح، في العيش في التواضع والوداعة والبحث عن السلام. مثل هؤلاء يستقبلهم الربّ. مثل هؤلاء يحقّ لهم السكن في جواره. فيوم واحد قرب الربّ يتفوّق على السنين الكثيرة في أيّ موضع كان. هنا يعلن االمؤمن براءته تجاه الربّ ويعرف أنّه الإله العادل الذي يجازي كلّ إنسان بحسب أعماله. فلا يبقى مجال للخوف في حياتنا. بل هي الدالّة، دالّة الأبناء الأحبّاء الذين يتغنّجون على والدهم وعلى والدتهم ويستطيعون أن يَطلبوا كلَّ ما يفيد لخلاصهم من ذاك الذي يدعونه »أبّا« أيّها الآب.

هكذا يتّخذ هذا الجزء الثالث عشر من سلسلة »بين عهد وعهد« كامل معناه: ارحمنا يا الله لأنّنا ضيوف عليك. أجل، يستقبلنا الربّ لديه، لا بسبب استحقاقاتنا وأعمالنا مهما كانت »عظيمة«. يستقبلنا كما نحن. وإن حملنا معنا خطايانا مثل الابن الضال، لا يطرح علينا سؤالاً واحدًا. هو ينتظرنا ولا مجال للخطابات المطوّلة. فنحن لا نُقنع الله بنظريّاتنا واعتذاراتا التي تكون، مرّاتٍ كثيرةً، واهية. بل رحمته هي التي تدفعه. أحشاؤه التي تتحرّك في داخله مثل أحشاء أمّ. نأتي إليه ونودّ أن نطلب السماح، فيسامحنا قبل أن نصل إليه. نأتي إليه ونعلن أنّنا لا نستحقّ أن نكون بعد أبناءه، فيُسكتنا ويعاملنا كما يُعامل أعزّ الأبناء والبنات. لا مجال للكلام، بل للحبّ العارم الذي يُظهره الله تجاه كلّ واحد منّا. فماذا ننتظر لنمضي إليه، نلجأ إليه كما العصفور يلجأ إلى الهيكل ويجعل عشّه هناك في حمى الله.

إلى هذا يدعونا هذا الكتاب الذي عنونّاه: ارحمنا يا الله، فنحن ضيوف لديك.

 

Copyright © 2017 BOULOS FEGHALI. SITE by OSITCOM ltd
Webmaster by P. Michel Rouhana OAM