الوصايا طريق الربّ

 

الوصايا طريق الربّ

1- تفوّق يسوع على التجربة

أحبّائي، نتابع قراءتنا في سفر الخروج، وما زلنا نتأمّل في الوصايا العشر. وإن توقّفنا طويلاً عند هذه الوصايا، فلأنّ لها دورًا كبيرًا، لا في حياة الشعب العبرانيّ فقط، لا في حياة الشعب اليهوديّ حتّى اليوم، بل في حياة الشعب المسيحيّ وسائر الشعوب التي عبدت الإله الواحد، لا بل في حياة كلّ شعوب العالم. الوصايا هي الطريق التي يرسمها الربّ لنا لكي نعيش أوّلاً في ارتباط بمن هو أساس حياتنا، وينبوع وجودنا، وفي ارتباط مع إخوتنا. وإن لم تكن الوصايا أيضًا ارتباطًا مع إخوتنا، صار العالم ذئبًا يأكل فيه الإنسانُ أخاه.

ونعود أيضًا إلى هذه الوصيّة: »للربّ إلهك تسجد«. قال الربّ في خروج 20: 5: »لا تسجد لهذه الآلهة، لا تعبدها، لأنّي أنا الربّ إلهك إله غيور«. وقال الربّ للشيطان في إنجيل متّى وإنجيل مرقس: »للربّ إلهك تسجد وإياه وحده تعبد«. في الواقع، جرّب إبليس يسوع، جرّب الشيطان يسوع، طلب منه أن يعبده ومن خلاله يعبد المال، يعبد العظمة، يعبد القوّة، يعبد السلطان حيث يسيطر على جميع البشر.

أمّا يسوع فكان جوابه: »كلاّ«. هي تجربة وأنا أرفضها. فيسوع لا يسيطر على البشر بالقوّة والعنف والمال والسلطان، بل يسيطر على البشر بالحبّ، بالخدمة، بالموت على الصليب. مات ليجمع أبناء الله المشتّتين في واحد. رفض أن يسفك دم أحد، فسفك دمه من أجل خطايا الكثيرين. وهكذا دلّ يسوع منذ البداية أنّه يرتبط بالله وحده، ولا يرتبط بأحد سواه. إنّ تجربة يسوع استعادةٌ لتجربة الشعب العبرانيّ. ولكن حيث سقط الشعب العبرانيّ في البرّيّة، يسوع لم يسقط.

2 - وسقط فيها الشعب

الشعب العبرانيّ جُرّب. ماذا فعل؟ قال: نريد أن نرى إلهًا أمامنا. فأخذ هارون شنوف الذهب والإسوارات وجعلها تمثالاً من ذهب، تمثالاً صغيرًا. في الواقع، هو يمثّل العجل أو بالأحرى البقرة، الثور الذي تعرّف إليه العبرانيّون في مصر. لكنّه تمثال صغير لهذا سمّاه الكتاب: العجل. لا يصلح أن يكون بقرة كبيرة وثورًا، سمّاه العجل.

وسجد الشعب العبرانيّ، سجدوا لهذا العجل الذهبيّ، وأخذوا يرقصون حوله كما يفعل المصريّون أو كما يفعل الكنعانيّون. مع أنّ الربّ قال: »لا تصنع لك تمثالاً منحوتًا ولا صورة ممّا في السماء من فوق (الشمس والقمر) ممّا على الأرض من تحت (هو الثور هنا)، وممّا تحت الأرض«. وإذ سجد الشعب لعجل الذهب، حاد عن الطريق الذي أمره الربّ بسلوكه.

أمر الربّ ولكنّ الشعب رفض أن ينصاع، أن يطيع أمر الربّ. سلوكه دلّ على تمرّده، سلوكُه دلّ على رفضه أن يكون عابدًا لله وحده. ماذا فعل؟ صنع لنفسه عجلاً مسبوكًا على مثال المصريّين أو الكنعانيّين. سجدوا له وقالوا: هذا إلهك يا إسرائيل الذي أخرجك من أرض مصر. وربّما هذه آلهتك. أجل، ترك الشعب الربّ الواحد، والتحقوا بالآلهة الوثنيّة.

لا شكّ بوجود أكثر من إله يدلّ على أنّنا أمام الآلهة الكاذبة. إذا كانت الأرض واحدة، فالإله لا يمكن إلاّ أن يكون إلهًا واحدًا. وإذا كانت البشريّة واحدة، فلا يمكن أن يكون الإله إلاّ واحدًا. ولكن عندما تكثر الآلهة، فهذا يعني أنّ هناك أكثر من بشريّة، وبالتالي تستطيع بشريّة أن تفني الأخرى. يصبح الغريب العدوّ، يصبح من ليس منّي ضدّي، يجب أن أقتله، أن أسلبه، أن أنهي حياته، أن أزيله من الوجود. ترك الشعب الربّ الواحد والتحقوا بالآلهة الوثنيّة.

3 - إله صنم وإله حيّ

فالإله عندما يكون صنمًا لا يُخيفنا. نجعله في جيبنا، نحرّكه كما نشاء. يصبح الصنم آلة في أيدينا، فنستطيع به أن نفعل أفعال سحر. أمّا الإله الحقيقيّ فليس هو في خدمتنا، نحن في خدمته. وليس هو من يعبدنا، بل نحن من نعبده. ليس هو ذاك الذي نصنعه بيدينا. بل هو ذاك الذي يصنعنا بيديه. فنحن شعبه، غنمه، نحن شعب مرعاه، نحن غنم يقوده.

وسيكون لهم في أيّام هوشع النبيّ أن يسجدوا للإله الذي يعطيهم الخصب، خصب الأرض والمطر. ومارسوا مع هذه العبادة الوثنيّة البغاء المكرّس والزنى في ظلّ المعابد الكنعانيّة. هذا ما وصل إليه الشعب عندما عبد الآلهة الوثنيّة مع أنّ الربّ قال: »للربّ إلهك وحده تسجد« وإن سجدت لهذه الآلهة، تُعاقَب. فأنا إله غيور أعاقب ذنوب الآباء في الأبناء«.

جُرّب الشعب فسقط، وهكذا نسي الوصيّة: »لله وحده تسجد وإياه وحده تعبد«. والعبادة نوع من التكريس لله. حين نكرّس حياتنا لنصل إلى السلطة، لنصل إلى المال أو غيرها من الأمور، فنحن نعبد السلطة، نعبد المال. وحين نكرّس كلّ إمكاناتنا لنبحث عن المال، فنحن نعبد هذا المال. إنّه »مموّن«، كما قال يسوع، أي ما هو ثابت وأكيد، ما يمكن أن نستند إليه. ولكن يسوع قال: »ليس بكثرة المال حياة«.

ليس مموّن هو الإله، وعلى الإنسان أن يختار من يعبد: الإله أم المال، الله أو العظمة، الله أو السلطة، الله أو الجنس، الله أو الخطيئة، الله أو الذات. كم مرّة نعبد ذواتنا. أنختار الله أم الإنسان؟ نستند إلى الإنسان، نعبد الإنسان، نريد الخلاص من الإنسان. ولكن باطل بنو آدم. هم لا يستطيعون أن يخلّصوا نفوسهم، فكيف يخلّصوني أنالله وعندما نجعل ثقتنا في إنسان من الناس، نعتبر أنّه مخلّصنا. هذا يعني أنّه صار الله بالنسبة لنا.

4 - الإله الذي نعبد

إلهنا الذي نعبده نحن المسيحيّين هو الإله المثلّث الأقانيم. ليس ذلك الإله الصنم، ليس ذلك الإله الوحيد، المستبدّ من أعلى سمائه. الذي يضربنا بالقدر، يضربنا بالظلم، يضربنا بالمرض، يضربنا بالموت، كلاّ. إلهنا هو الإله المثلّث الأقانيم، هو عائلة، هو الإله الذي هو روح، هو أب وابن وروح قدس. ونحن في داخل هذه العائلة نعيش، تحيط بنا المحبّة، كما في عيلة تحيط الأُمُّ والأَبُ بالأولاد، أو كما السمكة في الماء تحيط بها المياه، أو الإنسان والحيوان في الهواء يحيط بهما الهواء ويعطيهما نسمة الحياة.

ونحن في هذه العائلة، عائلة أبناء الله، عائلة الثالوث الأقدس. الله هو ذلك الروح الذي لا نراه، ولكنّه يفعل فينا. هو الروح الذي يحوّل عبادتنا، يوصلها إلى كمالها. إلهنا نعبده بالروح والحقّ. إله بعيد إذا شئنا، وقال عنه العهد القديم: »لم يره أحد«. غير أنّ هذا الإله تجلّى في شخص يسوع المسيح. وبعد اليوم بدأ تعرّفُنا إلى ا؟ بواسطة يسوع المسيح. وبدأت عبادتنا وسجودنا لله مع يسوع المسيح.

نحن أبناء مع الابن، نحن كهنة مع الكاهن، نحن الوارثون مع الوارث الوحيد يسوع المسيح. كلّ ما لنا هو مشاركة مع ما ليسوع المسيح. فيسوع هو الربّ لمجد ا؟ الآب، لاسمه تسجد كلّ ركبة في السماء وعلى الأرض وفي الجحيم، أي سكّانُ السماء والأرض والموتى أنفسهم. وكلّ شفة تعلن المسيح.

أجل اليوم عبادتنا هي لله الآب، لله الابن الذي باسمه تجثو كلّ ركبة، وهي لله الروح القدس. ولكن هذه العبادة شكّكت اليهود. فالعبادة محفوظة لله »يهوه«، لله الواحد. نتذكّر، أحبّائي، أنّ اليهود وحدّوا الإله، عبدوا الإله الواحد: »اسمع يا إسرائيل، الربّ إلهنا هو الربّ الواحد«. تلك هي الصلاة التي يتلوها المؤمن ثلاث مرّات في النهار.

وحين فهم اليهود، أو ما أرادوا أن يفهموا أن يسوع هو مساوٍ للآب في الجوهر، أنّه يتمتّع باللاهوت، تشكّكوا من ذلك، وأرادوا أن يقتلوا ذاك المجدّف على ألوهيّة اللهوعلى قداسة الله. ولكنّ المسيح القائم من الموت هو موضوع العبادة والسجود.

5 - ألوهيّة الابن

هنا يختلف الشعب المسيحيّ عن الشعب اليهوديّ، لأنّ يسوع، هذا الذي سار على طرقات فلسطين، على طرقات الجليل والسامرة واليهوديّة، في أورشليم، في بيت لحم، في الناصرة، في كفرناحوم، في قانا، هذا الإنسان الذي رآه الناس، هذا الإنسان الذي سمعه الناس، هو في الوقت ذاته الله وابن الله.

ولهذا يقول متّى في ظهور التلاميذ بعد القيامة إنّهم سجدوا له. دعاهم يسوع، حدّد لهم مكانًا، فجاؤوا إليه. ويقول الإنجيل: »ولمّا رأوه سجدوا له«. هو الله. ويقول مار بولس في بداية الرسالة إلى رومة: »هذا الذي هو ابن داود بحسب الجسد هو أيضًا ابن الله، بقيامته من بين الأموات. هو الربّ«. ولا بدّ من الإيمان لكي نتعرّف إلى ابن الله. يروي متّى أيضًا أنّ قيامة يسوع شعر بها الجنود، فهربوا وأخبروا رؤساء اليهود. كانوا بعيدين كلّ البعد عن الرسل الذين كانوا بعيدين عن القبر، الذين جاؤوا إلى القبر. أمّا هم، هؤلاء الجنود، فكانوا قرب القبر ولكنّهم ابتعدوا عن القبر، كأنّهم لا يريدون أن يؤمنوا بقيامة يسوع المسيح.

هذا الإيمان هو الذي ساعد الرسل على التعرّف إلى ابن الله. والمشهد الرائع لمّا كان يسوع في السفينة وهاجت الريح وهاج البحر وارتفعت أمواجه. من الذي يسكّن الريح؟ الله. من الذي يهدّئ أمواج البحر؟ الله. وهذا ما فعله يسوع. قال للبحر: اسكت، اخرس، سكت البحر كما يسكت الإنسان، وخرس كما يخرس الروح الشرّير الخارج من إنسان من الناس. ولمّا رأى التلاميذ ما فعله يسوع فدلّ بفعلته على أنّه الربّ الإله، قال إنجيل متّى: »سجد له الذين كانوا في السفينة وقالوا: أنت ابن الله حقٌّا«. السجود هو لله وحده.

ونرى أيضًا مشهدًا آخر: هذا الأعمى منذ مولده، يحدّثنا عنه يوحنّا في إنجيله في الفصل 9. هذا الأعمى الذي طلب منه يسوع أن يغسل عينيه ببعض الوحل، ببعض التراب المبلول. أوّلاً رأى بعين الجسد، رأى يسوع ورأى الناس حوله بعد أن كان أعمى منذ مولده. ولم يكتف بهذه الرؤية الخارجيّة بل وصل إلى رؤية داخليّة، إلى رؤية الإيمان.

بعد أن رأى بعين الجسد ها هو يرى بعين الإيمان. قال له يسوع: »أتؤمن بابن الإنسان؟ أتؤمن بابن الله؟«. أجاب هذا الأعمى: »ومن هو يا سيّدي فأؤمن به؟«. فقال له يسوع: »قد رأيتَه وهو الذي يكلّمك«. قال: »لقد آمنتُ يا سيّدي«. وسجد له. نلاحظ هنا، أحبّائي، مسيرة هذا الأعمى الذي اكتشف في يسوع ذاك الذي هو من الله، لأنّ الله لا يسمع إلاّ للّذين يحفظون وصاياه. ثمّ اكتشف فيه ذلك النبيّ الذي يتكلّم باسم الله، الذي يفعل باسم الله. وفي النهاية اكتشف فيه ذاك الذي يأتي من عند الله. هو ابن الإنسان يعني من البشر. وهو ابن الله لأنّه أُرسِل من لدن الله. ولكي يدلّ على عمق إيمانه سجد له.

نعم، أحبّائي، في صلاتنا، في سجودنا في ركوعنا، في رفع أيدينا ندلّ على إيماننا بالربّ الإله. هذه الإشارة الخارجيّة تدلّ على إيماننا الداخليّ. لله وحده تسجد وإيّاه وحده تعبد. بإيماننا نتوجّه إلى الثالوث، إلى الله الآب الذي خلقنا، إلى الله الابن الذي خلّصنا، إلى الله الروح الذي قدّسنا. سجود أمام الآب، سجود أمام الابن الكلمة، سجود أمام الروح، روح القداسة. هو موقف داخليّ نعبّر عنه بكلّ كياننا: روحًا نفسًا وجسدًا. الإنسان كلّه هو أمام الربّ

6 - عبادة بالروح والحقّ

وعبادتنا نحن المسيحيّين لا تنحصر في مكان. كانوا يقولون: »الله حاضر في هيكل أورشليم«. ولكنّ السامريّين قالوا: »كلاّ بل هو على جبل جرّزيم«. واعتبر كلّ إنسان أنّ الله يحضر في هيكله ولا يحضر في الهياكل الأخرى. لهذا السبب سألت السامريّة يسوع: »أين نصلّي لله في أورشليم أم على هذا الجبل، جبل جرّزيم؟« قال يسوع: »لا في أورشليم، ولا على جبل جرّزيم فالعابدون الحقيقيّون يعبدون الله أينما يشاؤون«. هم يعبدونه بالروح والحقّ.

لهذا فعبادة تقوم في هيكل واحد محدّد، لا تعني الأرض كلّها. أمّا عبادتنا فتقوم في الهيكل الوحيد الذي يرضى به الله، الذي لم تبنه الأيدي. وهذا الهيكل هو جسد المسيح القائم من الموت. أجل، بعد أن دُمّر الهيكل الأورشليميّ سنة 70، وكان يرمز إلى حضور الله، لا هيكل بعده إلاّ جسد المسيح، الذي لا يرمز فقط إلى حضور الله، بل هو حضور الله على الأرض. ونحن الذين وُلدنا بالروح، بالمعموديّة وُلدنا من الروح، نضمّ سجودنا وعبادتنا إلى ما يُسرّ به الآب. عبادة الأبناء التي بها نعلن »أبّا« أيّها الآب. فيقول لنا الله كما قال لحبيبه في مشهد المعموديّة: »أنت ابني الحبيب، بك رضيتُ، بك سررت، أنت موضع فرحي وسروري«.

بدأتْ، أحبّائي، هذه العبادة تتوجّه إلى الإله الذي عرفه الشعب القديم. عبادة تنفي وجود كلّ تمثال، كلّ منحوت. كلّ صورة. ووصلت بنا إلى العهد الجديد، إلى إلهنا الذي هو ثالوث، الذي هو آب وابن وروح قدس. عبادتنا في النهاية تبدأ مع الابن لتصل إلى الآب. قال يسوع: »من رآني فقد رأى الآب«. ويمكن أن نقول: من قدّم العبادة للابن، للكلمة، يكون كمن يقدّمها لله الآب. »للربّ إلهك تسجد وإيّاه وحده تعبد«. نعم يا ربّ. لا إله لنا سواك، لا نعبد إلاّ أنت، ولا نريد إلاّ أن نحبّك. نحبّك بكلّ حياتنا، فأشعل قلبنا بنور حبّك، وعلّمنا ما هو الاحترام الحقيقيّ والسجود الحقيقيّ والعبادة الحقيقيّة التي تقدَّمُ لك وحدك، أنت أيّها الآب والابن والروح القدس. آمين.

 

Copyright © 2017 BOULOS FEGHALI. SITE by OSITCOM ltd
Webmaster by P. Michel Rouhana OAM