الفصل الرابع عشر: الروح وحياة المؤمن في الرسائل البولسية

الفصل الرابع عشر
الروح وحياة المؤمن في الرسائل البولسيّة

حين يُظهر الروح قدرةَ الكلمة، فهو يعمل لتكوين الجماعة التي تصبح عند ذاك الموقع الذي فيه يسكن الروح (1 كور 3: 6). كما يكشف المعنى الحقيقيّ للصليب. وهذا الروح عينه يوزّع مواهبه على كل أعضاء الجماعة، فيُسهم في بنائها في الوحدة.
ولكن الروح هو أيضًا قوّة الحياة المسيحيّة وقاعدتها. وهو يعمل في قلب المؤمن. وإن بولس الرسول يؤسّس اللاهوت الخلقيّ على الروح القدس. قيل: فمعجزة الروح هي تدفّق حياة جديدة وعمل جديد، هي مسيرة بحسب الروح (روم 8: 4- 9؛ غل 4: 16 ي). وقيل: كل حياة المسيحي من بدايتها إلى نهايتها هي عمل الروح وخلقه.
وهذا الدور الذي يلعبه الروح، يجنّب بولس نظرة أخلاقيّة سطحيّة، لأن لاهوته الخلقيّ يرتبط بخبرة فيها يقودنا الروح.
نتوقّف هنا عند نصين أساسيين: روم 8؛ غل 5.

1- حياة الروح (روم 8: 1- 17)
المؤمن يعيش تحت تأثير الروح. وجّلّي الروح يُعطى لكلّ مؤمن (1 كور 12: 7). وليس من أحد يُحرم من مواهب الروح. فيبقى عليه أن يستثمرها من جل بناء الجماعة. وحضور الروح هذا عظيم بحيث إن جسد المؤمنين هو "هيكل الروح القدس الذي فيكم" (1 كور 6: 19). الروح هو الذي يحرّك المسيحيّ. لهذا يدعوه الرسول أن يحقّق هويته.

أ- مقاربة أولى
يُذكر الروح 34 مرة في روم. 21 مرة في ف 8؛ 17 مرّة في المقطع الذي نقرأ الآن (8: 1- 17). يبدأ هذا المقطع بتأكيد عام حول الذين هم في المسيح. ويصل إلى تأكيد خاص (نحن). يتوقّف عند اعتبار سلبي (لا حكم) وإعلان إيجابيّ (نشاركه أيضًا في مجده). وفي النهاية ننتقل من الحالة الحاضرة إلى يقين اسكاتولوجيّ.
مع أن الروح يُذكر مرارًا في هذا المقطع، إلاّ أننا في العمق أمام نصّ كرستولوجيّ. فإن روم 7- 8 يشكّلان دبتيكا في درفتين: من جهة، دور الشريعة وعجز الانسان الذي تسيطر عليه الخطيئة. ومن جهة ثانية، دور الروح ومجد الانسان. أبرز ف 7 تبديل التدبير، وجعلَ الشريعة في مكانها. أما 8: 1 فتبدو بشكل فاتحة تتعارض تعارضًا جذريًا مع روم 7 (الآن). وهي أيضًا خاتمة لتوسّع بدأ في 7: 6، وتوضيح للشكر الذي نقرأه في 7: 25أ، وفيه يجمل بولس كلامه فيقول: "لا حكم بعد الآن على الذين هم في المسيح يسوع". وهكذا يكون 8: 1- 4 ملخّصًا لما في ف 7.
وتأتي آ 5- 8 في فكرة لاشخصيّة، فتقابل بين الذين هم بحسب الجسد (أو: البدن) والذين هم "بحسب الروح". وتشكّل آ 9- 11 نداء مباشرًا إلى القرّاء: "أما أنتم فلا تسلكون سبيل الجسد، بل سبيل الروح، لأن روح الله يسكن فيكم، ومن لا يكون له روح المسيح فما هو من المسيح". وتشير آ 12- 17 إلى ممارسة الرومان. تبدو آ 12- 13 نداء إلى حياة جديدة بالوضع الجديد. وتؤسّس آ 14- 16 هذا النداء. وتوضح آ 17 معنى العبارة التي قرأناها في آ 1: "في المسيح يسوع"

ب- روح الحياة
نحن هنا في تأكيد على شكل جديد من المعرفة مع "شريعة روح الحياة". تضمّنت آ 1- 4 إشارة كرستولوجية واضحة: في المسيح يسوع، الله أرسل ابنه. إذا عدنا إلى روم 7 نجد أن بولس يحدّد فكرته بالنسبة إلى الشريعة. "الشريعة مقدسة، والوصيّة مقدّسة وعادلة وصالحة" (7: 12). "الشريعة روحية، أما أنا فجسديّ، مباع للخطيئة" (7: 14). هذا ما يتيح لنا أن نفهم معنى "شريعة روح الحياة" في 8: 2. فالشريعة ليست في حدّ ذاتها خطيئة ولا ينبوع موت في ذاتها، ولكنها في خدمة الخطيئة والموت بالنظر إل الممارسة. وهذه الشريعة التي تسود عليها الخطيئة والموت (8: 2ب)، تقابلها شريعة أخرى وتنتصر عليها: "شريعة روح الحياة في المسيح يسوع". بالمسيح يتمّ ما لم تستطع الشريعة أن تحقّقه وهو قتل الخطيئة في البدن. لقد حصل الآن تحوّل جذريّ. بعد الآن، لم يعد بالامكان أن نتحدّث عن الروح دون العودة إلى هذا التدخّل الكرستولوجيّ. فالشريعة ترتبط بمضافين: شريعة روح الحياة. فالمضاف الثاني ينعت الأول ويتّحد به اتحادًا وثيقًا. وقوّة هذا الرباط تظهر بوضوح ولا سيّما حين نقابل هذه العبارة مع ما يعارضها. فالخطيئة والموت يرتبطان بالشريعة وينعتان الشريعة. ولكن منذ تدخّل يسوع المسيح الخلاصيّ، الحياة هي سمة من سمات الروح. كانت قوّة الخطيئة تمنع الشريعة من أن تلعب دورها الحقيقيّ فتحوّلها من قوّة حياة إلى قوّة موت. أما قوّة الروح التي هي ينبوع حياة في يسوع المسيح، فقد جعلت من الشريعة قوّة تحرير. هكذا نفهم فهمًا أفضل لماذا يعارض بولس في 7: 6 جدّة الروح وعتق الحرف، لا جدّة الروح وعتق الشريعة.
في نظام الروح الذي دشّنه يسوع المسيح، نالت الشريعة وضعًا جديدًا. وهكذا ظهر تواصلُ عمل الله، لأن ذات اللفظة (نوموس، الشريعة) استُعملت في نظامين متعارضين. وهكذا يتأكّد أيضًا عدم امكانيّة الشريعة بأن تغلب الخطيئة والموت. ولكن منذ موت المسيح، بدا الروح كقوّة حياة. عندئذ تستطيع الشريعة أن تستعيد المعنى الايجابي، شرط أن لا تنفصل عن قوّة الروح المحرّرة في المسيح. فالشريعة التي هي روحيّة في أصلها (روم 7: 14)، قد حصلت على مدى تمارَس فيه.
بفضل إرسال الابن بيد الآب وعمله، تم تبدّل جذري في الشريعة، فكتب أحدهم عن 8: 2: التعارض بين شريعة وشريعة ينعكس في تعارض بين الله والله في صليب المسيح وقيامته (روم 2: 12- 13). ويشهد ف 7 بوضوح أن الشريعة هي مبدأ خارجيّ في الانسان (7: 7). أما شريعة روح الحياة فهي مبدأ داخليّ. تأتي الجدّة من عمل الله تجاه أخصّائه وطريقة المعرفة التي نجدها هنا. فالذي يُنعشه الروح يتكيّف وشريعة الله.
في روم 8: 1- 4، يبدو الروح قوّة تتيح للشريعة أن تلعب دورها المحرّر. وهذه القوّة هو ينبوع حياة. غير أنها لا تفعل إلاّ في إرسال الابن. إن "روح المسيح" يُبرز الاساس الكرستولوجي للينفماتولوجيا البولسيّة. فروح المسيح هو روح الله الذي لا ينفصل عن حدث يسوع المسيح (آ 3، 11). ولكنه أيضًا الروح الذي يتيح لنا أن نتعرّف إلى الذين ينتمون إلى المسيح أو يخصّونه (1 كور 12: 3). وهو أيضًا تجلّي حضور القائم من الموت في المؤمن (آ 10). لا ترد عبارة "روح المسيح" مرارًا. إنما استعملها بولس لكي يشدّد على الرباط بين الروح وموت المسيح. والتذكير بهذا الرباط في قلب تفكير حول الحياة المسيحيّة، يجنّبنا كل تفسير خاطئ حول الروح. فالروح يجعلنا نمرّ في مسيرة المسيح (آ 9- 11). نحن نختبر المسيح بقوّة الروح. غير أن لا معنى للروح إلاّ في ارتباطه بالمسيح.

ج- البدن والروح
ونصل إلى الحياة المسيحيّة التي هي حياة في تأثير الروح. ونتوقّف عند البدن (أي اللحم والدم. ساركس وما فيها من ضعف) والروح. في روم 8: 2، تعارضَ الروح والخطيئة كقوّتين متنافرتين. وفي آ 4ب و5- 8 نجد تعارضًا بين البدن (ساركس) والروح (بنفما). وهذا التعارض يتواصل حتى آ 12- 13: نسير حسب البدن، حسب الروح. نكون حسب البدن، حسب الروح. في آ 8، 9 نجد: نكون في البدن، نكون في الروح. وفي آ 12- 13 يتواصل التعارض بين البدن والروح بشكل آخر، حين يوجّه بولس نداء إلى قرّائه حيث نرى الروح كموهبة لا كمقولة انتروبولوجيّة.
أولاً: الروح ينبوع ديناميّة
هناك "سار" و"كان" و"حسب" و"في". ففعل "سار" يبرز مجهود الانسان أو بالأحرى تصرّفه جوابًا على وضع جديد. و"البدن" (ساركس) يشير إلى مسؤوليّة الانسان أكثر مما تفعل الخطيئة. وهكذا يُدعى الانسان ليتجاوب مع قوّة جديدة تحرّكه. ويشدّد فعل "كان" على وضع خُلق منذ الآن. تدلّ الأداة "حسب" (كاتا) في خيار جذريّ، على التوجّه الاساسيّ للعمل. هي تعبّر في ديناميّة كما في روم 8: 4 حيث التبرير يعرف ملئه. وتبرز هذه الديناميّة، ديناميّة عمل الروح أيضًا، في غل 3: 3 (أتنتهون بالجسد بعدما بدأتم بالروح). عند ذاك يوبّخ بولس الغلاطيين لأنهم لم يتركوا الله يقودهم إلى الكمال، إلى النهاية. فمن سار بحسب البدن، بحسب اللحم والدم، استسلم إلى قواه الخاصّة. ومن سار بحسب الروح، قاده الله.
أما حرف الجرّ في (إن) فيدلّ على مجال فيه يمارس الروح (أو البدن) عمله. والعبارة المكوّنة مع "في" لا تدلّ بشكل خاصّ على الديناميّة، على القوّة التي تقود إلى الكمال. وعبارة "في البدن" (غل 2: 20) تدلّ حينئذ على حالة موقتة. و"الخطيئة" (هامرتيا) هي قوّة خارجة عن الانسان وتمارَس على حسابه. أما البدن (ساركس) فهو في ذاته قوّة خاصّة في الانسان، تدلّ على ضعفه. كما أنه يدلّ مرارًا على الانسان المسلّم إلى الخطيئة (هامرتيا). عند ذاك يُفهم "البدن" في معنى الخطيئة. ولكنه يعبّر تعبيرًا أفضل عن مسؤوليّة الانسان وباطنيّته. أما الخطيئة فتشدّد على عمل قوّة خارجيّة. عند ذاك يكون البدن الانسانَ الذي يعارض الله ويحتفظ مع ذلك بامكانيّة تحطيم هذه القيود التي تسجنه. البدن يعني الانسان المسلّم إلى ذاته والخاضع للخطيئة. والروح هو القوّة التي تفتح الانسان على الله، التي هي في داخله بحيث لا تحسب "شيئًا" منفصلاً عنه. في هذا التعارض بين البدن والروح، نجد الدور الأساسيّ المعطى ليسوع المسيح.
انطلاقًا من هذا الواقع، تبرّر آ 5 ما قيل من قبل بشكل ديناميكيّ. وتبدو آ 6 بدورها شرحًا للآية السابقة، فتذكّرنا باتجاه البدن والروح: من جهة موت. ومن جهة أخرى حياة وسلام. وكل ما قيل في آ 7- 8 حول "الاهتمام بالبدن" ينطبق بشكل إيجابيّ على "الاهتمام بالروح". إن المسيحيين في رومة يحرّكهم الروح. هم يعيشون في مساحة تمارَس فيها قوّةُ الروح. وبرّر بولس مقاله: "لأن روح الله يسكن فيكم" (آ 9ب). وهذا التماهي بين روم 8: 9ب و1 كور 3: 16 يجعل هيكل الله في خلفيّة هذا الكلام. في روم 7: 17، 20، استعمل بولس فعل "سكن" (أقام) ليدلّ على حضور الخطيئة (الخطيئة التي تسكن فيّ). ففي "امتلاك" الانسان نجد قوّتين تعملان: الخطيئة والروح. وروح الله هذا (آ 9ج) هو "روح المسيح". وتأتي ثلاث شرطيات واقعيّة فتستخلص النتائج من حضور الروح هذا مستعملة ثلاث عبارات مختلفة (إذا كان المسيح فيكم، إذا كان روح الله...). ويحدّد بولس موقعه هنا على مستوى شخصيّ، ويستنتج ما يجب أن يستنتج من أجل المؤمن.
ثانيًا: سكن الروح في المؤمن
مع سكن الروح في المؤمن نتوقّف عند حياة المؤمن في الروح. هناك عبارات تبدو للوهلة الأولى متناقضة: أنتم في الروح... روح الله يسكن فيكم. ونستخلص من آ 9: "إن كان لأحد روح المسيح فهو يخصّه". يشدّد بولس على امتلاك المؤمن للروح. والمفارقة واضحة. فالمؤمنون هم في الروح. والروح يسكن فيهم. المؤمنون لهم روح المسيح وهم يخصّون المسيح. هكذا عبّر بولس عن باطنيّة عمل الروح الذي لا "يتعدّى" على عمل الانسان. كما أعلن أن الانسان يتحرّك كله بفعل الروح دون أن يمسّ مسؤوليّة الانسان. وهكذا يُبرز الرسول المسافة بين الروح والمسيحيّ لأن على المسيحيّ أن يترك الروح يقوده (روم 8: 11، 14؛ غل 5: 16، 18؛ 5: 25).
"المسيح فيكم" عبارة تذكّرنا بحضور المسيح بواسطة روحه الذي يسكن فيكم. وفي الوقت عينه يشدّد بولس على واقعيّة اتّحاد المسيحيين بالمسيح (1 كور 6: 12- 20). في آ 10، يتوازى الروح (بنفما) مع "الجسد" (سوما). وهذا ما يدهشنا. لماذا جعل بولس "الجسد" (سوما) بدل "البدن" (ساركس)؟ وهل للروح سمة أنتروبولوجيّة أو لاهوتيّة؟ وهل من علاقة بين الروح والبرّ؟
إن بولس يتطلّع الآن إلى واقع المسيحيين، لا من زاوية سلطة الخطيئة بواسطة البدن، بل من زاوية ما يحصل للمسيحي. فما زال الجسد يتحمّل نتائج الخطيئة. غير أن المسيحيّ الموجَّه إلى الخطيئة لا يلفت بعد انتباهَ بولس (روم 8: 3- 4، 9)، حتى إن وعى أن طبيعته المائتة لم تزُل لأنه صار "في الروح". لهذا عاد بولس إلى الجسد (سوما) لأنه لفظة حياديّة.
والموازاة مع "الجسد" (سوما) يعطي "الروح" (بنفما) سمة أنتروبولوجيّة. ليس روح الله روحًا في موازاة روح الانسان، إنه في روح الانسان. وإذ هو يقيم في المسيحيين يمنحهم الحياة في القيامة.
نقرأ في آ 10: "الروح حياة لأجل البرّ". أو بالأحرى: بسبب البرّ. فالوجود المسيحيّ الذي ذكر بولس أساسه في آ 3- 4، وطرق ممارسته، يفتحنا على النعمة بفضل برّ الله الخلاصيّ. فالله نفسه يُتمّ بقدرة الروح، البرَّ الذي يفرضه الناموس. فالمؤمن لا يسلّم إلى قواه الخاصّة، بل هناك من يعطيه امكانيّة تحقيق ما يطلبه الناموس، دون أن ينزع منه مسؤوليّته. وهكذا نتذكّر أن البرّ عطيّة تتجلّى في موت المسيح وقيامته.
وتؤكّد شرطيّة آ 11 (إذا كان روح الله... ليكن فيكم) مبدأ يجب أن نستخلص منه كل نتائجه. فالآب هو في أصل كل عمل القيامة. غير أن ما حصل ليسوع يشكّل للمسيحيّ تأكيدًا على قيامته. فعمل الآب تجاه يسوع يعرّفنا بعمل الروح نفسه. فالله يُتمّ عمل القيامة بروحه الذي هو واقع حيّ للمؤمنين. وفي ما يخصّ قيامة يسوع، يبدو عمل الله مباشرًا: يمارَس بالنسبة إلى المسيحيين "بروحه الذي يسكن فيكم". فالروح ليس قوّة تمارَس فيما بعد بشكل خارجيّ (من الخارج). فالله يسكن منذ الآن بروحه في المؤمنين. وفي 2 كور 4: 14، ارتبطت أيضًا قيامة يسوع وقيامة المسيحيين ارتباطًا مباشرًا بالله. إن قيامة المؤمنين نُسبت في روم 8: 11 إلى روح الله. وفي 1 كور 6: 14 إلى قدرة الله. في الحالة الأولى، نشدّد على باطنيّة عمل الروح. إن امتلاك الروح يحقّق انتماء المسيحيّ إلى المسيح. فالروح هو حياة للمؤمن، وحضوره يؤكّد للمسيحي عمل الله تجاهه في القيامة. الروح يحقّق اليوم التبرير للمسيحي. إنه له حياة وسلام.

2- أعمال البدن وثمرة الروح (غل 5: 16- 25)
ويلعب التعارض أيضًا بين البدن والروح دورًا هامًا في غل 5: 16- 25. فيه يعدّد بولس النتائج الملموسة لعمل البدن ويعطي لائحة تصرّفات تتمّ تحت نظر الروح. في هذا المقطع، ترد لفظة "بنفما" سبع مرات. كما نجد علاقة تناقضيّة بين الروح والبدن. في آ 16 (في الروح، في البدن) وآ 17 (ما يناقض الروح ويناقض البدن).

أ- البنية الأدبيّة
آ 16- أقول لكم (مقدّمة احتفاليّة)
16- للغلاطيين: سيروا بدفع الروح
17- تعارض جذري بين البدن والروح (لا شخصيّ) + نتائج للغلاطيين.
18- الروح والشريعة
19- 21 أ- أعمال البدن (اللحم والدم)
21 ب- تأكيد وتحذير جذريّ (لا يرثون ملكوت الله)
22- 23أ- ثمرة الروح (المحبّة)
23 ب- ما من شريعة ضد هؤلاء (الذين يسلكون في الروح)
24- تدمير البدن (لا شخصيّ)
25- لجميع المسيحيين. نتصرّف في وفاق مع الروح.

ب- شروط الدخول في الملكوت
في قلب هذه القطعة (آ 16- 25) يأتي تأكيد احتفالّي لبولس فيذكّرنا بأحد أقواله: "الذين يعملون هذه الأعمال لا يرثون ملكوت الله". وتعداد أعمال البدن (في تعارض مع ثمرة الروح) يقود الرسول إلى هذا الاعلان. أما ثمرة الروح فتفتح على مسيرات الملكوت. في غل 3 ارتبط موضوع الميراث بموضوع الوعد. وجّاه أعمال البدن المتعدّدة (آ 19)، نجد "ثمرة الروح". الاعمال للبدن. للحم والدم. هي عمل الانسان الذي يريد أن يحقّق ما يعرضه الناموس، فيفشل لأن البدن يخطفه لضغط لا يقاوَم. هذه الأعمال المعروفة والظاهرة هي التي يفتخر بها المختون الخاضع للناموس (غل 6: 12). أما ثمرة الروح فواحدة، فتدلّ على الوحدة في المسيحيّ وفي الجماعة. والعامل في هذه الوحدة هو الروح. وهذه الثمرة الواحدة (= المحبّة) هي ينبوع سائر الثمار. يجب على المحبّة أن تكون في قلب "الثمار" (أو: الظواهر) الأخرى.
حين تقبّل الغلاطيّون الروح، تقبّلوا بذار حياة متناسقة دُعوا لكي يحقّقوها. وعطيّة الروح لا تنفصل عمّا يجعل فينا من ثمر. فالوحدة والتناسق تميّزان حياة يحرّكها الروح. ثلاث مجموعات من الثمر، وكل مجموعة في ثلاث: المحبّة والفرح والسلام. الصبر واللطف والصلاح. الأمانة والوداعة والعفاف.

ج- تعارض بين البدن والروح
نحن هنا أمام ولادة وضع جديد. إن آ 16- 17 وآ 24- 25 تحيط بنواة مركزيّة (آ 19- 23أ) فتبرر التعارض بين البدن (ساركس) والروح (بنفما) (آ 16- 17) وهزيمة البدن. يبدأ النصّ بنداء يتوجّه إلى الغلاطيين (أسلكوا في الروح)، وينتهي بنداء يتوجّه إلى مجمل الجماعة المسيحيّة (علينا أن نسلك).
في آ 16أ، يُرى هذا السلوك "بدفع الروح" كضرورة للافلات من رغبة البدن. وآ 25ب تعتبر الوضع جديدًا لأن "الذين هم للمسيح يسوع صلبوا البدن بما فيه من أهواء وشهوات". لسنا هنا بشكل مباشر أمام المعموديّة، بل أمام خضوع للمسيح في مجمل الحياة منذ الكرازة الأولى (غل 2: 19).
تشدّد آ 16- 17 على التوّتر والانشداد. فالمؤمن يبدو في نظر بولس موضعَ صراع بين قوّتين متعارضتين. فهو في ذاته لا يستطيع أن يحقّق ما يريد. وهذا التناقض بين الروح والبدن يتضمّن نتائج سلبيّة بالنسبة إلى المؤمن: خضع للبدن وقد يُشجب بسبب هذا الخضوع. ولكن الوضع مختلف كليًا بالنسبة إلى الذين يقودهم الروح. وتشدّد آ 24- 25 على الوضع الجديد للذين هم للمسيح. أبرزت آ 16- 17 استمراريّة التوتّر ساعة لا يفعل الروح فعله. وحضّت آ 24- 25 على مهمّة ممكنة بل طبيعيّة: يكفي أن نحيا بالروح. وهذا ممكن بعد أن صُلب البدن مع أهوائه وشهواته.

 

Copyright © 2017 BOULOS FEGHALI. SITE by OSITCOM ltd
Webmaster by P. Michel Rouhana OAM