أحمدك يارب في الشعوب مزمور:57

 

أحمدك يارب في الشعوب

مزمور57

أحبّائي، هذا المزمور مز 57، هو في البداية توسّل المؤمن في ضيقه، وفي النهاية نشيد حمدٍ وشكر للربّ الذي عاقب الآخرين وخلّص صفيّه. ونحن نقرأه مرّة ثانية: تحنّن يا الله تحنّن... أحمدك في الشعوب يا ربّ، وأرتّل لك في الأمم، عظمتْ إلى السماوات رحمتك وإلى الغيوم أمانتك. ارتفعْ على السماوات يا الله وليكن مجدك على كلّ الأرض.

هذا المزمور، أحبّائي، يمكن أن نقسمه قسمين: القسم الأوّل هو صرخة المرتّل من آية 2 إلى آية 5، مع الكلام عن الأسنان والألسنة (وألسنتهم حراب مسنونة). هي صرخة يطلقها المرتّل إلى الربّ الإله، العليّ في أورشليم. نلاحظ هنا في الآية 3: يتوجّه إلى الله العليّ.

1 - الله المحامي والرحيم

كان الله العليّ يُعتَبر مقيمًا في أورشليم. نتذكّر هنا ملكيصادق، ملك شاليم التي ستكون فيما بعد أورشليم: كيف استقبل إبراهيم (تك 14) وقال له: »تبارك إبراهيم من الله العليّ«. الله العليّ هو فوق جميع الآلهة وهم في المكان الأدنى. هذه الفكرة سبقت إعلان الإله الواحد تجاه الأصنام. أمّا في ذلك الوقت فالربّ الإله هو فوق سائر الآلهة التي يعبدها الشعوب المجاورون. »إلى الله العليّ أصرخ«. هو الصراخ. نلاحظ أنّ هذا الصراخ لم يكن في بداية المزمور. عادة يبدأ المزمور: »إليك أصرخ يا ربّ«، »إليك أتوسّل«، »أَصغِ إلى صلاتي...«. فالمرتّل بدأ واختبأ تحت جناحي الربّ، وعند ذلك صرخ، صرخ بعد أن وجد الحماية. ونتذكّر النشيد، المزمور الرائع، حيث يشبّه المؤمن نفسه بطير يطلب اللجوء، يطلب الحماية إلى الهيكل. الطير يطلب أن يحتمي في الهيكل، فماذا يكون من الإنسان؟

وهذا المرتّل، بدأ فاحتمى، بدأ فوجد الحماية. عندئذ استطاع أن يصرخ، فكان صراخه هذا صلاة، لا صراخ اليأس، بل صراخ الفرح: لأنّه نجّاني من الأخطار. لهذا تتابع الآية 3: »إلى الله المفضل عليّ«. يعني الذي له فضل عليّ، الذي باركني ملء بركاته.

وماذا يفعل الله؟ يرسل من السماء ويخلّصني، ويعيّر الذين يعادونني. اللهيرسل رحمته وحقّه. هذه هي الآية 4 من المزمور 57. يرسل من السماء ويخلّصني. ليس الله ذاك البعيد، هو قريب منّا. يرسل ملاكه، أو يرسل من يرسل، ليحمل إليّ الخلاص. فهذا الخلاص الذي أستفيد منه، هو في النهاية خلاص الربّ. العطاء الذي يصل إليّ من البشر، هو في النهاية عطاء من عند الله. »يرسل من السماء ويخلّصني«: يرسل من السماء شخصًا يخلّصني باسمه. »ويعيّر الذين يعادونني«. أو ليملأهم بالعار، ليسلّمهم إلى العار. هم عادونني وانتظروا أن ينتصروا عليّ. في النهاية لم ينتصروا. انهزموا فلحقهم العار، لحقهم التعيير.

»الله يرسل رحمته وحقّه« (آية 4): يرسل من السماء ويخلّصني. والمزمور يقول لنا ماذا يرسل الله: يرسل رحمته، يرسل حقّه. أو بالأحرى هو الإله الرحيم يأتي إليّ، هو الإله الحقّ، هو الإله الأمين يأتي إليّ. لا يحمل إليّ غضبه، كلاّ ثمّ كلاّ. لا يحمل إليّ عقابه، كما كان يخاف الناس من الآلهة الصامتة، من آلهة الحجر والخشب، كلاّ. الله يأتي إليّ كذاك الرحيم الذي يريد أن يرحم، كذاك الآب الذي يريد أن يحبّ، كذاك الغفور الذي يريد أن يغفر وأن يطلق الإنسان في طريق جديدة.

الله يرسل رحمته وحقّه: هو الإله الحقّ، هو الإله الذي لا يكذب، هو الحقّ اليوم وغدًا وفي كلّ يوم. هو الإله الأمين الذي يحافظ على كلّ الذين يلتجئون إليه، حتّى وإن كانوا بين الأعداء، بين الأسُود.

2 - سطوة العظماء

في نهاية هذه الصرخة، في آية 5، يصوّر المرتّل الحال التي يجد نفسه فيها. ماذا قال من كلمات؟ أوّلاً: »أعدائي لي«، ثمّ »أسُود«. الأعداء لفظ يبقى غامضًا، لا نعرف من هم هؤلاء الأعداء، ولكنّنا نفهم في الشطر الثاني من الآية 5: هم »أسود« يعني العظماء، الملك، الرئيس، الموظّف الكبير. هم أسود يمتلكون القوّة: ربّما قوّة البطش، قوّة المال، قوّة العظمة، قوّة الرجال. لكن في أيّ حال يُعتبرون »أسودًا«، لأنّهم يدوسون الناس بأرجلهم ولا من يسألهم. في أيّ حال، الوضع هو هو، والأمور لم تتبدّل كثيرًا حتّى في أيّامنا. هم يلتهمون البشر، يأكلون البشر. يعني يفترون عليهم، يقولون فيهم سوءًا. يأكلون حقّهم، يأكلون مالهم، يأكلون أولادهم ويأخذونهم عبيدًا. بل هم يأكلون الإنسان كلّه. يريدونه أن يكون لهم لا لغيرهم، وكأنّهم آلهة. لا، حياتي أنا ليست للبشر، ليست للعظماء. حياتي هي لله الذي لا يريد لي الموت بل الحياة، الذي يريدني أن أنمو بالقامة والحكمة والنعمة.

»كأسود تلتهم البشر«: العظماء يريدون أن يسيطروا على الصغار خصوصًا، ولاسيّما مع صورتين: »أسنانهم رماح وسهام«. نلاحظ هنا بعض المرّات في القتال كيف يعضّ الواحد الآخر. يَنشب أسنانه في لحمه. أمّا هؤلاء الأسود فأسنانهم، أنيابهم، هي رماح وسهام. هو القتل من بعيد، لا وجهًا لوجه. نلاحظ هنا غياب السيف وما يرافقه من سلاح نحارب فيه الآخر وجهًا لوجه، نكون بقربه وهو يكون بقربنا.

»أسنانهم رماح وسهام، وألسنتهم حراب مسنونة«، دائمًا هذه الصورة تدلّ على أنّ القتال يبدأ من بعيد. الأسنان والألسن: الأسنان من أجل عمل الشرّ من ضرب وجلد وأمور أخرى. والألسنة من أجل الافتراء والنميمة والكلام القاسي على ذاك الإنسان.

3 - ظلّ الله

ذاك كان جزءًا من المزمور 57 الذي هو حمدٌ وشكرٌ للربّ، الذي حمى المؤمن في وقت الضيق: بدأ بطلب التحنّن وانتهى بصورة معتمة سوداء، عن الإنسان الذي يقع بين الأعداء فلا يطلب النعمة والحماية والخلاص إلاّ من عند ا؟. كانت تلك الصرخة التي أطلقها المرتّل إلى الربّ الإله، العليّ، المقيم في أورشليم.

نتذكّر هنا، قبل الانتقال إلى جزء آخر، أنّنا في إطار الهيكل. فالهيكل يحمل ظلّ الله: الظلّ يعني حضور الله؛ عندما بشّر الملاك العذراء مريم، قال: »الروح القدس يحلّ عليك، يظلّلك«، يكون لك مثل الظلّ. والظلّ هو عبارة عن حضور الربّ. والمؤمن هنا هو في ظلّ الله، في حضرة الله في هيكل الله. إذًا لا يخاف. واللجوء إلى الهيكل أمر مهمّ جدٌّا فيعطي المؤمن الحياة.

في هذا الجزء، كما قلنا، نشيد الحمد والشكر. مع البداية التي توسّعنا فيها (في الحلقة السابقة): »ارتفع على السماوات يا الله، وليكن مجدك على كلّ الأرض«. يعني لمّا بدأوا ببناء برج بابل، أرادوا أن يصلوا إلى السماوات ليحاربوا الله من هناك في عقر داره. أمّا هنا فننشد: »ارتفع على السماوات يا الله، وليكن مجدك على كلّ الأرض«: هو فوق في السماوات وسماء السماوات، ولا تطاله يد إنسان.

4 - القلب المستعدّ

آية 7: »نصبوا شركًا لخطواتي، فخٌّا للقضاء عليّ«. إذًا محاولتان: الشرك، الفخّ. هي صور من عالم الوحوش، من عالم الحيوانات المفترسة: نمسكها بالشرك، نمسكها بالفخّ. لا نريد أن نمسكها بالكلام الحلو، بالتواضع، بالحنان، بالمحبّة والرحمة. »نصبوا شركًا لخطواتي، فخٌّا للقضاء عليّ، وحفروا في طريقي حفرة، لكنّهم سقطوا فيها« هنا الشرك للخطوات تعود على الذي وضعها، والحفرة هم يسقطون فيها، لماذا؟ لأنّهم أعموا عيونهم، أعموا قلوبهم، هم لا يريدون أن يروا: تركوا الربّ فما عادوا يرون الأمور بمنظار الربّ.

ويبدأ النشيد الهادئ، العميق: »قلبي ثابت«، قلبي مستعدّ في الإيمان، قلبي مستعدّ يا الله. سواء استعدّ هذا المؤمن ليقدّم الذبيحة اللازمة، سواء لبث ثابتًا في إيمانه رغم الوحوش المفترسة الذين يريدون أن يأكلوه، أن يلتهموه. قلبه ثابت في الإيمان، قلبه ثابت. لهذا أعبّر عن هذا الثبات، عن هذا الاستعداد عندما أنشد، عندما أرتّل.

لا شكّ في أنّ إنسانًا عاطلاً عن العمل، لا يجد ما يأكل، فيكادُ يوجد على الأرض، كأنّه لا شيء. هل يستطيع أن ينشد ويرتّل لله؟ كلاّ. قلبه أسود، معتّم. أمّا الإنسان الذي وجد الحماية في أجنحة الله، فيستطيع أن ينشد وأن يرتّل لله. ولكنّ فمه لا يكفي، لسانه لا يكفي، بل يداه لا تكفيان للتصفيق، ورجلاه لا تكفيان للرقص، لهذا يدعو. أقول: »أفيقي يا نفسي، طلع الصباح«. قومي، أصغي إلى الصلاة. ثمّ يطلب العوُد، يطلب الكنّارة، لأنّه يريد أن يوقظ السحر. كأنّ السحر ما زال نائمًا، وهو الآن يوقظه.

»أفق يا عود ويا كنّارة«. هما يساعدان هذا المؤمن على الصلاة. لا نستطيع أن نرفض العود أو الكنّارة في كلّ نشيد صغير أو كبير، ولأنّ هناك تقاليد في الكنائس المتعدّدة. ولكنّ آلات الموسيقى كانت مهمّة جدٌّا في الهيكل، وكانت الفرق الموسيقيّة التي ترافق الذبائح، حاضرة في الأعياد.

»أفق يا عود ويا كنّارة، لأوقظ السحر«: تعال معي يا ربّ، كن بقربي، أسند صوتي، أسند كلامي.

»أحمدك في الشعوب يا ربّ، وأرتّل لك في الأمم«. وترتيل المرتّل، حمد المرتّل، لا ينحصر في الهيكل، لا ينحصر في أورشليم، لا ينحصر في شعب الله، لا ينحصر حتّى في فلسطين. حمد الربّ يصل إلى جميع الشعوب. ترتيل التقيّ يصل إلى كلّ الأمم التي تؤمن بالله والتي لا تؤمن بالله.

فكما أنّ المؤمن يحمل دائمًا نشيد الخليقة كلّها، أما يستطيع أن يحمل نشيد الشعوب التي تبحث عن الله؟ نشيد الأمم التي تحاول أن تتقرّب من أورشليم؟ يدعوهم إشعيا النبيّ (في الفصل 2): شعوب كثيرة يصعدون إلى أورشليم، شعوب كثيرة يصعدون إلى الهيكل، والربّ يستقبلهم جميعًا. حينئذ شعب الله وسائر الشعوب يفهمون كم هي عظيمة رحمة الله، يفهمون كم هي مديدة أمانة الله، ويُنشدون كما ينشد الشعب العبرانيّ: »وينشدون معنا«، وكلّ واحد يمكن أن ينشد: »ارتفع على السماوات يا الله، وليكن مجدك على كلّ الأرض.«

انطلقْتَ من السماء في شخص ابنك يسوع، في شخص الابن الذي به خُلق كلّ شيء، ووصلت إلى الأرض، إلى ذاك الذي حين امتلأ الزمان وُلد من امرأة، وُلد تحت الناموس. ذاك الذي كان على صورتك يا الله، أخذ صورة العبد، وهكذا اجتمعت السماوات بالأرض، وأنشد الملائكة في عيد الميلاد: »المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام، والرجاء الصالح لبني البشر«. آمين.

 

Copyright © 2017 BOULOS FEGHALI. SITE by OSITCOM ltd
Webmaster by P. Michel Rouhana OAM