البحث

غلافات

  • Photo 1
  • Photo 2
  • Photo 3
  • Photo 4
  • Photo 5
الأناجيل الإزائية، متى - مرقس - لوقا (1994)


الفصل الثالث والعشرون"مسائل رعائية"

الفصل الثالث والعشرون
"مسائل رعائية"
حول الاناجيل الازائية
الآب بيتر حنّا مدروس

مقدمة:
الملحوظات الاتية غيض من فيض وهي مبنية على خبرة راعوية في الارض المقدسة والاردن ومصر وقبرص وامريكا الجنوبية، منذ سنة 1982.
الهدف الاساسي من التكريم لله ومن دراسة الكتب المقدسة هو بالتأكيد لا تقديس نفوس المكرّسين فحسب بل "لاجل الذين يقدّسون انفسهم في سبيلهم" على مثال السيد المسيح الكاهن والحَمَل (راجع يوحنا 17: 19- 20). ولقد قامت الرابطة الكاثوليكية للعمل الرسولي الكتابي بمحاولة رعائية لعرض العهد القديم للمؤمنين الناطقين بالضاد. ومّا هي في مؤتمرها الحالي تسعى لتقديم الاناجيل الازائية اي متّى ومرقس ولوقا معالِجةً قضايا الحياة الروحانية والرعاوية. وهذه الخطوة حميدة بغير شك لأنها تنقل جهود الرعاة والمعلمين الى الميدان الواقعي حيث يجد المؤمنون بعض الصعوبات التي قد تكون على الدارسين واللاهوتيين هيّنة. ولكن على الراعي ان يعتني بالخراف ويهتم لهمومها. وان لنا في السيد المسيح والرسل والتلاميذ الاطهار قدوة حسنة في الاستماع الى المعترضين والسائلين والمستفسرين والاستجابة الى اسئلتهم امّا عن طريق ردود ايجابية او عن طريق اسئلة يوجهها المعلم الالهي بدوره كما حدث عندما سأل سائليه: "من اين معمودية يوحنا؟ امن السماء ام من عند الناس؟" (متّى 21: 25).

أ- المسائل المتعلقة بالاناجيل الازائية بشكل عام:
تناولت الكتب العلمية التفسيرية الموضوع الرئيسي في هذا المضمار وهو: الحكمة من وجود اناجيل ثلاثة متشابهة ازائية وكيفية التنسيق بينها. ولكن يبدو على الصعيد الشعبي ان التساؤلات تدور حول التعددية في البشارة اي على وجود اناجيل اربعة وعلى اللغة اليونانية التي وصلت الينا بها. ولعل الاستفسارات ناتجة عن عيشنا في بيئة غير مسيحية تقرّ كتاباً واحداً "في لسان عربي مبين". امّا اعتراضات المجتمع العبري فتتركز على لغة "الاناجيل" اليونانية، اذ تعوّد العبرانيون المتشددون، من دهرهم، الا يقبلوا سوى العبرية (والارامية العبرية) "لساناً مقدساً ("لشون هقودش").
عليه تنشأ المسائل المبدئية الراعوية التالية:
1- لماذا هنالك عدّة "اناجيل"؟
والحق ان "الاناجيل" الثلاثة او الاربعة هي صيغ متنوعة للانجيل الواحد لأنها اي الاناجيل تحمل البشرى الواحدة في مجيء المخلص الرب وتأسيسه للكنيسة "نوراً للامم". ويجب عدّ الانجيليين (وسائر الرسل والتلاميذ الذين كتبوا "العهد الجديد" بالهام الله ووحي منه) شهوداً امناء ضحوا واستشهدوا في سبيل شهادتهم. وكلما كثر عدد الشهادات المطابقة كان الوضع أفضل من شهادة شاهد واحد.

2- لماذا كتبت الاناجيل في اللغة اليونانية؟
ثمّة استفسار حول "اختفاء" انجيل متّى الاصلي بالارامية. ففي العقلية الشعبية المتأثرة بالاديان الاخرى الموحدة لا يجدر بحرف من الكتب المقدسة "المنزلة" ان يضيع!
وينضم متّى اليوناني- وهو نقل للاصل الارامي وتكييف له- الى سائر الاناجيل ليطرح قضية اللغة اليونانية التي كانت اللغة الدولية منذ فتوحات الاسكندر بن فيليبس الثاني المقدوني. وهكذا يدرك المرء ان كتابة الاناجيل في اليونانية- كقولك الانكليزية في ايامنا- اتى نتيجة للعبقرية الالهية والنبوغ الانساني اللذين امكنا كلمة الله من الوصول الى كل الشعوب المعروفة آنذاك. وان في ذلك تجديداً كتابياً لمعجزة العنصرة.
ويمكن في هذا المقام ان يبيّن العلم ان لغة "العهد الجديد" اليونانية ذات طابع شرقي ساميّ آرامي عبريّ (مثل العبارة "بنو العرس" وغيرها)، وانها نقل لأفكار وعواطف كان التعبير الاصلي عنها في لغة ساميّة (راجع كتابات كلود تريمونتان).

3- لماذا لا تتميّز نصوص الاناجيل في العربية بالبيان والسجع؟
ينقسم المسيحيون هنا الى قسمين: احدهما يطلب بين صحيفات "العهد الجديد" ولا سيما الاناجيل اعجازاً لغوياً عربياً "غير ذي عوج"- كإثبات ان الكلمات ليست "من عند غير الله". وعند آخرين رد فعل على العقلية غير المسيحية المشيدة بسحر البيان القرآني. تقبل الفئة الثانية ان يكون كلام الاناجيل بسيطاً غير مزخرف لا بلاغة في نثره ولا طلاوة في لفظه ولا نظماً شعرياً في متنه. ومع ان "الترجمات" الحديثة اجتهدت في ان تولي اللغة العربية عناية كبيرة، الا انها لا تقدر ان تصل الى المحسنات اللفظية من بديع وعروض يجدها المرء في كتاب أصله عربي، والسبب ان الناقلين ملزمون بالتقيد بالاصل اليوناني.
وقد يثير أسلوب القديس مرقس الساذج الشعبي استفساراتٍ عند بعض القوم. فيعجب به قوم لأنه أصيل واقعي عاطفي لا يعرف لفاً ولا دوراناً، ويمتعظ منه نفر آخرون لأنه الى اللهجات العامية أقرب منه الى اللغة القوية السليمة (راجع أسلوب مرقس البسيط في إنجيله 5: 2- 5).
ردود سريعة:
- "الاناجيل" تحمل "إنجيلاً" واحداً أي بشارة سارة واحدة تتفق عليها من حيث الجوهر.
- رسالة المسيح وكنيسته موّجهة الى جميع الشعوب إذ امر الرب بتلمذتها وتعميدها جمعاء (متّى 19:28). على هذا الاساس كان لا بد من وصول كلمة الله التي هي كلمة الحق والخلاص الى جميع الشعوب (الاولى الى طيموثاوس 2: 4) كما ان لا مانع من نقلها اي "ترجمتها" الى لغات الشعوب الاخرى ولهجاتها.
- ليس الاعجاز اللغوي بحد ذاته دليلاً على الالهام ولا على الوحي بل على ملكة في اللسان وقدرة في البيان. الشأن كل الشأن للاعجاز العقيد والاخلاقي الذي تألفت به الاناجيل وسائر العهد الجديد.
- لا يفقد الكتّاب الملهمون والموحى إليهم شخصيتهم ولا أساليبهم في الكتابة. "فالأسلوب هو الانسان نفسه" (بيفون). اذا فقد الكاتب اسلوبه، فقد نفسه.
- هنالك واجب تفرضه النزاهة العلمية والادبية والاخلاقية. اذا انتقد بعض الناس أسلوب مرقس الركيك أحياناً فعليهم ان يثنوا على أسلوب الطبيب لوقا الفصيح الصحيح. ولعل مقدمة إنجيله أفصح جملة في "العهد الجديد" كله (لوقا 1: 1-4).
- من ناحية عملية رعائية، يُقترح اصدار "ترجمة" للعهد الجديد في لغتين أي الاصلية والعربية كي تطمئن قلوب "الحرفيين التنزيليين" الى ان الكنيسة والعلم ما تلاعبا بالنصوص الاصلية. امّا قضية رواج مثل تلك الطبعة فتبقى عالقة... على أي حال، سبقنا الاعاجم في طبعات "بين السطور Interlinear" للكتب المقدسة.
أكيد ان ثمة مسائل اخرى كثيرة يجدر التداول فيها. ولكن ضيق المقام والوقت يحتّم العبور الى تفاصيل المسائل الراعوية الناجمة عن قراءة الاناجيل الإزائية.
من ناحية المبدأ يلزم مؤتمر كامل لدراسة هذه المسائل، غير ان هذا العرض يقدّم رؤوس اقلام يرجى ان تصبح نقاط انطلاق لتفكير علمي رعائي رصين.

ب- تفاصيل حول بعض المسائل الراعوية المتعلقة بالاناجيل الإزائية
قبل الخوض في بعض تلك المسائل يُقترح- ويرجى- ان تصدر قريباً طبعة "راعوية" للعهد الجديد بحيث يكون النص الانجيلي الطاهر مطبوعاً في رأس الصفحات بأحرف كبيرة وتكون الحواشي في أسفلها، شريطة ان تأخذ الحواشي طابعاً رعائياً أي متجها لمعالجة المعضلات والتساؤلات اليه. وكان سيادة المطران سليم الصايغ النائب البطريركي اللاتيني في شرق الاردن قد اعرب عن امنية في رؤية مثل هذه الطبعة التفسيرية الراعوية.
والان ينتقل المرء الى بعض المسائل التي يطرحها المؤمنون لدى قراءتهم لمقاطع من الاناجيل الإزائية:

القسم الاول: من اناجيل الطفولة:
1- سؤالان حول سلالتي نَسَب يسوع في متّى ولوقا:
لماذا سلالتان لا واحدة؟ ولماذا لا تتفقان في كل الأسماء؟
قدّم الاب ماسون اطروحة دكتوراه في هذا الموضوع، في الجامعة الغريغورية في روما، في الثمانينات.

اجوبة سريعة:
- سلالة يسوع في متّى (1: 1-17) تنطلق من ابي المؤمنين إبراهيم، في حين ان سلالة يسوع في لوقا (23:3-38) تنطلق من يوسف خطيب سيدتنا مريم العذراء وتصل الى ابي البشرية "آدم".
- ترتيب انجيل متّى للأسماء اصطناعي، ممّا يفرض الغاء أسماء اجداد. ولكن هنالك حكمة في ذلك الترتيب: 3 سلاسل من 14 أسماً، لأن 14 هي ضعف 7 الرقم المثالي الكامل، او لأن أسم داود بكتابته العبرية (دود) يساوي حسابيا 14:
د= 4
و= 6
د= 6 = المجموع = 14.
ربّما وجد الإِنجيلي متّى داعياً لهذا الخيار (اي رقم 14) ان عدد الاجيال بين إبراهيم وداود كان اربعة عشر جيلاً (راجع اخبار الأيام الاول: من الفصل الاول الى الثاني: 1-15). فالتزم البشير بهذا الرقم. وحسب مريم ويسوع اسمين ليكمل العدد. (راجع لويس بيرو- البير كلامير، المجلد التاسع، ص 4).
- لا تخفى على من يقابل بين السلالتين ان للقديس يوسف لا اباً واحداً بل رجُلين ابوين. يفسر المؤرخ يوليوس الأفريقي (في القرن الثالث) ان يعقوب بن متان كان شقيق عالي الذي مات بغير نسل فتزوج شقيقه يعقوب ارملة اخيه عالي التي ولدت له يوسف خطيب العذراء. هكذا كان يوسف ابن عالي شرعاً وابن يعقوب بالولادة الطبيعية (راجع اوسابيوس، التاريخ الكنسي، المجلد الاول، القسم السابع، 10). هذا ما يدعى قانون السلف (بكسر السين). Leviratus ويبدو ان في حالة زوروبابل وضعاً مشابهاً: إنه ابن شألتيئيل حسب حجاي 1: 1 و 12 وعزرا 3: 2، ولكن حسب اخبار الايام الاول 3: 19 هو ابن فدايا ارملته وأنجبت له زوروبابل.
- تفاصيل سلالة يسوع في لوقا: راجع بيرو- كلامير، المجلد العاشر ص 60- 61.
- الجواب الشامل: ان الانجيليين لم يكونوا مؤرخين بالمعنى العصري للكلمة بل ارادوا ان يعطوا فكرة عن ارتباط يسوع بداود وإبراهيم وآدم كملك للبشرية جمعاء ومخلص وسيّد لها.

2- "السلام ايتها الممتلئة نعمة" (لوقا 1: 28)
انطلق بعض المفسّرين والناقلين من اليونانية "خايرة" (اصلا: افرحي، او: كوني جميلة) و "ترجموا": "افرحي ايتها الممتلئة نعمة..." ولكن يبدو ان الصيغة هنا هي مجرد تحيّة او كما نقول في لغاتنا السامية "سلام". ولا بد ان الاصل الأرامي هو "شلام" او "شلوم" حسب اللفظ السرياني الغربي. عليه يفضّل ابقاء الترجمة "السلام عليك..." مع تفسير اللفظة اليونانية...
- "الممتلئة نعمة" ترجمة مأخوذة من البشيطا (السريانية البسيطة). ويلحظ المؤمنون ان الطبعات البروتستنتية (واهمّها طبعة فاندييك) تنقل: "السلام ايتها المنعم عليها"...
الكلمة اليونانية "كخاريتموني" تدل على "اكتمال" النعمة او الحظوة. اي ان العمل تم (وربما بقي مستمراً). وتجدر هنا الترجمة "المتمم عليها الانعام" التي تم فيها الانعام "بالإنكليزية" Highly favoured one” أو “You, Favoured One” بامتياز جعل مريم "المنعم عليها" المطلقة.
هناك تلاعب في ترجمة "العالم الجديد" "لبدعة" شهود يهوه "حيث الترجمة الحرفية" Highly Favoured One "والترجمة الرسمية" favoured one” .

3- الفرق بين ردّي فعل زكريا والعذراء مريم عند البشارتين (لوقا 1: 20 و 34، ثم 45)
اذا سأل سائل: لماذا عوقب زكريا بالخرس على استفساره ولم تعاقب مريم مع انها استفسرت "كيف يكون هذا وأنا لا اعرف رجُلاً؟"
الجواب في قول الملاك لزكريا: "لأنك لم تصدّق كلامي الذي سيتم في اوانه"، وفي تهنئة اليصابات لمريم: "طوبى لك يا من آمنت بأن ما بلغها من عند الرب سيتم".

4- "من اين لي ان تأتيني امّ ربّي؟ " (لوقا 1: 43)
يجد بعض القوم صعوبة في العبارة "ام الرب" او "ام الله" (عودة الى ما قبل مجمع افسس!) ماذا كانت اليصابات تقصد؟ مجرد "سيّد" بين اسيادها ام سيّدها المطلق الرب الاله؟ كذلك في قول توما المنكر المؤمن: "ربّي والهي".
مريم العذراء ام الطبيعة البشرية في المسيح لا ام الطبيعة الالهية. مثل بسيط: يقال "ام الطبيب" وهي ربما لا تفقه شيئاً في الطب!
"ام الكاهن" ليست ام كهنوته بل هي ام الطفل الذي اصبح شاباً فكاهناً...

5- يوسف "زوج مريم"- "لا تخف ان تأخذ امرأتك مريم الى بيتك"
يصدم بعض المؤمنين نقل كلمتي "انير" (رجُل) بلفظة "زوج" و "جيني" (امرأة) بمعنى "زوجة" في حديث الإِنجيلي متّى عن القديس يوسف والسيدة العذراء (1: 19-10 و 24) ويتوهمون ان العبارتين تشيران الى الاتحاد الجسدي بين مريم ويوسف.
- يجب هنا ان نوضح ان الخطيب والخطيبة في العرف اليهودي كانا يُعدّان زوجين شرعاً (راجع شتراك- بيليربك، المجلد الاول، ص 45).
ويمكن الاستشهاد بممارسة "كتب الكتاب" عند المسلمين (تثنية الاشتراع 20: 7).
ومن الدلائل على عدّ الخطيبين زوجين:
- كانت الخطيبة الزانية الخائنة لخطيبها تعامل معاملة الزوجة الزانية.
- كانت الخطيبة الفاقدة لخطيبها تعدّ ارملة.
- كان لا يجوز تطليق الخطيبة- مثل الزوجة- الا بكتاب طلاق.
- كان الطفل المحبول به وقت الخطوبة يعدّ شرعياً.
انطلاقاً من هذه النقطة الرابعة كان الحمل بيسوع شرعياً وظل يوسف الصدّيق ستراً للبتول الوالدة وللطفل الالهي المولود.

6- "وتبتهج روحي بالله مخلّصي" (لوقا 1: 47)
"تستدل" بعض الطوائف من هذا القسم من نشيد مريم الخالد "تعظّم" انها ما كانت بريئة من الخطيئة الاصلية- ولا الفعلية! يقولون لك: "ها هي تعترف بأن الله خلصها!" ولكن هنالك نوعان من "الخلاص والنجاة": الخلاص من الخطيئة وسائر ضروب الشر بعد ان المّت بالانسان (مثل خلاص يسوع من الموت بعد وفاته، راجع الرسالة الى العبرانيين 7:5)، وهناك الخلاص بالوقاية أي قبل ان يتحقق الشر والخطيئة. ولنا في سيرة القديسة تيريزيا الصغيرة مثال على ذلك النوع من الخلاص بقولها: "ان الله في سبيلي ازال الحجارة اي العقبات".

7- "لأنه نظر الى امته الحقيرة" (لوقا 1: 48 أ)
لفظة "حقير، حقيرة" مثل "وضيع، وضيعة" في العربية تعني: خسيس دنيء. لذا يستحسن تغييرها.
يرى بعض المحللين ان الكلمة اليونانية "تبينوسيس" تعني: ذل Humiliation.
8- "ها منذ الان تطوّبني جميع الاجيال" (لوقا 1: 48 ب)
هذه الاية مفيدة جداً إذ تبتن نبوءة العذراء عليها السلام نفسها ورغبتها المتواضعة في ان "يطوّبها" الناس. فلا يكفي ان "يكرمها" البشر من بعيد لبعيد "رفعاً للعتاب" بل يجب ان يهنئها المسيحيون الحقيقيون. والتهنئة هي الصيغة العربية ل "طوبى" الارامية. تتم التهنئة في شكلين: امّا في صيغة الغائبة كقولك "طوبى لمريم البتول القديسة لأنها حملت الكلمة المتجسدة"، او في صيغة المخاطبة: "طوبى لك يا مريم البتول".

9- "ثم اومأوا الى ابيه (زكريا).. فطلب لوحاً وكتب..." (لوقا 1: 62-63)
يبدو ان الحالة التي تصفها لفظة "سيوبوس" اليونانية في لوقا 1: 20- في حديث الملاك مع زكريا هي الصم والبكم معاً.

10- "تسبق (يا يوحنّا) امام وجه الرب لتعدّ طرقه" (لوقا 1: 76)
فيسوع هو الرب. وليس فقط مجرد نبي عظيم، ومسيح منتظر.

11- "لم يعرف يوسف مريم الى ان ولدت ابنها البكر"
ملحوظة: الرد على معظم اعتراضات البدع وارد في مؤلفات منها: "الجواب من الكتاب" وملخّصه "من وحي الكتاب المقدس" للاب يعقوب حنّا سعادة بمشاركة الأب بيتر مدروس، وأيضاً كتاب "شهود يهوه في الميزان" للأب جبرائيل فرح البولسي، وكتيّب "الرد على الاعتراضات التي تمس بتولية العذراء مريم الدائمة" في سلسلة "الإيمان".
- يعترض بعض الناس- من اهل بدع او حتّى من كاثوليك غير مطلّعين على تفسيرات الكتب المقدس- ان المقصود من العبارة هو بدء العلاقات الجسدية بين مريم ويوسف بعد ولادة يسوع.
- تصدّى مار هيرونيمس في زمانه للمبدع "هلفيديوس" الذي اطلق تلك النظرية وأكّد العلامة القديم ان صيغة "حتّى، الى ان"- بالعبرية "عاد كي" لم يعد الغراب (غراب نوح!) "عاد دي"، باليونانية "هيوس هو"- "تخبر شيئاً عن الماضي بحيث لا تنبيء شيئاً عن المستقبل الذي لحقه" اي انها نقطة وصول لا نقطة انطلاق. واعطى القديس هيرونيمس امثلة من الكتاب المقدس تفيد ان "حتّى، الى ان" لا تفيدان الا عن الحالة التي سبقتها: امّا ما يلي فقد يتغير فيه الوضع او يبقى على ما كان عليه:
- "جعل الغراب يتردد الى ان جفّت المياه عن الارض" (تكوين 7:8)، فهل يعني هذا أنه عاد الى السفينة بعد الطوفان؟
- دعوة الرب الاله للمسيح رب داود ان "يجلس عن يمينه حتّى يجعل اعداءه موطئاً لقدميه" (مزمور 109 (110): 1) لا تفيد انه سيترك يمين الآب بعد ذلك.
- نقرأ ان "ميكال لم تلد لداود حتى ماتت" (2 صموئيل 23:6) فهل تعني العبارة انها انجبت بعد موتها؟- ما يريد الإِنجيلي تأكيده والتشديد عليه وراء عبارته "لم يعرفها الى ان ولدت ابنها..." هو عدم وجود علاقات جسدية بينهما- مع ان لا مانع مبدئياً منها.

12- "حتّى ولدت ابنها البكر..."
يستدل بعض القوم خطأ من لفظة "البكر" ان مولودين آخرين لمريم تبعوا يسوع. ولكن الكلمة "بكر" اي "الاول" تعني "الذي لا أحد قَبله" ولا تعني بالضرورة الذي تبعه آخرون.
- منذ عهد المسيح وجد قبر امرأة اسمها ارسينوي ماتت وهي "تضع ابنها البكر". قطعاً ما ولدت غيره بعده.
- لفظة "بكر" لا تفيد للاقدمية الزمنية بل تشير الى شرف ومكانة. يسوع هو "البكر" par excellence (راجع عبرانيين 1: 6).
- البكر او الاول يمكن ان يكون الاخير لكونه الوحيد.

جواب مبدئي شامل:
ان الاعتراضات على البتولية الدائمة لسيدتنا مريم العذراء تبقى سطحية ولا يجدر بها ان تمس كرامتها ولا ان تقلل من هيبتها. والحق ان بعض الطوائف تستغل تلك النصوص وتصوغ تلك الاعتراضات لا "قلقاً" منها على بتولية مريم او عدم بتوليتها بل كذريعة للتقليل من شأنها وللاستهانة بها ولتبرير عدم اكرامها وإغفال تطويبها وعدم التشفع بها. عليه يجب إيضاح ما يلي: ان البتولية الدائمة عند سيدتنا مريم العذراء إنعام ثانوي سني، لكن النعمة الكبرى هي امومتها الالهية للمسيح الرب المخلص. واذا رفض بعض القوم ان يكرموها كبتول فليكرموها كوالدة. وان عدّوا "عدم استمرارها" المزعوم في البتولية مانعاً يحول دون تكريمهم لها فعليهم الا يكرموا اياً من امهاتهم!

13- المسيح ابن الله (مرقس 1: 1)
يبدأ إنجيل مرقس بالاعلان ان يسوع هو المسيح "ابن الله". في العبارة صعوبة في بيئتنا بسبب سوء الفهم حول "ابّوة جسدية" لله (امّا مبدأ المورمونية الذي يدّعى المسيحية فهو يقبلها!)
- لا بد من إيضاح ان "ابن الله" تعني "كلمة الله" كما ورد في اول بشارة يوحنّا: "في البدء كان الكلمة... والكلمة صار جسداً ونصب خيمته بيننا" (1: 1 و 14). وقد يفيد القول ان "الكلمة" بنت الشفة وان السبيل يدعى "ابن السبيل" وان المصادر غير المسيحية نفسها تقرّ ان المسيح (كأنسان) هو رسول الله "وكلمته" القاها الى مريم وروح منه.
- يجب الحذر في الكلام- في كتب التربية المسيحية خصوصاً للصغار- اذ قد يخلطون بين "يسوع ابن الله" وبين "نحن ابناء الله". ربما يستحسن تأجيل هذه العبارات الى وقت لاحق يتم فيه التمييز بين البنوة بالطبيعة والبنوة بالتبني...

14- زيارة المجوس للطفل يسوع (متّى 2: 1-12)
ربّما لا تثير الاوساط الشعبية الشرقية، عادة، قضية تاريخية "اناجيل الطفولة". انكر بعض الاعاجم ذلك الطابع التاريخي في حين أكدّه غيرهم. (راجع "أضواء على اناجيل الطفولة- دراسة عن طفولة يسوع بحسب انجيلي متّى ولوقا" للكردينال جان دنييلو، النقل العربي على يد أ. فكتور شلحت، دار المشرق بيروت، ثم "دراسة في الانجيل كما رواه متّى "للأب أسطفان شربنتييه، نقله الى العربية الأب صبحي حموي، دار المشرق، بيروت، ص 24).

- جواب مبدئي رعائي:
لا مانع من المعجزات في طفولة الاله المتجسد. وهنالك عبرة من كل حدث جليل.

15- "بيت لحم اليهودية" (متّى 2: 1 حسب الترجمة اليسوعية القديمة)
تعوّد المعلّمون والرعاة ان يفسّروا "بيت لحم" انطلاقاً من العبرية المتأخرة "بيت ليحم" أي "بيت الخبز" (هكذا بعض آباء الكنيسة). ولكن يبدو ان الصحيح هو اشتقاقها من "بيت لحمو"، و"لحمو" هو إله حرب (من "ميلحماه") كنعاني محليّ.
ليست "اليهودية" نعتاً (اي صفة) بل هي مضاف اليه كقولك "ناصرة الجليل". والمقصود: بيت لحم الواقعة في منطقة عشيرة يهوذا، جد داود الملك. اوضح البشير موقع بيت لحم ليميّزها عن بيت لحم اخرى في الجليل، في اراضي سبط زبولون (راجع يشوع بن نون 19: 15).

16- اوغسطس- هيرودس (متّى 2 ولوقا 2)
جيّد ان يعرف المؤمنون الاطار التاريخي لميلاد السيد المسيح الذي تم قبل وفاة هيرودس الكبير الادومي ابن انتيباتر سنة 750 من تأسيس مدينة روما. ولا بأس في اطلاعهم على ان الراهب ديونيزيوس الصغير ارتكب خطأ ممّا يجعل هيرودس يموت سنة 4 قبل الميلاد أي قبل الحساب الميلادي.
على هذا الاساس، في ما يتعلق بالسنوات، يفضل القول "قبل الحساب الميلادي" او "من الحساب الميلادي" على "قبل الميلاد" و "بعد الميلاد". امّا في حساب القرون أي مئات السنين فلا تغيير: القرن الاول قبل الميلاد، الاول للميلاد، اذ ان خطأ الراهب المذكور شمل ستّاً او سبع سنوات.

17- الاحصاء او الاكتتاب "قبل ولاية كيرينيوس على سورية" (لوقا 1: 2)
مشكلة عويصة يثيرها قليل من المؤمنين. يرفض بعض الباحثين (مثل ارنست رينان في كتابه "اصول المسيحية" “Les origins du christinisme” 1.16 (version portugaise) صحّة كتابة منقوشة في تيفولي التي تتكلم عن أحصاء تيفولي التي تتحدث عن احصاءين اثنين قام بهما كيرينيوس. (خلافاً لما ورد في كتاب الأب جبرائيل فرح البولسي "يسوع في التاريخ" ص 135).

18- "هذه علامة لكم: تجدون طفلاً مقمّطاً مضجعاً في مذود" (لوقا 2: 12)
يمكن في التأمل في الميلاد وفي الايات 1-4 و 11-12 ان يدعو الرعاة المؤمنين الى التفكر في غرائب تلك الايات:
- اوغسطس قيصر- وهو انسان- يأمر رب المجد.
- يوسف من آل داود الملك وهو نجّار فقير. السبب هو تدهور الاسرة المالكة خصوصاً بعد تعدد زوجات سليمان وانقسام المملكة...
- العلامة لميلاد الرب المسيح المخلّص الالهي السني المجيد هي طفل في مذود اي معلف للحيوانات!

19- "كانت مريم تحفظ هدا الكلام كله وتتفكّر به في قلبها" (لوقا 2: 19)
في ترجمة "العالم الجديد" المحرّفة التابعة لبدعة "شهود يهوه" تلاعب بالنص بحيث يخف المديح لمريم. بدل "كانت مريم تحفظ... وتتفكّر" ترجموا: "بدأت مريم تحفظ... وتتفكر... “Mary BEGAN to preserve…”

20- "هويّة" جديدة- او قديمة- لسمعان الشيخ (لوقا 2: 25)
ابتلينا فيما ابتلينا به في الارض المقدسة بمؤسسات "باطنية" تفسّر الانجيل وسائر الكتب المقدسة بأفكار "غنوصية جديدة" ولا تستبعد التقمص او تناسخ الارواح. بناء على إحدى تلك النظريات يكون "سمعان الشيخ" تقمّصاً جديداً لإبراهيم ابي الاباء الذي قال فيه يسوع (يوحنا 56:8): "إبراهيم ابوكم ابتهج حتّى يرى يومي، فرأى وفرح". فحسب هذا التفسير "الغنوصي الجديد" الذي ينشره بعض القوم في الارض المقدسة ما "سمعان الشيخ" سوى تقمّص لروح إبراهيم!

21- "وأنت يا بيت لحم ارض يهوذا لست الصغيرة في الوف يهوذا"
أم "انت الصغيرة..."؟
ورد في ميخا 5: 1 "وانت يا بيت لحم افراتا الصغيرة في الوف يهوذا..."، لكن في متّى 6:2: "لست الصغيرة...". يستنتج بعض النقاد غير المسيحيين ان "الانجيل محرّف" بسبب هذا الاختلاف (وغيره).
- التفسير المنطقي، من العقل السليم: ان كانت بيت لحم صغيرة جغرافياً وطوبوغرافياً وسياسياً، فأنها ليست صغيرة معنوياً وروحانياً لأنها ستنجب المسيح المنتظر الرب.
- التفسير العلمي: ان القدّيس متّى، مثل ابناء عصره وقومه، كان لا يتقيّد بالحرفيّة ويأخذ المعنى العام.
- يمكن ايجاد "تفسير": مع ان علمياً ولغوياً لا فائدة ولا ضرورة للفظة "كونك" في الاصل العبري "تساعير لهيوت"- في الكلام عن بيت لحم- غير أنه يمكن، افتراض ما يلي: مع كونك الصغيرة غير ان منك يخرج المدبّر. كقولك في الفرنسية “Tu as beau ETRE la plus petite; ou petite…”
- راجع الكتاب اليوناني "تفسير المواضع الصعبة في الكتاب المقدس"، لنقولاس سوتيروبولوس، المجلد الاول، ص 15- 18، اثينا 1985.

22- "اخبروني كي اذهب انا ايضاً وأسجد له" (متّى 2: 8)
"اسجد له": الفعل اليوناني هو "بروسكينيو" يشير الى السجود، ولكن الترجمة المحرّفة لى "شهود يهوه" تشوه الفعل في كل مرة يكون فيه السجود ليسوع وتضع بدله "ادّوا (ليسوع) الولاء “Did obeisance to him”. ولكن عندما يدور الكلام عن الله- يهوه (الذي ليس يسوع في نظرهم) او حتى الشيطان نفسه يترجمون الفعل ب "سجد" (راجع ترجمتهم "العالم الجديد" ل متّى 9:4 حين يطلب المجرّب الخبيث ان "يسجد" له- “Se prosterner, faire un acte d’adoration” كذلك في مواضع اخرى كثيرة.

23- "كي يتم ما قيل بالأنبياء: انه يدعى ناصرياً" (متّى 23:2)
ان قول الإِنجيلي "الأنبياء" في صيغة الجمع يدل على انه لا يستشهد بنص واحد معيّن بل انه يلخص ما ورد في نبوات شتّى. اية نبوات؟
ان لفظة "نزورايوس" اليونانية قد تشير الى:
أ- "نزير" بالعبرية اي "المنذور" حسب قضاة 13: 5- 7
ب- "نيتسر" "اي فرع" من شجرة يسمّى حسب نبوءة اشعيا 11: 1.
ج- "نيتسار" "أي" "حرس" ، حسب اشعيا 42: 6 و 49: 8، ومنها "نتسار"= البقية.

24- "لمّا بلغ يسوع اثنتي عشرة سنة" (لوقا 2: 42)
ربما يفيد الحديث عن طقس ال "بار ميتسباه" عند اليهود. عندما يبلغ الفتى تقام له احتفالات خصوصية ويسلم ملف التوراة دلالة على انه اصبح رجلاً ذا مسؤولية في الجماعة الدينية والمجتمع الانساني. قد يكون في كلام الإِنجيلي اشارة الى هذه الحفلة للفتى يسوع...

25- "ان اباك وأنا كنّا نطلبك متوجّعين" (لوقا 48:2). هذه الكلمات تدل على حكمة سيدتنا مريم العذراء التي تخفي عن "طفلها" او "صبيّها" حبلها البتولي وتنعت مار يوسف بأنه "اب يسوع".

26- اين ذهب يسوع من سن 12 الى ثلاثين سنة؟
للرد على هذا السؤال راجع كتاب جورج لمزا (تعريب إبراهيم سلامة خوري): "السنوات" "الخفية" في حياة سيدنا يسوع المسيح السنيّة.
ايضاً مقال للأب مدروس: "التفسير" "الباطنى" للكتب المقدسة...

27- لماذا نعتمد ونحن صغار والمسيح تعمّد كبيراً؟
الرد: في "الجواب من الكتاب" وملخصه "من وحي الكتاب المقدس"...
ب- حياة يسوع العلنية:
1- يوحنّا المعمدان: صوت صارخ للملكوت
اولاً- هوية يوحنا ابن زكريا:
مسألة اثيرت: هل كان يوحنا من "الاسينيين"؟ هنالك عناصر تحبذ هذا التقارب مثل وجود المعمدان حول البحر الميت وتقشفه وزهده... ولكن ما القول في معموديته؟.
كانت جماعة قمران مكثرة من الوضوء ولكن معمودية يوحنا موجهة الى الخاطئين. وكان الاسينيون بشكل عام- على تبتلهم وحرصهم على النقاوة الخارجية والداخلية شديدي الاحتقار للخطأة وذوي العاهات وما كانوا ليقبلوهم في الجماعة. وربما كان هذا الفرق جوهرياً قاطعاً في شأن وانتماء يوحنا الى الاسينية او ربما ثار هو على ذلك الاحتقار...
ثانياً- "صوت صارخ في البرية..."
يجب تشكيل اولى الكلمتين لأن المؤمنين قد يقرأونها: "صوتٌ صارخٌ" (بالتنوين في الحالتين) ولكن الصحيح هو: صوتُ رجلٍ صارخٍ يَصرخ.
القديس متّى تبع هنا "ترقيم" الترجمة السبعينية اليونانية التي تضع وقفة بعد "في البريّة" فيصبح مجري الكلام: صوت صارخ في البرية...- في حين ان النص العبري الاصلي في اشعيا 3:40 يقف قبل "صوت صارخ في البرية".
- حل توفيقي: ان يوحنّا المعمدان يصرخ في البرية ويطلب كما ورد في اشعيا ان يعدّ الناسُ ولا سيما الخاطئون طرق الرب في البريّة فيأتوا اليه في الصحراء المادية ويستمروا في استعدادهم لمجيء الرب في "البريّة" المعنوية اي التقشف والتوبة...

ثالثاً- "توبوا":
هذا هو السبيل الامثل لإعداد طرق الرب. من الجميل تبيان اصل هذا الفعل وهذه العبارة في سبيل حياة روحانية عميقة عند المؤمنين. الاصل الارامي "توب" "والعبري" "شوب" اي "رجع ثاب آب تاب" اي ارتد عن الشر وقفل راجعاً الى الله والى الخير ولسان حاله قول الابن الشاطر: "اقوم (فالخطيئة ركود ورقاد، خمول وتخدير وسبات) وأمضي (= اي اعود) الى ابي" (لوقا 15: 17).
اما الفعل اليوناني فهو "ميتانوين" المكوّن من "ميتا" اي "تغيير إنقلاب" و "نويين" وهو التفكير والاحساس الوجداني. معنى الفعل "توبوا" هو "اقلبوا افكاركم وتصرفاتكم" اي غيّروا مفاهيمكم: ما تضعونه في الاول- مثلاً الامور المادية- ضعوه في الاخر، وما لا تعيرونه اهتماماً من شؤون الروح ضعوه في رأس قائمة عنايتكم...

2- "ملكوت السموات" (متى 3: 3)
الله هو الملك والمسيح المنتظر. هو الملك كما ستهتف الجماهير مرحّبة بيسوع يوم النخل (مرقس 11: 10 لوقا 38:19).
"ملكوت" الله. تعني هذه العبارة تسلطه بالمحبة والنعمة لا بالاكراه ولا بالوعيد- على قلوب الناس وعقولهم، بما انه "ملك العالم" وسيّد الخليقة التي اشتراها او افتداها بدمه (كولسّي 1: 15 وتابع).
هذا الملكوت يأخذ صيَغاً كثيرة منها:
- حياة النعمة في النفوس
- حفظ شريعة الإنجيل
- انتشار الإنجيل بين الشعوب (متّى 13) اي الكنيسة...
- "ملكوت السموات": نجد هذه العبارة فقط في انجيل متّى. إن السماء لا تعني هنا الجلَد الذي فوق اعيننا ولكنها كناية عن الله، تجنباً لذكر اسم الجلالة (راجع شتراك- بيلربيك، المجلد الاول ص 245). نقول احياناً في العربية "استجابت السماء".

خاتمة
كانت هذه بعض نقاط سريعة ويا ليت الوقت يسمح بالأستمرار في جميع فصول الأناجيل الإزائية. وربّما انعمت علينا العناية الإلهية سريعاً بأن نكشف الغامض من الآيات لمجد الله وخير النفوس.
فعلاً، الكلام الذي كفمنا به يسوع "روح وحياة".

 

دراسات بيبلية - الأناجيل الإزائية، متى - مرقس - لوقا (1994)
   
 
القسم السادس محاضرات عامة

القسم السَّادس
محَاضَرَات عَامَّة


يتضمن هذا القسم محاضرات لا ترتبط مباشرة بالأناجيل الإزائية، كما يتضمن نتيجة حلقات المشاركة، وحفلة الختام.
1 – الأبانا في تفسير تيودوروس المبسوسطي
2 – استعمال المعجزات في الأناجيل في أحد كتب التعليم المسيحي.
3 – الأنجيل والقرآن
4 – الأنجيل بحسب برنابا.
5 – الأدب البيبلي في لبنان وسوريا في القرنين التاسع عشر والعشرين.
6 – حلقات المشاركة
7 – الكلمة الأخيرة للأب لودجير فلدكمبر
8 – ملحق : كلمة الأخت وردة مكسدر
9 – ملحق : الجدال في الصوم.

 

دراسات بيبلية - الأناجيل الإزائية، متى - مرقس - لوقا (1994)
   
 
الفصل الرابع والعشرون الأبانا في تفسيرتيودوروس المبسوسطي
دراسات بيبلية - الأناجيل الإزائية، متى - مرقس - لوقا (1994)

الفصل الرابع والعشرون

الأبانا في تفسير
تيودوروس المبسوسطي
الأب موسى الحاج

مقدمة
الكلام عن آباء الكنيسة يعود بنا الى القرون الاولى للمسيحية، أي من الفرن الثالث وحتى اوائل القرن الثامن. هؤلاء الآباء هم لؤلؤة ناصعة في جبين الكنيسة، ورثوا عن الرسل والتلاميذ الكتاب المقدّس وتقليد الكنيسة وتعاليمها، فكانوا علماء ولاهوتيين ورعاة وأيضاً آباء روحيين.
هؤلاء الآباء ارتكزوا أولاً وآخراً على الكتاب المقدّس، فاستوحوا تعاليمهم فدرسوها بعمق بهدف ايصالها الى الناس من أجل تثقيفهم للوقوف بوجه الاخطار الفلسفية واللاهوتية الخاطئة كمذلك بالتصدّي للبدع والهرطقات. منها على سبيل المثال حول الثالوث في القرن الرابع وحول سرّ المسيح الاله- المتجسّد في القرن الخامس.
ماذا نعني بآباء الكنيسة؟
إنهم ينتمون الى عدّة مدارس، منها مدرسة الاسكندرية ومنها مدرسة انطاكية، وهناك أيضاً الآباء السريان وآباء الكبادوك والآباء اللاتين. أما المدرستان الكبريان في تلك الحقبة فهما مدرستا الاسكندرية وانطاكية وكانتا على خلاف فكري وفلسفي بينهما. فكلّ منهما تبنّت طريقة خاصة في تفسير الكتاب المقدّس، ممّا ادّى الى سوء التفاهم والى التباعد. في انطاكية كان اللاهوتيون والمفسّرون أكثر ميلاً الى النظرة الارسطوطالية، ومهتمّين بالحقائق الملموسة المرئية ويعتمدون على التفسير الحرفي للكتاب المقدّس باللجوء الى المعلومات التاريخية والتحليل العقلي والمقارنة بين اقوال الكتاب المقدّس والنظريات الفلسفية. ففي اقرارهم بألوهية المسيح كانوا ينظرون الى حياته الانسانية الارضية.
امّا مدرسة الاسكندرية، فكانت اكثر ميلاً الى الافلاطونية والى التفسير التأويلي الرمزي للحقائق. فالأمر الذي كان يشدّ اهتمام اساتذة الاسكندرية في المسيح كان لاهوته اكثر من ناسوته. وكان هذا الاختلاف في الاسلوب المدرسي يزداد حدّة بسبب النعرة العنصرية والتنافس على الكراسي الاسقفية.

القسم الأول: تيودوروس
أ- من هو تيودوروس المبسوسطي (اسقف المصيصة)؟
لقد اخترت الاسقف تيودوروس لأسباب عديدة:
1- لأنه الوجه الاكثر تمثيلاً لمدرسة انطاكية من حيث التفسير الكتابي، في حين كان صديقه القديس يوحنا فم الذهب كان الخطيب الاول لهذه المدرسة.
2- لأن هذا الاسقف لم يكن فقط مفسّراً وشارحاً كتابياً، بل اكثر من ذلك لأنه كان راعياً غيوراً ومحبّاً لرسالته ولشعبه.
3- لأنه في تعليمه ورعايته كان يرتكز على الاناجيل الإزائية وعلى انجيل متّى بنوع خاص. فهذا الانجيل يعطي النموذج الحّي ويعلّمنا كيف ننتمي ونعيش في قلب الكنيسة. وهو غني بالمواعظ وبالتعليم ومفيد للموعوظين الذين يتأهبّون لاكتشاف كل جوانب الحياة في الكنيسة.
4- لأن معظمنا ينتمي الى كنيسة انطاكية، اخترت تيودوروس، عارضاً طريقته التعليمية وشرحه الراعوي وبالتحديد لصلاة الابانا بحسب انجيل القديس متّى.
ولكن وقبل ان نتعرّف الى شرحه للصلاة الربيّة تعالوا نتعرّف سريعاً الى حياته ومؤلفّاته.

ب- حياته ومؤلفاته:
أولاً- حياته
ولد تيودوروس في مدينة انطاكية سنة 350 من عائلة غنيّة. تتلمذ مع يوحنا فم الذهب على يد لوقيانوس مدرّس البيان والبلاغة ومؤسّس المدرسة الانطاكية.
اختار بعد تردّد الحياة الرهبانية سنة 370 بعد ما قبل سرّ العماد المقدس.
- سيم كاهناً سنة 383 على يد فلابيانوس اسقف انطاكية.
في فترة كهنوته، تتلمذ على يد ديودوروس اسقف طرسوس، وتشبّع من مبادئ التفسير الكتابي واللاهوتي. في هذه الفترة عُقد مجمع خلقيدونية أي سنة 381 وفيه اقرّ الآباء المجتمعون قانون الايمان كما نصلّيه نحن اليوم.
- سيم اسقفاً سنة 392 على مدينة مبسوسطية او المصيصة كما نسمّيها اليوم وهي مدينة تبعد 30 كيلومتراً الى الشمال من مدينة انطاكية. بقي في الاسقفية حتى وفاته سنة 428.
- بعد وفاته، وبسبب الجدال حول سرّ المسيح الاله- المتجسّد وبدعة نسطور الانطاكي، وبطريرك القسطنطنية، اعتبر تيودوروس نسطورياً وأباً للنسطورية لأنه كان معلماً لنسطور، فهاجمه خصومه وخصوم النسطورية وحرموه في مجمع القسطنطنية سنة 553 أي 125 سنة بعد موته، فأحرقت كتبه اسوة بديودوروس الطرسوسي وهييا الرهاوي.
- امّا كنيسة فارس التي كانت تقع خارج الامبراطورية البيزنطية، فقد اعتبرت وما تزال، ان تيودوروس هو اللاهوتي الثابت الذي لا يحقّ لأحد ان يميل عن تعليمه. لذلك نجد في هذه الكنيسة اكثر المعلومات عنه وأهمّ اعماله الكتابيّة واللاهوتية.
ثانياً- مؤلّفاته:
1- الشروح: شرح معظم اسفار الكتاب المقدّس أي العهد القديم والجديد.
2- المؤلفات اللاهوتية: شرح قانون الايمان والاسرار وهي ما نسميّها العظات التعليمية الست عشرة. وشرح كذلك سرّ التجسّد وتحدث عن الروح القدس وردّ على اصحاب البدع.
3- العظات التعليمية: هذه العظات تضمّ ست عشرة عظة. والعظات العشر الاولى تتطرّق الى قانون الايمان، والعظات الست الباقية تحدّثنا عن الابانا (عظة واحدة) وسرّ المعمودية (3 عظات) والقداس الالهي (عظتان). النصّ الاساسي الذي وصلنا هو في اللغة السريانية وقد ترجم الى الفرنسية ومن ثمّ الى العربية على يد الخوري بولس الفغالي.

القسم الثاني: صلاة الأبانا
1- الابانا في عصر الآباء:
بعد شرحه لقانون الايمان يقول تيودورولس: "لقد انهينا البارحة، بنعمة الله، حديثنا عن النؤمن... واليوم يحسن ان نقول ما هو ضروري عن الصلاة التي سلّمنا ايّاهـا ربّنا... فهو الذي قال: اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمّدوهم بأسم الآب والابن والروح القدس". وزاد: "علّموهم ان يحفظوا كل ما اوصيتكم به" (متّى 19:28). ويضيف: "لهذا، ارفق آباؤنا النؤمن بالصلاة التي فيها تعليم كاف عن الآداب والتي اوجزها ربّنا وسلّمها الى تلاميذه" (عظة 11: 1).
صلاة الابانا او الصلاة الربيّة كما سمّاها لأول مرّة القديس قبريانوس (+ 258)، هي التي علّمها يسوع لتلاميذه بحسب انجيل متّى 9:6-13 وهي تحتوي على سبع طلبات بالمقارنة مع صلاة الابانا عند لوقا 11: 2-4 التي تحوي خمس طلبات. طلبات الابانا تقابلها من حيث المعنى والمبنى، الصلوات اليهودية ولا سيما "صلاة الطلبات الثماني عشر" التي لا يزال اليهود يتلونها اليوم. والصلاة في انجيل متّى هي من الاركان الثلاثة الى جانب الصدقة والصوم التي تقوم عليها التقوى اليهودية (فصل 6: 1-17).
إن أول من شرح الابانا باسهاب هو ترتليانوس، في اوائل القرن الثالث. ومنذ ذلك الوقت أُدخلت في ممارسة سرّ العماد. وبعده القديس قبريانوس أي في النصف الثاني من القرن الثالث. كما شرح الابانا ايضاً معظم آباء القرن الرابع امثال اغسطينوس وامبروسيوس وادرجوها في اسرار التنشئة (العماد- الافخارستيا- التوبة) وكذلك في الذبيحة الالهية.
ففي قرطاجة مثلاً، كان على الموعوظين تعلّم الابانا والنؤمن غيباً واعلانها جهاراً امام المؤمنين اثناء قبول سرّ العماد.
أمّا في اورشليم، فإن القديسة كيرلّس (+ 386) كان يشرح هذه الصلاة اثناء الذبيحة الالهية، ويطلب من المؤمنين ان يتلوها بعد النافور وقبل التقدّم من المحاولة.
يخبرنا دانيالو عن اهميّة الابانا: في قرطاجة كان التقليد يقضي، بعد تلاوة الصلاة الربيّة، بالعودة الى الذات والتوبة عن الخطايا وذلك في اسبوع الآلام.
وبما ان قاعدة الايمان لا تنفصل عن قاعدة الصلاة، وقاعدة الصلاة لا تنفصل عن قاعدة الحياة، ادرك الآباء بشكل عام اهميّة الصلاة الربيّة واعتبرها البعض انها مختصر الانجيل كلّه لأنّها تعبّر عن الايمان وتكوّن القاعدة الاساسية لعيش هذا الايمان وتطبيقه في الحياة اليوميّة.

2- الابانا في كتابات تيودوروس:
في عظته عن الابانا، يتكلّم تيودوروس عن الصلاة بصورة عامة وعن الابانا بصورة خاصة. فهي بحكم موقعها، أي بين عظات النؤمن وشرح الاسرار والذبيحة الالهية، بمثابة همزة الوصل والاساس، لأنها من جهة تتوّج قانون الايمان، ومن جهة ثانية تعتبر ضرورية جدّاً للاستعداد لقبول اسرار العماد والتوبة والافخارستيا.
منذ بدء شرحه للأبانا، ينقل تيودوروس سامعيه الى العالم الروحاني. فأسلوبه العلمي يبدو واضحاً من خلال تفسيره هذه الصلاة للموعوظين، فيدربّهم على العادات والاخلاق المسيحية لينضمّوا فيما بعد الى الجماعة المسيحية.
امّا طريقة الشرح عنده فقوامها درس وشرح كل عبارة من الصلاة الربيّة وربط هذه التفاسير بعضها ببعض لتأتي وحدة متماسكة.
في هذا المقطع سوف اتناول هيكلية الابانا ولاهوتها بحسب تيودوروس.

اولاً- هيكلية الابانا الداخلية
ان اوّل من تناول تقسيم الصلاة الربيّة هو ترتليانوس الذي قال: "ما اروع الحكمة الالهية التي رتّبت هذه الصلاة، فبعد أمور السماء تأتي امور وحاجات الارض". أمور السماء يعني الطلبات الثلاث الاولى التي تتكلّم عن تقديس اسم الله والملكوت وعن مشيئة الله، امّا حاجات الارض فهي الخبز والغفران والنجاة من الشريّر.
وحده تيودوروس يعتمد تقسيماً جديداً ولو مشابهاً لترتليانوس (+ 220) لكنّ الروح العلمية في التفسير الكتابي عنده تظهر هنا بوضوح. فهو يقسم الصلاة الى مقاطع ثلاثة: الاول يحوي الطلبات الثلاث الاولى، الثاني يحوي الطلبة الرابعة فقط، والثالث يحوي الطلبتينِ الاخيرتين. فيقول: "في الطلبات الثلاث الاولى، يضع سيدنا تحديدا لمعنى الفضيلة، في الرابعة يثبت حدود همومنا، وفي الخامسة والسادسة يعطي يسوع الدواء لضعفنا"
من الناحية الادبيّة، يؤكّد المفسّرون المعاصرون بأن عمل الله يتمّ في الطلبات الثلاث الاولى حيث ان الفاعل هو إمّا الله وإمّا الانسان، بينما في القسم الاخير تستعمل صيغة المتكلّم في الجمع، فتجمع المؤمنين الأفراد في جماعة واحدة.

ثانياً- لاهوت الصلاة الربيّة:
- مقدمة:
يعتقد تيودوروس بأن الحياة الحقيقية يجب ان تترافق مع الصلاة الربيّة. لأن هذه الصلاة هي مختصر رائع لعقيدة الفداء وللحياة المسيحية. فيقول: "لقد استعمل ربّنا هذه الكلمات الوجيزة وكأنّه يريد أن يقول إن الصلاة لا تقوم بالكلام، بل بالممارسة والحب وفعل الخير، لأن الذي يميل الى الخير عليه أن يحيا حياته كلها في الصلاة... في سبيل تحسين السلوك" (3:11).
والصلاة هي تعبير صادق عن محبتنا للآب السماوي، وتضعنا امام حقيقة ما سوف نعيشه يوماً مع الرب. فكلمة "ابانا" تؤكد ان الله بحبّه الأبوي، قريب من البشر، ونعترف بقوته تعالى وبشخصه الحاضر فيما بيننا بما انّه الخالق والصانع الكل.
يركّز تيودوروس تعليمه في تفسيره على شخص يسوع المسيح، الانسان الذي يعمل ويأكل ويصلّي ويتألّم، وفي هذا تركيز على الفكر الانطاكي كما ذكرت، أي بالاهتمام بالناسوت وبحياة يسوع الانسانية الواقعية ليصل فيما بعد الى الحالة الروحية.
واللافت ايضاً في هذه التفاسير، ان تيودوروس يرتكز في استشهادته على العهد الجديد. سبع آيات من اناجيل متّى ولوقا ويوحنا، وثماني آيات من رسائل مار بولس للعبرانيين، امّا بالنسبة الى العهد القديم، فأنه يستعمل آية واحدة من المزمور 81: 6 التي تقول: "انكم آلهة، وبنو العلي كلكم، الاّ انكم مثل البشر تموتون".
قلّة الاستشهادات في العهد القديم يعود الى اعتماد التفسير الحرفي والتاريخي الذي تمتاز بهما المدرسة الانطاكية.

2- الشرح اللاهوتي:
الطلبة الاولى: ابانا الذي في السماوات، ليتقدّس اسمك.
يقول تيودوروس: "قبل كل شيء، يجب ان تعرفوا ما كنتم وما صرتم اليه، وما هي الموهبة التي نلتموها من الله وما اعظمها" (7:11). يشدّد على ان مسلكنا الماضي كان بالعيش تحت نير الشريعة، امّا الآن فقد نلنا نعمة الروح القدس التي تجعلنا نهتف "ابّا" "يا ابانا". لقد أعطينا نعمة التبنّي لأن لنا أباً واحداً في السماء. ويضيف قائلاً: "بعد أن فهمتم نبُلكم والكرامة التي فيها تشاركون بأن تكونوا ابناء الآب، تتصرّفون على هذا الشكل الى النهاية". يركّز تيودوروس هنا على هذه الصلاة التي ليست عقيدة إنما هي حضور لله يتجلى من خلال عيشنا لهذا الحضور. لذلك فأنه يذكر الآية 6 من المزمور 81 وهي "قلت انكم آلهة".
وعن السماوات يقول: "انها المقرّ اللائق بأبناء الله. حيث أعطي لنا أن ننتقل يوماً اليها. بعد ما نلنا التبنّي صرنا مواطني السماء".
وعن عبارة "ليتقدّس اسمك". بالنسبة اليه يتمّ التقديس على مرحلتين. الاولى بألاَّ نجدّف على اسم الله القدوس. والثانية بأن يستقيم سلوكنا وان نأتي اعمالاً تليق بأسم الله لكي من خلالنا يمجّد الجميعُ اسمَ الله.

الطلبة الثانية: ليأت ملكوتك.
هنا يعطي تيودوروس معنى اسكاتولوجياً للملكوت. فالصلاة برأيه تعجّل بمجيء الملكوت الذي دشّنه المسيح. الملكوت يعبّر عن محبة الله لنا، ولكي نستحقّه، علينا ان نعمل ما يوافق حياة السماء وألاّ نأبه لأمور الارض والاهتمام بها، فيقول: "ونحن ايضاً المدعوّون الى ملكوت السماوات، لا يجوز ان نهمل آداب السماء وما يليق بالحياة الاخرى لنستسلم لتجارة هذا العالم حيث اعمال الاثم. فكيف يكون هذا وكيف نتصرّف تصرّفاً جديراً بشرف ابينا السماوي" (11؛ 11)!
وقبل ان يشرح تيودوروس الطلبة الثالثة عن مشيئة الله يقول: "ولكن كيف نبتغي تصرّفات السماء وماذا يجب ان نعمل لنمجّد اسم الله"؟

طلبة 3- لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الارض (11: 12-13)
يطرح تيودوروس سؤالاً مزدوجاً: من جهة، ماذا تعني مشيئة الآب؟ ومن جهة ثانية، لماذا التركيز على الارض كما في السماء؟
الجواب: ما قيل عن اسم الله يقال كذلك عن مشيئته وملكوته. لا شيء يمنع مشيئة الآب من ان تتمّ. كل المؤمنين يطلبون ذلك من الله في صلاتهم. يرى تيودوروس ان هذه الطلبة هي ايضاً اسكاتولوجية وتجعل من الناس ومنذ الآن صانعي مشيئة الله في الحياة الابدية. ويقول: "المطلوب منّا اذاً في هذا العالم، هو ان نثبت ما امكن في تتميم ارادة الله ولا نحيد عنها، وكما أننا نؤمن أن إرادة الله تملك في السماء، هكذا علينا ان نتمسّك بها ونحن على الارض كما يقول بولس الرسول: "لا تتشبّهوا بهذه الدنيا، بل تبدّلوا بتجدّد عقولكم، لتميّزوا ما هي مشيئة الله وما هو صالح وما هو مرضي وما هو كامل" (روم 12: 2).
اذن هذه الطلبة هي دعاء الى الله كي نتبع المسيح بسماع كلمته والعمل بمشيئته هو. ونبقى هكذا مشدودين بين العمل بارادة الله وعامل الزمن والتاريخ. فلنثابر ولنتابع الجهاد حتى تحقيق ملكوت الله النهائي وذلك بأن نحتقر امور هذا العالم وان نجتهد ان نتمثّل بأمور العالم الآتي.
طلبة 4- اعطنا خبزنا اليوم كفافنا (11: 14)
إن تيودوروس وكذلك الخطّ الانطاكي ومعهم أغسطينوس، يأخذون بحرفيّة النص ويعتبرون ان هذه الطلبة تعني الخبز اليومي بقدر ما يعني الخبز السماوي.
ينطلق تيودوروس من حاجة الانسان الاساسية ألا وهي الخبز اليومي، ويعتبرها الطلبة الوحيدة المادية في صلاة الابانا. ربّما لأنه يشرحها للموعوظين الذين لم يقتبلوا بعد سرّ العماد، فكيف يمكن ان يكلّمهم عن الخبز السماوي؟
وكلمة اليوم يشرحها تيودوروس ويقول: "انها تعني الآن". فالكتاب المقدس يسمّي "اليوم" ما هو حاضر او وشيك: "اليوم اذا سمعتم صوته فلا تقسّوا قلوبكم" (عب 7:3). وهذا يعني اننا ما دمنا في هذا العالم، فلنفكّر أننا سامعون ابداً هذه الكلمة. وكذلك كلمة "كفافنا" فأنها تحدّد حاجتنا اليوم الى الخبز.

طلبة 5- اغفر لنا ذنوبنا (15:11)
بسبب ضعف الطبيعة البشرية وضعف الارادة، يقول تيودوروس بأنه من الصعب ان نبقى دون خطيئة. لقد اعطانا الرب الدواء لهذا الضعف في طلب المغفرة. فالكتاب يعتبر ان هذه الخطايا كلها عن غير ارادة، لأن من يسعى الى الخير يهتمّ بالتخلّص من الشرّ ولا يسقط برضاه. ومن المؤكد، يقول تيودوروس، ان خطايا مثل هذا الرجل ليست عن ارادة وانه سينال حتماً المغفرة.

طلبة 6- كما نحن نغفر لمن اساء الينا (16:11)
يعتقد تيودوروس بأن هناك عهداً بين الله والانسان. فهو يوضح امام الموعوظين اهمية هذه الطلبة خاصة وان الآية بعد صلاة الابانا في انجيل متّى تتكلّم عن ضرورة الغفران المتبادل فيقول: انه علينا ان نركع ونتضرّع لله ونستغفره، كذلك نحن ايضاً نغفر لمن اساء الينا ويستغفرنا... فلنقبل بمحبة كل الذين اساءوا الينا وآلمونا بنوع من الانواع.

طلبة 7- ولا تدخلنا في تجربة (13:11- 18)
التجارب كثيرة ومنها الجسدية كالألم الجسدي ومنها الروحية كالخطايا وكلها تجارب تضعف ارادتنا. ويذكر هنا التجارب من قبل اخوة لنا في الايمان الذين يعرّضون الناس للشك والخطيئة (متّى 6:18) نطلب في الصلاة ان ننجو منهم ومن الشرير. والشرير هنا هو الشيطان في نظر تيودوروس، الذي يتلبّس بحيل كثيرة ومتنوعة ليخرجنا ويبعدنا عن التعلّق بواجبنا.
(ربمّا اخذ بالمفرد حسب تث 17: 12= الشرير، والتي ترد اقل في العهد الجديد متّى 35:12: 1 كور 13:5. هكذا فهمت كنيسة اليونان هذه الآية من صلاة الابانا)
ويختم تيودوروس شرحه للصلاة باعتبارها الطريق نحو الكمال الادبي وما يجب ان نسعى اليه ونطلبه من الله. فكما أن الايمان يعلّم التعليم المستقيم كذلك صلاة الابانا، فأنها ضرورية لاقتراب الموعوظين من المعمودية لتنظيم حياتهم ليحيوها بالفضيلة بعدما سجلّوا اسماءهم في مدينة الارض وعمّدوها بالاخلاق المسيحية.
ثم يشدّد تيودوروس في تعليمه على أن الصلاة الحقيقية هي بالضرورة ثالوثية. إنها موجهة نحو الآب مع الابن ويفعل الروح القدس.

خاتمة
ونختم تعليم تيودوروس عن عظة الابانا بنقاط ثلاث:
1- في المرحلة الاولى من تفسيره يرتكز على التعليم الكتابي
2- مع انّه المفسّر الاول لمدرسة انطاكية من حيث الخط الحرفي، نراه احياناً يستعمل الرمز اسوة بآباء الاسكندرية (الحياة الروحية على الارض هي رمز للحياة مع الله)
3- تعليم الاسرار يشتمل على الكتاب المقدس واللاهوت والليتورجيا.
اذن، التعليم يبدأ أولاً بالتفسير، يتناول الواقع، توضع الحقائق واضحة امام طالب العماد ومنها: أحداث تاريخ الخلاص- عناصر الرمز، الطقوس والاسرار، كلّ هذا يقوم بالتعليم واكثر من ذلك من خلال التربية الايمانية. فالايمان يولّد الرجاء؛ والرجاء يفتح آفاقنا على المحبة. وهنا يقول اغسطينوس: "كل ما تعلّمون، اعطوه (علّموه) بطريقة انّ من يسمعكم يؤمن بالاصغاء، يترجى بالايمان ويحبّ بالرجاء".
فالمبسوسطي يتبع في شرحه هذا خط القديس كيرلّس الاورشليمي، أي انه يركّز على المعنى التعليمي. فنراه يكلِّم مستمعيه وكأنّه يتوجّه الى عائلة وهو يعرف اخطاءها وانحرافاتها. والفاظه لا تخلو احياناً من النقد اللاذع الذي وجّهه ضدّ اصحاب البدع والهرطقات.
صلاة الابانا هي الصلاة التي على كل مؤمن ان يتلوها دون انقطاع. فهي لا تعطي ثمارها الا بقدر ما تلاقي صدى في مجمل حياتنا. فزمن الملكوت قد ابتدأ وسوف يكتمل يوم يعود الرب بالمجد. انها صلاة تجعلنا ندخل الحياة الابدية ونستعدّ للتحوّلات الكبيرة عندما تصبح الارض سماء حسب تعبير اوريجانوس. فعلينا منذ الآن التخّلق بخلق المسيح وان تطابق اعمالنا حياة ابناء السماء، لأن الابانا تنقلنا من عالم متحوّل وزائل الى عالم ثابت وازلي.

 
الفصل الخامس والعشرون إستعمال المعجزات في الأناجيل
دراسات بيبلية - الأناجيل الإزائية، متى - مرقس - لوقا (1994)

الفصل الخامس والعشرون
إستعمال المعجزات في الأناجيل في
أحد كتب التعليم المسيحي
الأخت أنطوانيت عربش
من راهبات القلبين الأقدسين

يندرج التعليم الديني في سورية ضمن مناهج التعليم الرسمي ويشكّل مادة إمتحان رسمي في معظم الأقسام إبتداء من الصف الثالث الإبتدائي وحتى الصف الثالث الثانوي (بكالوريا). وَضَعت محتوياتَه لجنةٌ مسكونية أوكِلت أمانةُ السر فيها إلى حضرة الأب فيكتور شلحت اليسوعي، وتضم ممثلين عن مختلف الطوائف المسيحية في سورية (الروم الأورثوذكس، السريان الأورثوذكس، الكنيسة الإِنجيلية، والطوائف الكاثوليكية) وبتكليف من وزارة التربية. بدأت هذه المناهج بالصدور لأول مرة إعتباراً من العام الدراسي 1967- 1968 وما زالت متداولة في المدارس حتّى يومنا هذا. كما وقامت اللجنة المركزية للتعليم المسيحي في سورية بوضع كتاب "أتعرّف إلى يسوع" للصف الأول الإعدادي، أشرفت على تحقيقه وتنفيذه جمعية التعليم المسيحي بحلب وبإشراف الأب فيكتور شلحت، وقد ظهرت الطبعة المنقّحة لكتاب المربّي عام 1991، ودفتر النشاطات الدينية للطالب عام 1992. وقد استُوحيت مفردات الكتاب من البرنامج الصادر عن مجلس بطاركة وأساقفة الطوائف الكاثوليكية في لبنان.
ورد موضوع المعجزات في الباب الثالث من كتاب "تعاليم الديانة المسيحية" للصف الأول الإعدادي الذي طُبع لأول مرة عام 1972 - 1973. تتوسط المعجزات المنهاج، فتسبقها بصورة عامة دروس في العقيدة المسيحية، وتليها التطويبات ثم الكرازة الرسولية. يتضمن هذا الباب دراسة أربع معجزات هذا مضمونها:
1) سير يسوع على المياه (متّى 14/22-33).
2) شفاء المعذّب المصاب بالصرع (مرقس 9/ 14- 28).
3) الصيد العجائبي (لوقا 5/ 1- 11).
4) قيامة لعازر (يوحنّا 11/ 1- 44).
أما كتاب "أتعرّف إلى يسوع" الذي تصدره جمعية التعليم المسيحي بحلب فيتضمن 19 لقاءً، تندرج العجائب بينها في اللقاءين 16 و 17 لتوضح عمل السيد المسيح الخلاصي. وذلك بعد أن يكون الطالب قد تعرّف إليه كمخلص إنتظرته الشعوب وهيأت له شخصيات العهد القديم، كمخلّص أعطانا تعاليمه في الإنجيل (التطويبات) وأعلن عن حلول الملكوت بالأمثال والعجائب.
ما سنعرضه هنا هو منهاج التعليم المسيحي للصف الأول الإعدادي إنطلاقاً من الطبعتين الرسمية والخاصة.
ففي المنهاج الرسمي، يتلّقن الطالب العقائد الأساسية المتعلّقة بالملكوت والنعمة الإلهية والمجيء الثاني للمسيح والحياة الأبدية (الباب الأول). ثم يتعرّف الطالب إلى بعض الأمثال التي توضح علاقات الإنسان بالله وبأخيه الإنسان (المديون القاسي القلب- المدعووين إلى العشاء- الوزنات والكرامين القتلة) (الباب الثاني). بعد هذا يندرج موضوع العجائب الأربعة المذكورة أعلاه (الباب الثالث) وتليها التطويبات (الباب الرابع) وأخيراً الكرازة الرسولية (الباب الخامس). أما تسلسل اللقاءات في المنهاج الحديث فقد ذكرناه أعلاه.
لا شك في أن هناك إرتباطاً وثيقاً بين موضوع العجائب وسائر موضوعات المنهاج ولو أن التسلسل في المنهاج الحديث بدا أكثر منطقية مما هو في البرنامج الرسمي. فالعجائب مرتبطة دائماً بتعاليم السيد المسيح (التطويبات)، وهي علامات بأن مجيء ملكوت الله وشيك لا بل إن هذا الموعد قد حلّ بمجيئه. وقد نقول: يشبه ملكوت السموات أعجوبة كذا وكذا...

كيف عالج المؤلفون موضوع العجائب؟
يبدأ الباب الثالث للكتاب بتمهيد يلخّص في أربع نقاط ما تتوسَّع فيه الدروس:

اولاً: ما هي الأعجوبة؟
إنها حدث خارجي وحسي يلاحظه الجميع ولا يستطيع أحد أن يفسّره تفسيراً علمياً. لا يقدر أن يأتي بها إلاّ الله وحده.

ثانياً: عجائب السيد المسيح
تقسم العجائب إلى أربعة أنواع:
1) السيطرة على عناصر الكون: المشي على المياه- تهدئة العاصفة- الصيد العجائبي.
2) طرد الأرواح الشريرة: المعذّب المصاب بالصرع.
3) شفاء المرضى: فتح عيون العميان، وإقامة المقعد.
4) إحياء الموتى: لعازر، إبن أرملة نائين.
أما أعظم عجائب يسوع ومفتاحها فهي قيامته بقدرته الإلهية من بين الأموات في اليوم الثالث ودعوته إيّانا إلى حياة جديدة. وقد خصِّص لهذا الموضوع لقاء موسّع لا في المنهاج الرسمي بل في الكتاب الجديد "أتعرّف إلى يسوع" الذي صدر بعد عشرين سنة مثقلاً بخبرةِ واضعيه المنهجية والتربوية.
ثالثاً: لماذا صنع يسوع العجائب؟
1) عجائب السيد المسيح تبّين أنه إبن الله.
2) توضح أقواله وتعاليمه.
3) تشير إلى حضور الملكوت بين البشر.

رابعاً: العجائب والإيمان.
العجائب التي صنعها يسوع هي علامات وإشارات تدعو الناس إلى الإِيمان به. إنه المسيح المنتظر، إنه إبن الله، لكنّها لا تولِّد الإِيمان بصورة آلية. فلا بدّ من أنِ يكون المُشاهد لها مستعداً لقبولها منفتحاً على الله مرحّباً بنعمته لكي تفعل فيه. فالسيد المسيح كان يصنع العجائب أمام الجماهير لكي يحرِّضَ النفوس المنفتحة على الإيمان بشخصيته الإلهية، وليثّبت في الإِيمان من توافرت فيهم إستعدادات التقرب إلى الله والإستسلام له. لقد قال لكل من شفاه: "إيمانك خلّصك، أبرأك" (لوقا 8/ 48). أمّا من لم تتوافر لديهم هذه الإستعدادات فكان يسوع يرفض أن يصنع لصالحهم أية معجزة أو آية: ففي الناصرة لم يصنع كثيراً من القوات من أجل عدم إيمانهم (متّى 13/ 58).

المنهجية أو الأسلوب في شرح العجائب
تكاد الخطوات الرئيسية المتّبعة تتشابه في عرض العجائب الأربع التي يتضمّنها المنهاج الرسمي. لذا سنقتصر على ذكر النقاط الهامة والمغزى المقصود من كل معجزة.
النموذج الأول: السيطرة على عناصر الكون: سير المسيح على المياه (متّى 14/ 22- 33)
1) تحليل المعجزة وتقسيم النص إلى أربعة أجزاء أو مشاهد:
أ- صلاة يسوع على الجبل ومجابهة التلاميذ للعاصفة.
ب- سير يسوع على المياه وذعر التلاميذ.
ج- سير بطرس على المياه وارتيابه وغوصه في الماء.
د- إعتراف التلاميذ بأن يسوع هو إبن الله.
2) المغزى: يعلّمنا يسوع من خلال هذه المعجزة أموراً روحية عديدة أهمها:
أ- إن حياة المسيحي تكتنفها الشدائد، لكن لا داعي للخوف والقلق لأن المسيح يسهر علينا.
ب- إن المسيح سيد العناصر الطبيعية والمتمكن من السيطرة عليها.
ج- إن الإِيمان بالمسيح يمكّن المسيحي من القيام بأمور مستحيلة في حين أن الشك فيه يوقعه في الأزمات.
د- إن المسيح هو إبن الله.
3) الخلاصة العملية:
بعد توسيع النقاط الأربع المذكورة ينتهي الدرس بخلاصات عملية توجيهية وبعض النصائح الخلقية تليها أسئلة لترسيخ المعلومات وإتخاذ المواقف الشخصية.
لا شك في أن الأسلوب المتبع في شرح هذه المعجزة وغيرها كما في بقية الدروس، هو أسلوب تعليمي مألوف يعتمد على تلقين الطالب التعاليم الدينية التي تنطوي عليها النصوص. إلاّ أنه لا يترك للطالب أية فرصة لاكتشاف أبعاد الأعجوبة في حياته الشخصية، أو ما ترمز إليه في حياة يسوع وتعاليمه. فأعجوبة تهدئة العاصفة (والسير على المياه) مثلاً تبرز لنا رمزية المياه التي تجرف معها الشر وتذكرنا بانتصار الله على الخواء في التكوين، كما تذكرنا بأحداث الخروج (البحر الأحمر والأردن).
النموذج الثاني: طرد الأرواح الشريرة: المعذَّب المصاب بالصرع (مر 13/9- 28).
1) تحليل الأعجوبة: نقسمها إلى ثلاثة أقسام:
أ- وصف حالة الصبي النفسية وعجز التلاميذ عن طرد الروح الشريرة.
ب- توسل والد الصبي إلى يسوع وإيمانه به.
ج- طرد يسوع للروح الشريرة المستولية على الصبي وسبب عجز التلاميذ.
2) المغزى: يتضمن أموراً دينية عديدة أهمها:
أ- إن عجز التلاميذ ناتج عن قلة إيمانهم.
ب- إن ليسوع سلطاناً على الشيطان والخطيئة.
ج- إنه لا بدّ من الإِيمان والصوم والصلاة للتغلّب على الشيطان في التجارب.
3) الخلاصات العملية والأسئلة.
هذا ما نجده في المنهاج الرسمي الذي يتبع نمطاً معيناً في عرض المواضيع.
أما في الكتاب الحديث "أتعرّف إلى يسوع"، فنلاحظ أن الأسلوب المتبع يختلف تماماً عن سابقه، لكن المغزى واحد في جوهره، حياتيّ في انعكساته.
فبعد تحديد الهدف في عرض هذه الأعجوبة وهو أن يلمس التلميذ قدرة يسوع على روح الشر والخطيئة، وأنه لا بدّ من الإِيمان والصوم والصلاة للتغلب على الشيطان في التجارب، يتبع المربي خطوات اللقاء بأسلوب حيوي يعتمد طرح الأسئلة مفتاحاً لمشاركة الطالب في فهم النص الإنجيلي وانعكاس صداه في حياته الشخصية.
4) عناصر الموضوع:
أ- حالة المريض المصاب بالصرع.
ب- عجز التلاميذ الناتج عن قلة إيمانهم وتأنيب السيد المسيح لهم.
ج- ثقة الأب بالسيد المسيح وأهمية الإِيمان للحصول على نعمة المعجزة.
د- المعجزة وحالة المريض المعافى حيث يبين المربي أن معجزة يسوع دليل على حضور الملكوت بيننا بقدرته على السيطرة على روح الشر والخطيئة، وعلى اشاعة الحياة والفرح.
هـ- الصوم والصلاة شرطان أساسيان للتغلّب على الشر والخطيئة.
وأخيراً يحمل المربي التلميذ تدريجياً ومن خلال الأسئلة والنشاطات المختلفة على إستخراج.
الخلافات العقائدية: إن يسوع هو المسيح إبن الله، وله سلطان مطلق على الشر والخطيئة، وإن ملكوته حاضر بيننا.
والخلاصات الحياتية: قد يكون في كل واحد منّا روح أبكم، فماذا يشعر لو يقف أمام يسوع ليحدّثه عن هذا الروح ويستقبل خلاصه في حياته.
نلاحظ من عرض الأعجوبة ذاتها في المنهاجين الرسمي والخاص أن هناك إختلافاً في الأسلوب فقط. ولا عجب من ذلك، لأن المنهاج الرسمي المعد منذ أكثر من عشرين سنة له طابع مدرسي يخضع الطالب فيه للإمتحان الخطي وتحصيل العلامات، وقد يوكل تعليم المنهاج إلى معلمين غير مختصين (وغالباً غير ممارسين دينهم) ان على الصعيد الديني أو المنهجي والتربوي والكرازي. أما المنهاج الخاص وقد أعدّ مؤخراً بعد سنين طويلة من الخبرة والممارسة، فهو عبارة عن لقاءات يحضّرها بصورة واضحة كل من المربي والتلميذ ويشتركان معاً في اكتشاف المغزى الروحي والكتبي والحياتي للأعجوبة أو المثل... بالإضافة إلى ذلك لا توكل مهمة تنشيط الدروس إلاّ لمن تهيأ لمثل هذه المهمة في إطار مركز تأهيل ديني تشرف عليه السلطة الكنسية من خلال ابنة المركزية للتعليم في سورية وما ينبثق عنها من جمعيات أو لجان محلية.
النموذج الثالث: الصيد العجائبي (لوقا 5/ 1- 11)
ترتبط أعجوبة الصيد العجائبي، وهي الثالثة في المنهاج الرسمي، بدعوة التلاميذ الأولين وترتبط بإطار التبشير: إزدحم الجمع على يسوع لسماع كلمة الله. ولمّا انتهى تمّت الأعجوبة في إطار هذا التعليم لتعزِّزه، وتبّين لنا قدرة كلام يسوع وسلطانه المطلق.
1) أجزاء الأعجوبة: تتلخص في ثلاثة مشاهد:
أ- بطرس ورفاقه يكدُّون طوال الليل دون أن يُصيبوا شيئاً.
ب- بناءً على كلمة يسوع يلقون الشبكة، ويصيبون سمكاً كثيراً.
ج- يسوع يَعِد بطرس بأن يجعله صياداً للناس فيترك التلاميذ كل شيء ويتبعونه.
2) المغزى: تعلّمنا الأعجوبة أموراً دينية أهمّها:
أ- قدرة كلمة يسوع وأهمية الإصغاء إليها.
ب- الثقة بيسوع والطاعة لأوامره.
ج- ضرورة إتباع يسوع الذي يدعونا لنساهم معه في نشر ملكوت التوبة والمحبة والسلام.
3) الخلاصة العملية: يسوع يدعوك... عليك أن تستجيب لدعوته وتعمل معه لبث روح المحبة والأخوّة والتسامح في محيطك.
هذا ما ورد في المنهاج الرسمي، أما إذا ذهبنا إلى العمق فنحن نكتشف أن كلمة الله هي الفاعلة لا بل المسيح هو "كلمة الله" الفاعلة ولا أخرى سواها. "لقد تعبنا الليل كله... لكن بكلمتك القي الشبكة". ونتساءل: ألم يكن السمك الكثير علامة تدل على مجانية الخلاص ووفرته لمن يسمع كلام الله ويعمل به؟
النموذج الرابع: إحياء الموتى: قيامة لعازر (يوحنا 11/ 1- 44).
1) الأجزاء: تقسم الأعجوبة إلى ثلاثة أقسام أو مشاهد:
أ- يسوع يؤجّل ذهابه إلى بيت عنيا.
ب- يسوع يتحدّث مع مرتا ومريم.
ج- يسوع يقيم لعازر.
2) المغزى: يركّز على ثلاثة نقاط:
أ- إنسانية يسوع. إنه الصديق المحب الذي يؤاسي أصدقاءه ويساعدهم. لقد بكى على لعازر وتأثر لمنظر أرملة نائين، وأعاد الطمأنينة والثقة إلى تلاميذه بعد القيامة.
ب- يسوع هو القيامة والحياة وله سلطان مطلق على الموت والحياة. فهو يُخرج لعازر من القبر، ويقيم إبن الأرملة، وينهض إبنة القائد يائير فوراً بعد أن لفظت النَفَس الأخير. "فكما أن الآب يقيم الموتى ويحييهم كذلك الإبن يحيي من يشاء"، (يوحنّا 5/ 21). "أنا القيامة، من آمن بي وإن مات فسيحيا".
ج- يسوع هو القيامة وضمان لقيامتنا. وهنا ندخل في جوهر إيماننا المسيحي الذي يصبح باطلاً إن لم نؤمن بقيامته. فقيامة لعازر إشارة مسبقة إلى قيامة السيد المسيح لا سيّما وأنها جرت بضعة أيام قبل الصلب والموت والقيامة.
يسوع يربط بين القيامة وبين الإِيمان به: "أنا القيامة". "من آمن بي". يسوع يحض التلاميذ على الإِيمان به: "إني أفرح أني لم أكن هناك لتؤمنوا". إنه القيامة، إنه مرسل من الآب: "قلت هذا لأجل الجمع الواقف حولي ليؤمنوا أنك أنت أرسلتني".
لم يتطلّع السيد المسيح فقط إلى قيامة لعازر بل أراد في هذه المناسبة أن يعلن لتلاميذه وللجمع أنه هو القيامة، وانه مرسل من الآب، وأن عليهم جميعاً أن يؤمنوا به لتكون لهم الحياة.
على هذه التعاليم القيمة يطوي المؤلفون صفحات الباب الثالث للكتاب ليفتحوها على باب التطويبات دون أية إشارة إلى الإرتباط القائم بين عجائب السيد المسيح وحدث قيامته العجيبة اْلذي يعطي هذه العجائب معناها الصحيح. هذا ما نجده موسعاً في الكتاب الجديد "التقي بيسوع"، في اللقاء السابع عشر.
النموذج الخامس: عجائب يسوع والحياة الجديدة.
1) الهدف: أن يفهم التلميذ ان القيامة مفتاح ويكشف عن المعنى الحقيقي لأعجوبة خروج الشعب من أرض مصر، وأن يدرك مدى العلاقة بين القيامة وعجائب يسوع، وبين القيامة والعجائب المستمرة في الكنيسة.
2) خطوات اللقاء:
- حدث حياتي، وأسئلة، وتدوين أجوبة.
- القيامة وعلاقتها بخروج الشعب من مصر: إن خروج يسوع من القبر يذكّرنا بخروج شعب الله من أرض مصر، وهو رمز لقيامة المسيح مع كل ما تحمّل من أجل خلاصي. إنه خروج الشعب من الموت إلى الحياة، وتجسيد لمحبة الله التي لا تكتفي بأن تنقله من أرض إلى أخرى، إنّما تسعى إلى إحياء ما في قلبه من جوانب ميتة ونقل قلبه من حالة الظلمة إلى حالة النور.

الأضواء التي تسلطها القيامة على عجائب يسوع
أ- قيامة يسوع عمقّت إيمان الرسل بشخصه وشهرت عجائبه: "يا رجال إسرائيل، إن يسوع الناصري الذي أيّده الله لديكم بما أجرى عن يده بينكم من المعجزات والأعاجيب... أقامه الله وأنقذه من أهوال الموت" (أعمال 2/ 22).
ب- القيامة جعلت الرسل يشهدون جهاراً للمسيح ولمحبته للبشر التي ظهرت من خلال عجائبه: تسكين العاصفة، السير على المياه، الولد المصاب...
ج- القيامة أعطت الكنيسة القدرة على قراءة الآيات وفق إيحاءات الروح المتنوعة: "وأما قائد المائة والرجال الذينٍ معه يحرسون يسوع فإنهم لمّا رأوا الزلزال وما حدث، خافوا خوفاً شديداً وقالوا: "كان هذا إبن الله حقاً" (متّى 27/ 54).
د- القيامة أعطت الناس الذين عاشوا مع المسيح الإِيمان ليعترفوا جهاراً أنه إبن الله حقاً.

القيامة والحياة الجديدة: القيامة والصعود- القيامة والعنصرة.
1) في ضوء القيامة لا بدّ من أن نرى في صعود المسيح، وهو خروجه من هذا العالم إلى الآب، فعل محبة غايته منح المؤمنين نعمة التمتع بالحياة ورؤية مجد الآب: "وأنا ان ارتفعت عن الأرض جذبت إليّ الجميع" (يو 12/32). ما هو هذا المجد؟
- هو قدرة الله على غفران الخطايا: ولقيه يسوع في الهيكل فقال له: "قد تعافيت فلا تعد إلى الخطيئة لئلاَّ تصاب بأسوأ" (يوحنّا 5/ 14) بهذا الغفران يتمتع الإنسان.
- هو القدرة على إرواء الجوع والعطش الروحيين: "أنا خبز الحياة من يقبل إليّ فلن يجوع، ومن يؤمن بي فلا يعطش أبداً" (يوحنّا: 6/ 35). وسيفرح المؤمن بهذا الإرتواء.
- إنه نور الآب الذي يتمتع به الإبن والذي نراه من خلال أعمال يسوع: "ما دمت في العالم فأنا نور العالم" (يوحنّا: 9/ 5).
- إنه إتحاد الإبن والآب كما عاشه المسيح على الأرض وأثبت حقيقته من خلال أعماله فأعطى المؤمن أن ينعم بهذا الإتحاد: "إن أحبني أحد حفظ كلامي فأحبه أبي ونأتي إليه فنجعل لنا عنده مقاماً" (يوحنّا: 14/ 23).
2) أعجوبة العنصرة هي من أجمل ثمار القيامة. كان لها من القوة والفاعلية ما جعل التلاميذ يحظون بسلطان المسيح على صنع العجائب.
الحياة الجديدة هي حياة العنصرة المستمرة في الكنيسة والتي تتجلّى بمحبة القديسين العمالقة وبتوبة المؤمنين المستمرة، وكلّها إشارات إلى إستمرارية العجائب.

الخاتمة
1) أعجوبة لا معجزة: نلاحظ في الكتابين الرسمي والخاص أن واضعي المنهاج آثروا كلمة عجائب، أعجوبة، على كلمة معجزة. وهذا اختيار إيجابي لأنه يغيّر تماما ما اعتقدناه طويلاً بأن العجائب اختراق لقوانين الطبيعة. فعندما يقوم الله بعجيبة (أو يسمح بها) فإنه لا يخترق القوانين التي وضعها هو نفسه، بل يستخدمها: فالعجيبة تغيّر، تكثّر، وتشفي، لكنّها لا تخلق. إنها تسمو على قوانين الطبيعة، لكنّها لا تخترقها. ومن هنا نفهم أن المعجزة هي عمل خارق يعجز البشر على أن يأتوا بمثله. أما العجيبة فليست مجرّد عمل خارق. إنما هي الإشارة إلى ما يثيره العمل الخارق في الإنسان من تعجب وتساؤل، وهي تدعو إلى الانتقال من واقع الحدث إلى ما قبله وإلى ما بعده، وإلى الإستفسار عن معناه، عن مصدره، وعن هدفه. فمع التعجب يوضع المشاهد المؤمن في موضع الحوار في حين أن المعجزة تُفحمه وتضعه في موضع الصمت. فالعجيبة ليست برهاناً بقدر ما هي آية وعلامة لإشارة.
2) الأعجوبة والايمان
للإيمان دور أساسي في الحصول على الأعجوبة. لقد وردت في العديد من العجائب عبارة "بحسب إيمانك" (متّى: 8/ 13؛ 9/29؛ 15/28) وهي تربط بين الطلب وكلام الشفاء. يظهر الإِيمان في الطلب فيلبّيه يسوع بكلامه الشافي: "ليكن لك بحسب إيمانك". وغالباً ما يظهر هذا الإِيمان إشتراكاً في قدرة المسيح العجائبية: أي الإِيمان الذي ينقل الجبال (متّى 17/ 20- 21). هذا الإِيمان لا يأتي بعد الأعجوبة، بل يسبقها لأنه إتكال على القدرة العجائبية ودافع إلى التقرب من يسوع بالرغم من العقبات التي تعترضه.
وهل العجائب غريبة عن عالمنا ما دام هناك إيمان وطيد بأن الرب هو صانع المعجزات فينا؟

3) العجائب والملكوت والحياة الجديدة
"ملكوت الله في داخلكم".
هذا الملكوت تعيشه اليوم الكنيسة بواسطة الأسرار التي ترافق حياة المسيحي منذ ولادته الأولى بالمعمودية إلى عبوره إلى الحياة الخالدة مزوداً بنعم الخلاص. فكل ارتداد إلى الله، وكل فعل محبة يبني الإنسان الحي الذي يمجّد الله. وكل عمل إنساني أو رسولي يقرب الإنسان من أخيه الإنسان ومن الله هو خطوة نحو الملكوت وتجسيد لخلاص الله فينا وبنا.
كلّنا نحمل بذور هذا الملكوت في آنية خزفية، ونحن معرضّون دوماً للعواصف وتلاطم الأمواج على سفينتنا في بحر هذا العالم. لكن الرب يسوع يقول لنا اليوم: "لا تخافوا أنا هو". فالأعجوبة الكبرى التي صنعها يسوع تدلّنا على أنه مقيم معنا: "ها أنا معكم حتى إنقضاء الدهر" (متّى: 28/ 20).
لقد جعل نفسه غذاء لنا في سر الافخارستيا. هو حاضر يغذّي كرمته لتعطي ثماراً أكثر وتكون لها الحياة أوفر. ثم انه أعطانا روحه القدوس ليقيم معنا فننتقل من حياة بشرية إلى حياة أبناء الله.

 
الفصل السادس والعشرون الإنجيل والقرآن بطرس مراياتي
الفصل السادس والعشرون
الإنجيل والقرآن
بطرس مراياتي
مطران حلب وتوابعها
للأرمن الكاثوليك

القسم الأول: العلاقة بين الإنجيل والقرآن.
إذا قرأت القرآن تجد فيه كلمة "إنجيل" إثنتي عشرة مرة في ست سور:
- "وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى الناس" (3 آل عمران 3).
- "ويعلّمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل" (3 آل عمران 48).
- "يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلاّ من بعده أفلا تعقلون" (3 آل عمران 65).
- "وقفينا على إثرهم بعيسى إبن مريم مصدّقاً لما بين يديه من التوراة وآتينا الإنجيل فيه هدى ونور" (5 المائدة 46).
- "وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومز لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون" (5 المائدة 47).
- "ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمّة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون" (5 المائدة/ 66).
- "قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتّى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل اليكم من ربكم" (5 المائدة 68).
- "إذ قال الله يا عيسى إبن مريم أذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيّدتك بروح القدس تكلّم الناس في المهد وكهلاً وإذ علّمتك الكتابة والحكمة والتوراة والإنجيل" (5 المائدة 110).
- "الذين يتبعون الرسول النبي الأميّ الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر" (7 الأعراف 157).
- "وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله" (9 التوبة 111).
- "ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار" (48 الفتح 29).
- "وقفينا على إثرهم برسلنا، وقفّينا بعيسى إبن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعون رأفة ورحمة" (57 الحديد 27).
هذا وتجد في القرآن آيات عديدة في مختلف السور تشير إلى الإنجيل دون ذكر إسمه مباشرة. مثال على ذلك: "قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل واسحق ويعقوب والاسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيّون من ربّهم لا نفرّق بين أحد منهم ونحن له مسلمون" (2 البقرة 136).
وقد استخدم القرآن أكثر من خمسين مرة كلمة "كتاب" للدلالة على الإنجيل. "قال (عيسى): إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً" (19 مريم 30).
ويفسر المسلمون كلمة "إنجيل" كما يفسرها المسيحيون. فهي لفظ يوناني "ايفانغليون" معناه البشرى أو البشارة. ثم أطلقت الكلمة واستعملت للدلالة على كتاب المسيحيين المقدّس، وفي هذا المعنى وردت في القرآن لتدل على كتاب عيسى الذي أنزله الله عليه، كما أعطى موسى التوراة ومحمداً القرآن.
بعد هذه المقدمة نسعى إلى البحث عن مكانة الإنجيل في القرآن ثم نتطرق إلى موقف القرآن نفسه من الإنجيل، ومن ثمّ نعرض ملخصاً لمواقف المفسّرين المسلمين من الإنجيل، لكي نصل في نهاية القسم الأول من دراستنا إلى رسم لوحة موضوعية عن الإنجيل في عرف القرآن والمسلمين دون الدخول في بحث علمي أو نقاش ديني.

1- الإنجيل في القرآن
إليكم أهم ما يلفت إنتباه دارس الإنجيل وهو يطالع القرآن:
أ- إحتفظ القرآن بكلمة "إنجيل" بلفظها ومعناها الأجنبي اليوناني ولم يعرّبها، لأنها كانت مستعملة بشكل عام قبل نزول القرآن للدلالة على كتاب المسيحيين (دروزة القرآن ص 55).
2- جاء ذكر الإنجيل في معظم الآيات مرتبطاً بالتوراة التي تسبقه.
3- الإنجيل كما جاء ذكره في القرآن هو كتاب عيسى إبن مريم حصراً.
4- إنّ الله عز وجل هو الذي أنزل الإنجيل وفيه هدىً ونور.
5- غالباً ما يدعو القرآن اليهود والمسيحيين مجتمعين أو منفردين "بأهل الكتاب".
"لا تجادلوا أهِل الكتاب إلاّ بالتي هي أحسن" (29 العنكبوت 46).
6- سمّى القرآن المسيحيين خاصة بأهل الإنجيل.
7- يستخدم القرآن كلمة (الإنجيل) بصيغة المفرد ولا يذكر كلمة "أناجيل" بصيغة الجمع مطلقاً. ولا يتعرّف على سائر أسفار العهد الجديد.
8- لا يذكر القرآن الحواريين سوى خمس مرات ولا ينسب إليهم كتابة إنجيل أو أناجيل أو رسائل.
9- وردت في القرآن أسماء شخصيات إنجيلية وأسماء أشخاص من العهد القديم ذكرها الإنجيل، وأسماء مذكورة في الأناجيل المنحولة مثل:
زكريا- يحيى (يوحنّا) آل عمران (يواكيم)
مريم- عيسى- آدم- نوح
ابراهيم- اسحق- يعقوب- موسى
داوود- سليمان- الياس- يونس (يونان)- هارون- أيوب...
10- إن القرآن خصّ عناوين بعض السور بأسماء ومواضيع كتابية مثل: آل عمران- المائدة- مريم- القيامة- يونس- يوسف- إبراهيم- الأنبياء- التوبة- النور- الملك- نوح- الأعلى- الزلزلة...
11- يذكر القرآن أحداثاً إنجيلية مثل: بشارة زكريا بيحيى وبشارة مريم وميلاد عيسى وعجائب المسيح: "واتينا عيسى إبن مريم البينات وأيّدناه بروح القدس" (2 البقرة 87 و 253) "وأُبرئ الأكمه والأبرص وأُحييي الموتى بإذن الله" (3 آل عمران 42- 64).
12- يتوسّع القرآن في عرض بعض الوقائع المذكورة في الأناجيل المنحولة مثل: قصة آل عمران وإمرأته (يواكيم وحنة)، وميلاد مريم البتول (إبنة عمران)، ويذكر معجزات عيسى "ويكلّم الناس في المهد وكهلاً ومن الصالحين... ورسولاً إلى بني إسرائيل إني قد جئتكم بآية من ربّكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله... (13 آل عمران 42- 64).
13- نجد في القرآن بعض المصطلحات والتعابير الدينية المتشابهة مع النصوص الإنجيلية مثل: الملائكة- السماء- جهنم- الجحيم- الصلاة- الصدقة- الأجر- اليوم الأخير- الفصل بين الأبرار والأشرار...
14- ذكر القرآن مثلاً مأخوذاً عن الإنجيل وهو مثل حبة الخردل: "ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع" (48/ 29) ووجد الدارسون في القرآن أمثالاً وآيات أخرى متشابهة مع الإنجيل.
15- يرفض القرآن رفضاً قاطعاً المواضيع الإنجيلية المتعلقة بألوهية المسيح أو ببنوّته لله أو بصلبه.

2- موقف القرآن من الإنجيل
من يطالع القرآن يجد فيه موقفين مزدوجين:
أولاً: نلاحظ أنّ القرآن يطلب من أتباعه أن يؤمنوا بجميع الكتب التي نزلت قبله على أنبياء الله ورسله:
صحف إبراهيم، وتوراة موسى، وزبور داوود، وإنجيل عيسى: "قل آمنّا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على ابراهيم واسماعيل واسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبّيون من ربهم لا نفرّق بين أحد ومنهم ونحن له مسلمون" (3 آل عمران 84، 2 البقرة 136 وأيضاً 2 البقرة 285 و 14 النساء 163).
ثانياً: يقابل هذا الموقف الإيجابي موقف آخر سلبي إذ إننا نقع على آيات عديدة يهاجم فيها أهل الكتاب فيقول: "يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين" (5 المائدة 15).
وهناك آيات يوبّخ فيها اليهود والنصارى لأنهم حرّفوا وزوروا كتبهم المقدسة ملبسين الحقيقة ثوب الباطل: "لا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون" (2 البقرة 42 و 3 آل عمران 71).
كما أنّه يتهمهم بتحريف ألفاظ كلمات الكتاب ليوهنوا للناس أن ما يقولونه موجود حقيقة: "وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب، ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون" (3 آل عمران 78 وأيضاً 5 المائدة 14).
نكتفي بالإشارة إلى هذين الموقفين المتناقضين في القرآن وننتقل إلى موقف المسلمين من الإنجيل لنفهم أيضاً كيف يفسّرون هذا التناقض الظاهر في موقف القرآن.

3- موقف المسلمين من الإنجيل
مما لا شك فيه أن موقف المسلمين من الإنجيل لا يمكن أن يكون مخالفاً لموقف القرآن. ولكنّهم في معظم الأحيان يعتمدون على المفسرين الذين بدورهم يستندون إلى الأحاديث النبوية ومصادر أخرى لشرح هذه المواقف التي تتأرجح بين التشدّد والإعتدال، ولكنّها تلتقي في المواضيع الجوهرية.
نكتفي بعرض المبادئ دون الدخول في النقاش:
1- الإنجيل هو كتاب النصارى. ويفسّر المسلمون معنى كلمة "كتاب" شرعاً بأنه كلام من كلام الله تعالى فيه هدى ونور يوحي الله به إلى رسول من رسله ليبلّغه للناس. فكلمة كتاب تشمل إذن كل ما أوحى به الله لفظاً ومعنى وكتابة مهما اختلفت اللغات التي نزل فيها (حبنكة ج 2 صفحة 253).
2- إلاَّ أن جميع هذه الكتب كانت تستمدّ معلوماتها من نبع واحد هو الكتاب الكبير أو اللوح الكبير المحفوظ في السماء. وليس هذا اللوح المحفوظ في الحقيقة سوى القرآن ذاته: "بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ" (85 البروج 21- 22).
3- يميّز المسلمون بوضوح بين كتاب يسموّنه "إنجيل عيسى" والأناجيل الأربعة المتداولة في الأوساط المسيحية. فهم يؤكّدون بالإجماع أن هذا الإنجيل قد نزل على عيسى من عند الله، فهو كتاب الوحي الإلهي إذّ لا بدّ لكل مرسل أو نبيّ من كتاب: "كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيّين مبشّرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه" (2 البقرة 213).
4- ويؤكدون أيضاً أن إنجيل عيسى المذكور في القرآن، وهو الأصل الإلهي، قد ضاع وفُقد. أمّا الأناجيل المعتمدة من قبل المسيحيين فليست الإنجيل الذي يستشهد به القرآن، فهم يطالبون دائماً وتكراراً "بإنجيل عيسى". ولا يصحّ بنظرهم الإعتقاد بأي كتاب من العهدين القديم والجديد على أنه كتابٌ من عند الله أو أنه يحوي الوحي الإلهي.
5- يفهم المسلمون دعوة القرآن إلى الإيمان بالكتب التي سبقته فقط من حيث العقيدة ذاتها التي يعترف بها القرآن، وتلخص بتوحيد الله والإخلاص له وبآيات الأخلاق "فهذه الأسس لا تختلف باختلاف الرسل والأمم" (حبنكه ص 270).
6- أما سبب رفض المسلمين للأناجيل الأربعة فيستند على رأيهم بأنها غير منزلة من الله بل هي تأليف الحواريين. والحواريون هم الصالحون وأنصار المسيح ولكنّهم ليسوا من الأنبياء، لذلك فهم ليسوا بمعصومين وليسوا أيضاً رسل الرب، بل تلاميذ أرسلهم لكي يبشروا بما ورد في إنجيله. لذا فهذه الأناجيل هي عبارة عن ذكريات أو كتب تتحدث عن حياة وأعمال وتعاليم المسيح، فهي ليست سوى أعمال بشرية محضة، وليست كما يدّعي المسيحيون كتباً دوّنت بإلهام الله، ولا تحوي كل ما ورد في إنجيل عيسى.
7- كما يشكك معظم المسلمون بصحة وتاريخية الأناجيل الأربعة وخاصة إنجيل يوحنّا. وإذا اعتمدها بعضهم فما ذلك إلاّ للكشف عن الآيات التي بحسب رأيهم، تشير إلى أنّ المسيح ليس إلهاً، أو إلى أنّ الروح القدس "الفراقليط" هو محمد.
8- إن تشكيك المسلمين بالأناجيل الأربعة يستند أيضاً إلى إنقطاع التواتر بين الإنجيليين (مرقس ولوقا) والمسيح. وعلاوة على ذلك يقولون إن هذه الأناجيل ملأى بالإختلافات والتناقضات من حيث المكان والزمان ورواية الحدث الواحد وللبرهان على أقوالهم يعمدون إلى مقارنة النصوص الإنجيلية فيما بينها.
9- هذا ويتّهمون المسيحيين بأنهم حرّفوا وزوّروا وبدّلوا الكتب المقدسة كما يؤكّدون أنهم قد محوا وأخفوا وحوّروا كل ما يتعلق برسالة محمد: "يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا بيّن لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير. قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين" (5 المائدة 15).
ولكي تُعتبر هذه الكتب مقبولة، لا بدّ من أن تشمل نبوءة مجيء محمد المرسل إلى الناس كافة كما ذكر القرآن: "الذي تجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر". (7 الأعراف 157).
10- إنّ معظم المسلمين يثقون بإنجيل برنابا أكثر من الأناجيل الأخرى لأنه يذكر محمداً ويتماشى مع الأفكار الواردة في القراّن.
11- ولكننا نجد بعض المسلمين المعتدلين الذين قبلوا تاريخية الأناجيل واعتمدوا النصوص باحترام بالغ، ولكنّهم ظلّوا في نطاق علم التاريخ أو التأمل الشخصي، ولم يقبلوا بأنها ملهمة أو أنّها تحوي الوحي الإلهي. (أمثال عباس محمود العقاد وخالد محمد خالد).
12- إن الكتّاب الروائيين المسلمين الذين كتبوا سيرة المسيح لجأوا إلى الأناجيل المحرّفة غير القانونية أيضاً، واعتبروها على قدم المساواة مع الأناجيل القانونية. (أمثال عبد الحميد السّحار).
13- إنّ جميع المفسرين المسلمين ينتهون إلى إعتبار القرآن الكتاب الأوحد لأنه يحوي الوحي الإلهي بأجمعه الذي أعطي إلى الأنبياء لأنّ دين الله واحد، وهو يفوق جميع الكتب السابقة، لا بل ينسخها لأنه "خاتم النبوة".
14- وبالنسبة لهم يبقى القرآن الميزان الثابت والمعيار الأوحد لقبول أو رفض أي نص من الكتاب المقدّس، وإليكم القاعدة التي يتبناها المسلمون: "إنّ مضمون كل نص من نصوص كتب أهل الكتاب الحالية سواء أكانت خبراً تاريخياً أو حقيقة علمية أو حكماً شرعياً، إن صدّقه القرآن أو صدّقته السنة فهو مقبول عندنا يقيناً، وإن كذّبه القرآن أو كذّبته السنّة فهو مردود عندنا يقيناً، وإن سكت القرآن وسكتت السنّة عن تصديقه أو تكذيبه فإننا نسكت عنه، فلا نصدّق ولا نكذّب لاحتمال الصدق والكذب فيه إلاّ إذا دلّت دلائل العقل أو دلائل الواقع على تصديقه أو تكذيبه فاننا نتبع حكم هذه الدلائل من تصديق أو تكذيب" (حبنكه ص 296).

4- موقف المسيحيين
بعد أن عرضنا مواقف القرآن والمسلمين من الإنجيل، والتي تتأرجح بين التشدّد والإعتدال، نتساءل عن ردة الفعل لدى المؤمنين المسيحيين.
من البديهي أن تكون ردة الفعل في الطرف المسيحي موازية من حيث التشدّد والإعتدال. ونستطيع أن نلخص المواقف المتعلّقة بدراسة الإنجيل والقرآن في ثلاثة تيارات:
1- تيار يدافع عن صحة الإنجيل وتاريخيته، ويدحض كل الإتهامات الموجهة ضد العقائد المسيحية فمثل الثالوث الأقدس والتجسد والفداء منزّهاً إياها من الشرك، ومؤكّداً وحدانية الله، لا بل يقدم براهين من القرآن نفسه تثبت ألوهية المسيح "كلمة الله وروح منه" (راجع كتابات دره الحداد وغيره).
2- تيار يشكك في تنزيل القرآن وأصالته، فيخضعه للنقد العلمي والأدبي واللغوي والتاريخي ويدرسه في إطار البيئة التي نشأ فيها، ويبحث عن مصادره على ضوء علوم مقارنة الأديان. وقد ذهب بعض الباحثين إلى القول: إن الإسلام هرطقة مسيحية أو شيعة إبراهيمية. ومنهم من توصل إلى أبعد من ذلك فرأى القس (ورقة بن نوفل) وراء النبي (محمد)، والإنجيل العبراني (وسائر الكتب الدينية السابقة) وراء القرآن العربي، والنصرانية (الأيبيونية خاصة) وراء الإسلام. (راجع كتابات الحداد وأبو موسى الحريري وغيرهم).
3- تيار معتدل يتحاشى التجريح والتحدّي فيدرس نصوص القرآن والأحاديث النبوية باحترام ويعرض العقائد الإسلامية بشكل موضوعي تاريخي دون الدخول في نقد أو نقاش، وذلك بغية التقارب والحوار الإسلامي المسيحي. (راجع كتابات يواكيم مبارك- ميشال حايك- جورج قنواتي- منير خوام- وغيرهم). هذا لا يعني أنّهم يعترفون بوحي القرآن وتنزيله.
إنطلاقاً من هذا التيار الأخير ظهرت في السنوات الأخيرة مدرستان هدفهما البحث العلمي في تفسير الإنجيل والقرآن سعياً وراء فتح أبواب جديدة للدخول في حوار بين المسلمين والمسيحيين:
1- مدرسة تفسيرية بلاغية: لا تهدُف هذه المدرسة إلى المقارنة بين معاني النصوص المتنوعة الإنجيلية والقرآنية والنبوية، بقدر ما تهدف البحث عن مقومات بلاغية وتأليفية مشتركة في نصوص تنتمي كلّها إلى تراثٍ سامي أصيل واحد على مستوى الشكل والأسلوب. وقد حمل ذلك الباحثين على الإعتقاد أن ما يجمع بين هذه النصوص (الكتاب المقدّس والحديث النبوي الشريف) العائدة إلى أزمنة مختلفة هو نوع فريد ومبتكر من البلاغة تتميز إلى حد بعيد في أنماطها وأساليب تعبيرها عن البلاغة اليونانية/ اللاتينية التي يعتمد عليها معظم البحّاثة الغربيين. (راجع دراسات أهيف سنو ونائلة فاروقي ولويس بوزيه ورولان مينية من جامعة القديس يوسف، في "المشرق"، العام 1991- صفحة 283، و"المشرق"، العام 1992- صفحة 95).
2- مدرسة تفسيرية لاهوتية: لا تهدُف هذه المدرسة أيضاً إلى المقارنة بين الإنجيل والقرآن للبحث عن التشابه والتقارب والصلات والمصادر المشتركة، وإنما تهدف من خلال دراستها للنصوص الكتابية والقرآنية (خاصة القصص وسير الأنبياء)، الى إبراز البعد اللاهوتي الذي يقودها فيميّزها ويعطي لكل كتاب لحمته الداخلية وتماسكه، مما يظهر أصالته الفريدة (راجع كتابات "أرنلذز" ودراسة أنطوان اودو حول قصة يوسف في: PROCHE ORIENT CHRETIEN, T. XXXVII, 1987, P.268
ولما كنّا نعتقد أن هذه التجربة الأخيرة هي الأنجح وأن هذا الأسلوب هو الأنجع لدراسة قصص الإنجيل والقرآن، في سياق الكلام والإطار الديني الذي وجدت فيه، فإننا نحاول تقديم دراسة تحليلية لرواية بشارة مريم، من حيث الأبعاد اللاهوتية التي تخضع لها النصوص.

القسم الثاني: رواية بشارة مريم في الانجيل والقرآن
ينفرد القديس لوقا بالحديث عن البشارة نسبةً لبقية الانجيليين (لوقا 1/ 26-38)، أما القرآن فيروي لنا بشارة مريم العذراء بيسوع (عيسى) في سورتين هما 3 آل عمران (45-49) و 19 مريم (16- 21) ويبدو أن النص الثاني أي سورة مريم المكيّة هو أقدم من الأول.

أ- تشابه واختلاف
من يقرأ النصوص لأول وهلة يجَد تشابهاً كبيراً بينها:
1- الشخصيات الاساسية في الرواية واحدة:
أ- مريم: وهي فتاة اصطفاها الله فبقيت عذراء طاهرة لم يمسها رجل. ويرجح مفسرّو الإنجيل أن يكون معنى هذا الاسم "السيدة". اما مفسرو القرآن فيقولون: معناه: "العابدة"، هذا وقد ورد اسم مريم في أحداث إنجيلية أخرى من حياة يسوع، أمّا في القرآن فلا تُذكر إلاّ في روايات طفولته.
ب- الملاك جبرائيل: وهو المرسل من قبل الله ليخاطب مريم ويبشّرها بمهمّة سامية. وقد أجمع مفسرو القرآن على أن "الملائكة" و"الروح" الذي تمثّل بشراً ما هم إلاَّ الملاك جبرائيل نفسه.
2- الرسالة التي بلغها الملاك واحدة: إنّ مريم ستكون أم المسيح عيسى وذلك بصورة عجائبية دون تدخّل البشر.
3- تسلسل الرواية واحد:
أ- ظهور الملاك: الإنجيل لا يشير إلى ظهور جسماني للملاك، أمّا في سورة مريم القرآنية فهو على شكل البشر.
ب- اضطراب مريم: في الإنجيل سبب الاضطراب يعود إلى معنى السلام والكلام، أمّا في القرآن فهو مرتبط بحضور رجلٍ غريب.
ج- الملاك يبلّغها الرسالة: ولكن يسبق ذلك في سورة مريم القرآنية أنّ الملاك يعرّف بنفسه "أنا رسول ربّك".
د- استفسار مريم البتول عن كيفية الحبل: في الإنجيل استفسار يدّل على أنّها لم تكن تعتزم الزواج وأنها نذرت البتولية "لا أعرف رجلاً". أمّا في القرآن فالاعتراض يأتي من حيث الاخلاق والشرف "لم يمسني بشر ولم أك بغيا".
هـ- الحبل المعجزة: يشدّد الإنجيل على أصل يسوع الإلهي من خلال حبله وولادته العجائبية بينما القرآن يرى في ذلك قدرة الله فقط "لنجعله آية للعالمين".
4- الاسلوب الأدبي متشابه: من حيث سرد الحدث والتعبير، إلاّ أن الإنجيل يقدّم رواية البشارة متحدثاً عن الله بصيغة الغائب وكأنّه يحكي قصة عنه. أمّا في سورة آل عمران القرانية فالله هو يملي الحدث وهو الذي يبشّر. وفي سورة مريم، بالاضافة إلى كون الله هو المتكلم "اذكرْ في الكتاب... أرسلنا.."، تجدر الاشارة الى أسلوب السجع المقفّى الرائع الذي يمتاز به النص.
5- الفن القصصي متشابه أيضاً من حيث الشخصيّات والحوار، ولكن قد يختلف النّص القرآني عن الانجيل في سياق الرواية ليصبح أكثر شبهاً مع الأناجيل المنحولة: "الرزق في الهيكل- ملاك في هيئة بشير- يكلم الناس في المهد- يخلق من الطين كهيئة الطير..." هذا وإنّ الأحاديث النبوية التي تذكر رواية البشارة هي أقرب الى الأناجيل المنحولة. ولكننا في دراستنا لن نعتمد الأناجيل المنحولة او الأحاديث النبوية، إنما نكتفي بالنصوص الإنجيلية الرسمية والآيات القرآنية. نخلص الى القول بأن الشبّه واضح بين رواية البشارة في الإنجيل والقرآن بالرغم من الاختلافات الظاهرة البسيطة. ولكن لما كان هدفنا ليس مقارنة النصوص وإنما البحث عن النظرة اللاهوتية الكامنة وراء النصوص، فإننا ننتقل الآن إلى عرض هذه المفاهيم اللاهوتية التي تُظهر الاختلاف في الرؤية الدينية الجوهرية.

ب- الأبعاد اللاهوتية:
بعد أن قرأنا النصوص في بنيتها الخارجية من حيث الرواية ومضمونها وشخصياتها وفنّها الأدبي، نحاول الآن الدخول في عمق النص محافظين على وحدته وقرائنه مع سائر النصوص، ونهدف من ذلك استنباط الفكر اللاهوتي الخاص بكل كتاب.

1- هدف البشارة
أ- في الإنجيل
إذا سألنا النص الإنجيلي عن هدف البشارة: لماذا أرسل الله الملاك جبرائيل؟
يكون الجواب: لكي يبشر مريم بمجيء المخلص. ويتضح ذلك من أسم المبشَّر به: "يسوع" أي "الله يخلّص". ويؤكّد ذلك إنجيل متّى حيث جاء فيه: "سمِّه يسوع لأنه يخلّص شعبه من خطاياهم". والجميع يعلم أن الإسم الذي يعطيه الله لأيّ شخص في الكتاب المقدّس له أهمية كبيرة من حيث الرسالة الموكلة إليه. هذا وإنّ الأحداث التالية في الإنجيل تثبت هذا الهدف الخلاصي من مجيء يسوع.
وإذا تابعنا السؤال وقلنا: من هو هذا المخلص المبشَّر به؟
يجيب إنجيل البشارة: هو "ابن الله العلي". ويؤكّد ذلك متّى الإنجيلي: "تلد ابناً يدعي عمانوئيل أي الله معنا". وجاء في مطلع إنجيل مرقس: "بدء بشارة يسوع المسيح ابن الله" ويقول يوحنا الرسول: "فرأينا مجده، مجد الإبن الوحيد الذي أتى من لدن الآب" (يو 1/ 14).
ولا بد من متابعة سؤال نص البشارة الإنجيلي: كيف يولد ابن الله؟
ويأتي الجواب: لكونه ابن الله فسيولد بصورة عجائبية من فتاة عذراء التي ستحبل به دون رجل وبقوّة الروح القدس. ولذلك نالت مريم حظوّةً عند الله وكانت ممتلئة نعمة.
وهكذا يتضح لنا أن هذا النص هو ملخّص لأهم العقائد المسيحية: أسرار التجسد والفداء والثالوث الأقدس.
1- سر التجسد: "فلما تمّ الزمان أرسل الله وابنه مولوداً لامرأة، مولوداً في حكم الشريعة" (غل 4/ 4). "ومع أنّه في صورة الله لم يعدّ مساواته لله غنيمة بل تجرّد من ذاته وصار على مثال البشر وظهر في هيئة انسان" (فل 2/ 8). "والكلمة صار بشراً وسكن بيننا" (يو 1/ 14)
"إنّ الله بعدما كلم الآباء قديماً بالأنبياء مرات كثيرة، كلمنّا في آخر الأيام هده بأبن جعله وارثاً لكل شيء وبه أنشأ العالمين" (عبرانين 1/ 1).
2- سر الفداء: "إن الله أحب العالم حتى إنّه جاد بأبنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية" (يو 3/ 17). "فلا خلاص بأحد غيره. لأنه ما من أسم آخر تحت السماء أطلق على أحد الناس فنالت به الخلاص" (رسلٍ 4/ 12 ، 5/ 31، 13/ 23). "إن الذي أسلمه الى الموت من أجلنا جميعاً، كيف لا يهب لنا معه كل شيء" (راجع الرسالة الى أهل روما 8/ 31 الخ).
3- سر الثالوث الأقدس: في النص الإنجيلي إشارة واضحة الى الثالوث الأقدس: الله العلي- ابن الله- الروح القدس. وهذا التأكيد هو صدى لسائر النصوص في العهد الجديد. وجاء في آخر إنجيل متّى: "إذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم بأسم الآب والإبن والروح القدس".
ب- في القرآن
إن سألنا نصوص القرآن: لماذا أرسل الله الملاك؟
يكون الجواب لكي يبشّر مريم بغلام زكي اسمه المسيح عيسى. فهو طفلٌ ذكر، ويكون زكياً أي طاهراً من كل الذنوب وصالحاً، أو نبياً، أو نامياً على الخير، يترقّى سنة بعد سنة على الخير والصلاح، لأن كلمة "زكياً" تشمل الزيادة الحسية والمعنوية. فلا نجد في رسالة المبشَّر به ما يشير الى الخلاص، حتى إن تعريب إسم "يسوع"، "بعيسى" أفقده معناه الخلاصي.
وإذا تابعنا السؤال وقلنا: من هو هذا الغلام الذكي المسيح عيسى ابن مريم؟
فيجيب القرآن: هو "كلمة الله وروح منه ألقاها إلى مريم." ولكن عبارة "كلمة" بنظر المفسّرين لا تعني شخصية إلهية “LOGOS” وإنما سميّ المسيح "بالكلمة" لأنه كان بكلمةٍ من الله، أي بغير واسطة أب او مادة معتادة، وهو قوله: "كن فيكون". ويؤكّدون ذلك استناداً الى الآية: إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون (3/ 59). "فكلمة الله" هي كلمة "كن" الخالقة والمخلوقة.
وعبارة "روح منه" لا تعني ذات الله او الروح القدس، إنما المقصود من الروح في القرآن، كما يقول المفسرون، هو إحياء أو خلق الروح فيه، أي إن الله أعطاه الروح التي هي مُلك الله والتي لا يعرف كنهها سواه وذلك ليدل أنّه خلق مباشرة بدون واسطة أب. ومن هنا استخدم القرآن عبارة "نفخنا من روحنا" للدلالة على الإحياء وإفاضة الروح. "والنفخ" يشير دوماً الى الخلق كما نفخ الله في آدم.
في هذه الحال لا نستطيع أن نسأل القرآن: كيف يولد ابن الله، فهو يعترف بألوهية "الكلمة". "الله لم يلد ولم يولد..". ولذلك نسأله: لماذا الحبل المعجز والميلاد المعجزة واصطفاء مريم وعيسى اللذين لم يمسّهما الشيطان؟ ويكون الجواب: "لنجعله آيةً للناس ورحمةً منا". ولكي "يعلّمه الكتب والحكمة والتوراة والإنجيل" "ومصدّقاً لما بين يديه .."
ومن هذه النصوص المتعلقة بالبشارة، رغم قصرها، تتضح لنا النظرة اللاهوتية من حيث التجسد والفداء والثالوث الأقدس.
1- المسلمون لا يقبلون بتجسد الله، إذ انهم يرون في ذلك مسّاً لجلال ومهابة الله. فهو يحطّ من قدره ويعارض وحدته ووحدانيته وسموّه ويُدخل في كيانه التغيير والتبديل، فالله لم يتخذ ولداً من جوهره ليكون وريثه. وهذا ما ورد أيضاً في الآيات التي تنفي امكانية وجود ولد لله في المعنى المطلق إذ ليس له حاجة: "بديع السماوات والارض أنىّ يكون له ولد ولم تكن له حاجة وخلق كل شيء وهو لكل شيء عليم". (6 الانعام 101).
2- المسلمون لا يقبلون بحقيقة الخلاص عن طريق وسيط بين الله والانسان. فقد صفح الله عن آدم بسبب توبته وأصبح آدم نبياً، وبذلك أصبح المثال الذي يجب اتباعه، فإن أخطأ الانسان فعليه بالتوبة والعودة الى خالقه أن يطلب الصفح ولن يتأخر الله عن العفو لأنه الرحمن الرحيم- فلا وجود لخطيئة موروثة لأن الله صفح عن خطيئة آدم، وانما التشديد يأتي على المسؤولية الفردية أي إن كل إنسان مسؤول عن أعماله الخاصة وهو وحده يتحمّل نتائجها. وهكذا يقوم القرآن بدور المخلّص اذ يدعو الناس الى التوبة. ومن هنا رفضهم للصلب والفداء. "الا تزر وازرة وزر أخرى وان ليس للانسان الا ما سعى" (53 النجم 38-17 الاسراء15).
3- المسلمون يرفضون رفضاً قاطعاً كل ما يوحي بحقيقة الثالوث الاقدس ولا يعطون لعبارة "كلمة منه" "وروحاً منه" أبعاد الالوهية، فهم يرفضون ألوهية المسيح وبنوّتَه لله وألوهية الروح القدس (الذي يخلطونه أحياناً مع مريم أم المسيح). ويستشهدون بهذه الآيات القرآنية: "يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله الا الحق.. لا تقولوا ثلاثة انتهوا خيراً لكم إنما الله واحد" (4 النساء171). "لقد كفر الذين قالوا إنّ الله ثالث ثلاثة وما من إله الا إله واحد" (5 المائدة 73). وكذلك قوله: "وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأميّ إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته" (5 المائدة 116).
وخلاصة القول إنّ هدف البشارة بالذات يختلف لاهوتياً في مفهوم الإنجيل والقرآن. فحيث الإنجيل يشير الى أنّ اصطفاء مريم وعصمتها عن الخطيئة وحبلها البتولي وولادتها المعجزة هي دليل على ألوهية المسيح، كلمة الله الازلي المتجسد بفعل الروح القدس، المولود غير المخلوق لأجل خلاص البشر، نجد القرآن لا يبتغي من عرض هذه الظواهر الخارقة سوى تأكيد وحدانية الله وقدرته المطلقة ورحمته الفائقة، ويختم الرواية بدعوة الانسان على لسان عيسى الى عبادة الله: "إنّ الله ربي وربّكم فأعبدوه هذا صراط مستقيم" (19/ 36).
هذه هي أهم الخلافات في المنظور اللاهوتي لرواية البشارة التي تظهر مباشرة من خلال مقارنة النصوص، ولكننا لا نكتفي بذلك، بل سننتقل الى خلافات أخرى ليست أقل أهمية، وهي تثبت أنّ لكل من الانجيل والقرآن مفاهيمه اللاهوتية الخاصة.

2- الزمان
أ- في الانجيل
1- يبدأ إنجيل البشارة بتحديد الزمان: "في الشهر السادس" أي الشهر السادس من حبل اليصابات بيوحنا. وكأنّ الله يدخل في تاريخ البشرية في زمان معروف وتوقيت محدد.
2- ويأتي نصّ البشارة مرتبطاً بالنص الذي يسبقه عن بشارة زكريا بيوحنا، وكأنيّ به همزة وصل بين الحدث السابق والحدث الذي سيتبع أَلا وهو مولد المسيح.
3- أضف الى ذلك أنّ ورود نص البشارة في بداية انجيل لوقا له أهميته فهي جزء من تاريخ زمني متسلسل ولا يجوز ايرادها في موضع متأخر.
4- وفي نصّ البشارة نفسه يظهر بوضوح الارتباط الزمني بين الماضي والحاضر والمستقبل:
- الماضي: مريم كسائر الشعب تنتظر ما تحدّث عنه الانبياء ولأجل ذلك نالت حظوة.
- الحاضر: يبشّرها الملاك ويحل عليها الروح القدس فتحبل.
- المستقبل: تلد ابناً- سيكون عظيماً- ويوليه الرب عرش أبيه داوود ولن يكون لملكه انقضاء.
فبالنسبة لإنجيل، الزمان المحدد والمتتالي له قيمة لاهوتية نابعة من سر التجسد، فلا عجب إذا وجدنا في الإنجيل او الرسائل التعابير التالية: لما تمَّ الزمان- "وفي تلك الأيام صدر أمر من اوغسطوس قيصر" "وجرى هذا الاحصاء إذ كان قيرينوس حاكم سوريا" "ولما انقضت ثمانية أيام" "وفي اليوم الخمسين...".

ب- في القرآن
أمّا في نصوص القرآن التي تتحدث عن البشارة فإننا لا نجد ما يشير الى الزمان. وكأنّ هذا الحدث لا علاقة له بزمن محدد. وحتى السورة التي ذُكرت فيها البشارة لا تشير الى علاقة زمنية مع السور السابقة او اللاحقة. فالمهم بالنسبة للقرآن هي الحقيقة، والحقيقة ليست في حاجة الى إطار زمني معيَّن لأنّ الله لا يحدّه زمان.
وثمة دراسة لأرنلدز يبيّن فيها أنّ أداة "إذ" الزمنية في القرآن "تكثّف الزمان في لحظة، وتفجّر خارج الزمان الحقيقة الدينية البحتة التي يريد الله أن يعلّمها".
ومن هنا يتضح لنا أنّ القرآن لا يعرف لاهوت الزمان من حيث الماضي والحاضر والمستقبل في مخطط الله، وإنما الزمان فيه هو ديمومة واستمرارية، هو زمان مطلق لا حدود له، فكيف يمكن للزمان أن يحد من أبدية الله.

3- المكان
أ- في الإنجيل
إنّ حدث البشارة كما يذكر انجيل لوقا، مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمكان، فقد تمّ ليس فقط في زمن محدد وإنما أيضاً في موقع جغرافي محدّد، وهي الناصرة إحدى مدن الجليل. فعندما يتجسد الله بين الناس فإنه يتكيّف مع بيئة معينة في محيط معروف.
إن للمكان قيمة ومعنى في الانجيل، لأن فيه تتحقق الوعود وفيه يتجلى تدبير الله الخلاصي.
وهذا التدبير له سلسلة من الاستعدادات والتحضيرات قام بها الانبياء في انتظار مجيء المخلص. فلا عجب إذا قرأنا في الإنجيل استشهادات كثيرة من أسفار الانبياء تؤكد أهمية المكان: "واستخبرهم أين يولد المسيح فقالوا له: في بيت لحم اليهودية، فقد أوحى الى النبي فكتب: وأنت يا بيت لحم أرض يهوذا، لست أصغر ولايات يهوذا فمنك يخرج الوالي الذي يرعى شعبي اسرائيل" (متّى 2/ 5) "ليتم مما قال الرب على لسان النبي: من مصر دعوت ابني" (متىّ 2/ 15)، فتم ما قال الرب على لسان النبي ارميا: "صوت سمع في الرامة بكاء ونحيب شديد" (متّى 2/ 17) "وجاء مدينة يقال لها الناصرة فسكن فيها ليتم ما قيل على لسان الانبياء، انه يدعى ناصرياً" (متّى 2/ 23) "وصعد يوسف ايضاً من الجليل من مدينة الناصرة الى اليهودية الى مدينة داوود التي يقال لها بيت لحم..." (لو 2/ 4). "وُلد لكم اليوم مخلص في مدينة داوود وهو المسيح الرب" (لو 2/ 11).

ب- القرآن
أمّا في القرآن فهذه النظرة اللاهوتية للمكان لا وجود لها. وكأن أسماء الأماكن والمدن والمعطيات الجغرافية غائبة تماماً. فالأحداث قد تحصل في كلّ مكان وفي أيّ مكان.
وهذا ما نكتشفه في نص البشارة القرآني، ففي سورة آل عمران لا ذكر للمكان مطلقاً، أما في نص سورة مريم فهناك إشارة واضحة الى "مكان شرقي"، ولكنّه يبقى مبهماً وليس له أي علاقة بموطن او ببلد معيّن، بل يشير الى مكان الصلاة باتجاه الشرق، أو المحراب، أو أنّها كانت في شرقي الدار او المحراب، وحتى حدث "تمثّل الروح بشراً" يبقى غير متمثل في مكان أو بيئة معينة والسبب في ذلك واضح أيضاً لأنّ الله أكبر من أنّ يحدّه مكان.

4- النَسَب
أ- في الإنجيل
تظهر في نص البشارة الإنجيلية شخصية هامة لا وجود لها في القرآن وهي شخصية يوسف. وهو عنصر الربط مع سلالة داوود. وهذا النسب ضروري وهام في الإنجيل لتحديد مولد المسيح في إطار مخطط الله الخلاصي، فهناك أحداث وشخصيات سبقته لا بل هيأت لمجيئه. وقد بدأ متّى إنجيله بوضع نسَب يسوع واصلاً اياه بداوود عن طريق يوسف.
وفي نص البشارة أيضاً نلاحظ أهمية النسب في رسالة المسيح المنتظر: "يوليه الرب الإله عرش ابيه داوود ويملك على بيت يعقوب أبد الدهر".

ب- في القرآن
امّا في نص القرآن فلا وجود لمثل هذا اللاهوت المتعلق بالنسب والانتظار، وكأن المسيح يظهر فجأة، ولا نسب له سوى أنّه خلق من الله مباشرة مثله "كمثل آدم"، يظهر دون جذور أو تحضير لدخوله في تاريخ البشرية.
لا شك في أنّ سورة آل عمران تشير إلى نَسَب عيسى ابن مريم، فهو من ذرية اصطفاها الله ومنها آل ابراهيم ونوح الى آدم: "إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل ابراهيم وآل عمران: ذريّة بعضها من بعض... إذ قالت امرأة عمران (حنة امرأة يواكيم) ربّ إني نذرت لك ما في بطني" (3 آل عمران 33) ولكن هذا النَسَب ليس له أي معنى خلاصي. فالأشخاص ليس لهم أي دور في التدبير الالهي، وإن ذُكرت اسماؤهم أو سيرتهم فما ذلك الاّ لكي يكونوا "قدوة" أو "عبرة" "لقد كان في قصصهم عبرة". (12 يوسف 111).


5- النبوءات
أ- في الانجيل
إن للنبوءات دوراً هاماً في تحضير مجيء المسيح. ونلحظ في البشارة أنّ ولادة يسوع هي تحقيق لوعد وتكميل لمشروع بدأ من زمن بعيد.
فلا نستطيع أن نفهم الآية التالية: "ويوليه الرب الاله عرش أبيه داوود ويملك على بيت يعقوب..." إلا إذا قرأناها على ضوء خطبة بطرس الاولى متحدثاً عن يسوع الى الجموع: "أيها الاخوة إنّ أبانا داوود كان نبياً فعلم أنّ الله أقسم يميناً ليقيمّن ولداً من صلبه على عرشه..." (رسل 2/ 14-36). فالأنبياء حضّروا الطريق والآتي سيكون من السلالة الملكية الداؤودية.
وإنجيل الطفولة مليء بالأشارات الى تحقيق النبوءات كما ذكرنا في حديثنا عن أهمية المكان في الاستشهادات النبوية.

ب- في القرآن
امّا في النص القرآني فليس ما يشير الى ترابط مع نبوءات سابقة، فلكلّ نبي رسالته الخاصة وشخصيته المتميّزة ولا علاقة له بمن سبقه، ربما يمكن القول إن الغلام الذكي عيسى بن مريم المبشَّر به هو ايضاً نبي من سلالة آل عمران التي ضمّت انبياء آخرين مثل زكريا ويحيى، ولكن القرآن يؤكد أنّ لا علاقة لواحد مع الآخر من حيث النبوة والرسالة. كما أنّ الانبياء الأسبقين لم يبشّروا بقدوم عيسى، بل هو يسوع ذاته قد سبق فبشّر بمجيء محمد حسب قول القرآن: "واذ قال عيسى ابن مريم يا بني اسرائيل إني رسول الله اليكم مصدّقاً لما بين يدي من التوراة ومبشّراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين" (61 الصف 6).

6- الملوكية
أ- في الإنجيل
إنّ نص البشارة الإنجيلي يشدد على فكرة الملوكية. "يوليه على عرش ابيه داوود (الملك)، ويملك على بيت يعقوب، ولن يكون لملكه نهاية".
لن نتوغل في البحث عن لاهوت الملوكية في الإنجيل، ولكننا نشير في هذه العجالة الى ذلك الخيط الرفيع الذي يربط الأحداث منذ البشارة الى مجيء المجوس الى الصليب حيث كتب "يسوع الناصري ملك اليهود".

ب- في القرآن
إن النظرة الملوكية غير واردة مطلقاً في نص البشارة القرآني. وإذا ذكر القرآن كلمة "عرش" (22 مرة) فيعني بها دوماً عرش الله، وإذا قال: مَلِك يعني بها الله. "فتعالى الله المَلِك الحقّ لا إله إلاّ هو رب العرش الكريم" (23 المؤمنون 116). وإذا قال: "مُلْك"، يريد ايضاً مُلْك الله: "تبارك الذي بيده المُلْك وهو على كل شيء قدير" (67 الملك 1). وإذا جاءت كلمة "ملكوت" فيعني بها ملكوت السموات والارض وكلّها بيد الله. "فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء واليه ترجعون" (36 يس 82).

7- لاهوت التاريخ
من يقول زمان ومكان ونَسَب وملكية يقول أيضاً: تاريخ. ومن يقول نبوءات وتجسد وخلاص يقول: تاريخ مقدس.
والإنجيل هو شاهدٌ لأهمّ مرحلة من مراحل هذا التاريخ ألا وهو تجسدّ الإله في التاريخ البشري ومن هنا كانت قدسية هذا التاريخ، كما عبّر عن ذلك خير تعبير بولس الرسول: "إنّ الله، بعدما كلّم آباءنا قديماً مراتٍ كثيرة بلسان الانبياء كلاماً مختلف الوسائل، كلّمنا، في هذه الأيام وهي آخر الايام، بلسان الابن الذي جعله وارثاً لكل شيء وبه أنشأ العالمين" (عبر 1/ 1).
إن نصّ البشارة يدفعنا الى قراءة التاريخ قراءة لاهوتية:
- الله يتدخل مباشرة في التاريخ: "أرسل الله ليس فقط ملاكه وإنمّا ايضاً ابنه الوحيد"
- الله يوجد أميناً لوعوده السابقة: "يوليه الاله عرش ابيه داوود"
- الله يفتح صفحةً جديدة في تاريخ البشرية: "لن يكون لملكه انقضاء"
- الله يسخّر البشر في صنع التاريخ: "ها أنا أمة الرب"
- الله يتجاوز حدود التاريخ وقوانين الطبيعة: "فما من شيء يعجز الله"
- الله سيد التاريخ: "فليكن لي بحسب قولك"
ولكن إذا كان الله سيد التاريخ، فهذا لا يعني أنه يسيّره بشكل حتمي خاصة إذا كانت الامور تتعلق بالانسان. فهو الذي قد خلق الانسان حراً وترك له مجالاً واسعاً ليلعب دوره في هذا التاريخ سلباً او ايجاباً. ومن هنا كانت حكمته تعالى أن يترك للانسان حقّ المشاركة في صنع التارخ المقدّس.
ومن خلال نص البشارة نكتشف أيضاً دور الانسان في صنع التاريخ المقدّس:
- هو الإنسان الذي يكتب التاريخ ويحكي عن تدخل الله ويخبر بمحبته الفائقة ويسرد الوقائع.
- هو الانسان (مريم) التي يدعوها الله لرسالة تاريخية ويترك لها حرية الاختيار والحوار (كيف يكون هذا)
- هو الانسان (مريم) التي تقبل وتجيب والكلمة الاخيرة لها: "فليكن لي بحسب قولك"
- الله يعطي الانسان (مريم) آيةً ليعبّر عن صدقه ويساعدها على القبول: "ها إنّ اليصابات.."
وعندما نقول: الله سيد التاريخ وأنه يتحّكم به كما يشاء، نفهم بذلك التاريخ المقدّس من حيث خلق الانسان ورعايته وخلاصه وهذا ما نسميه بمخطط الله الخلاصي، وكل تدبير من قِبله يصدر عن محبته اللامحدودة.

ب- في القرآن
إنّ القرآن لا يتجاهل التاريخ، فالبشرية من آدم الى محمد الى القيامة، وهذه النظرة القرآنية الى التاريخ الديني نظرة طويلة مستقيمة في مداها لا دائرية وهي قريبة الى النظرة المسيحية. أضف الى ذلك أن أحداث التاريخ القرآني (القصص وسير الانبياء) تسير جنباً الى جنب مع أحداث الكتاب المقدّس، وإن اختلف المصدران في تأويلهما لهذه الأحداث.
وهنا تختلف القراءة اللاهوتية للتاريخ كما يبدو جلياً في نص البشارة القرآني:
- الله يتدخل في تاريخ البشرية فقط بواسطة رسله الانبياء ليوجهوا الناس.
- لا يوجد في التاريخ القرآني تطور تقدمي او مراحل تحضيرية فهو التاريخ المطلق.
- الله خلق البشرية بآدم وجدّدها بمحمد فلا وسيط بين الله والناس.
- الله هو الذي يوّجه التاريخ لا بل يسيّره حتميّاً والكل مسلمون.
- الله يتعدى التاريخ ولا شيء يعجزه ولكنه لم ينخرط في مصير الانسانية بالشكل التجسدي.
- الله سيد التاريخ المطلق والحتمي: يقول له كن فيكون.
من هذه الرؤية اللاهوتية للتاريخ يظهر بوضوح أنّ دور الانسان فيه يقتصر على الرضوخ "والاسلام" لله. واذا اختار الله بعض الاشخاص المرسلين والانبياء فدورهم يقتصر فقط على الارشاد والتوجيه ولا يتعدى حد المثل الصالح. فليس هم الذين يشاركون في تسيير التاريخ وإنما الله وحده يصنع التاريخ. وهذه الحدود التي لا يتجاوزها الانسان نجدها في نص البشارة القرآني:
- الانسان لا يكتب التاريخ بل هو الله الذي يمليه وهو المتكلم والفاعل: "أرسلنا روحنا".
- الانسان (مريم) لا تجد نفسها أمام دعوةٍ أو أمام الاختيار: "كان أمراً مقضياً"
- الانسان (مريم) لا تجيب بل تُسلم، كل شيء مقرَّر بدون إرادتها: "إذا قضى أمراً..."
فإنما يقول له "كن فيكون" فالكلمة الأخيرة هي لله. كلمة "كن" هي من خصائص الله وليست من جواب الانسان كما وردت في الإنجيل على لسان مريم "فليكن لي".
- ليس من الضروري أن يعطي الله آيةً ليعبّر عن مصداقية البشارة. ولذلك لا نجد في نص بشارة مريم "آية" كما هو الحال في نص بشارة زكريا: "قال ربّ اجعل لي آية"، قال: "آيتك ألا تكلّم الناس ثلاث ليال سوية".
نخلص إلى القول: إنّ القراءة اللاهوتية للتاريخ في القرآن تختلف عن الإنجيل. وإذا حاول بعض المسلمين إعادة النظر في قراءة القصص الديني (راجع محمود شحرور= الكتاب والقرآن قراءة معاصرة) فإنّ ذلك يبقى ضمن إطار ربط القصص القرآني مع تاريخ البشرية. وهذه القراءات المعاصرة لا تتجاوز حدود النظرة القرآنية للتاريخ من حيث العلاقة بين الله والانسان: فهي لا تعترف بوجود تطور ديني ديناميكي، ولا تقبل بإعطاء الانبياء دوراً فعالاً في تحقيق مخطط الله ولا تعطي الانسان حرية كاملة في الاختيار الروحي، كما هو شأن اللاهوت المسيحي.
واليكم ما يقول في هذا الصدد الشيخ طبّارة: "التوراة قصدت الى التاريخ، اما القرآن فلم يقصد الاَّ العظة والعبرة، وإلى البشارة والانذار، والى الهداية والارشاد) (ص 27).

الخلاصة العامة
من خلال نص واحد في الانجيل، بشارة مريم، يظهر اللاهوت المسيحي بكامله: إنّ الله دخل التاريخ بشخص ابنه يسوع المسيح "الكلمة" فتجسّد مولوداً في عذراء بواسطة الروح القدس ليخلّص البشر من خطاياهم. كما ان الله كشف بذلك عن سرّه فهو محبة في ذاته: آب وابن وروح قدس، وهو محبة تجاه الانسان. وإذا خصّ مريم بميزات فريدة وحبل معجز فما ذلك إلاّ لأنها ستكون أماً لأبنه المنتظر المسيح الإله.
هذا وإن التاريخ المقدّس والكتب الملهمة تشهد على علاقة الانسان بخالقه عبر الزمن الماضي والحاضر والمستقبل.
بالمقابل يظهر لنا لاهوت مختلف في نصوص القرآن المتعلقة ببشارة مريم: إن الله يتعدى التاريخ ويتسامى فوق البشرية فلا يمكن أن يُصبح إنساناً أو أن يلد ابناً، وليس بحاجة الى وسيط ليخلّص البشر فقد خلصهم منذ عفوه عن آدم. وإنمّا يرسل أنبياء ليبلغوا الناس ما يجب ان يفعلوه وعلى الانسان ان يؤمن ويسلم. وإذا خصّ عيسى بمولد فريد فما ذلك الا ليكون آية بينة تشير الى قدرة الخالق، ومثله كمثل آدم الذي ولد بمعجزة ليس فقط من دون أب وإنمّا ايضاً من العدم. وإذا خصّ أيضاً مريم بأسمى الامتيازات فما ذلك الا لتكون آيةً للعالمين وقدوةً لسائر المؤمنات.
قراءتان مختلفتان لرواية واحدة. وكل قراءة تكشف لنا عن نظرة لاهوتية مختلفة ومتماسكة من حيث طبيعة الله العلي القدير، ومن حيث العلاقة بين الله عز وجل والانسان، ومن حيث دور المسيح وأمّه في تاريخ البشرية.
هذا ومن خلال رواية البشارة أيضاً نكتشف اللاهوت المريمي في الإنجيل والقرآن، إذا صح التعبير.
فنجد الإنجيل والقرآن يلتقيان من حيث اصطفاء مريم وطهارتها الرفيعة وبتوليتها الفريدة وحبلها العجائبي وكونها أم المسيح عيسى "كلمة الله وروح منه". وقد سميّ عيسى ابن مريم بخلاف التسميات السامية التي تنُسب الابن الى أبيه مما يدل على ولادته المعجزة بدون تدخل رجل.
ويلتقي الانجيل بالقران الذي يرفض تأليه مريم فهي مخلوق كسائر المخلوقات.
أضف الى ذلك أنّ مكانة مريم الخاصة في القرآن دفعته الى تبرئة طهارتها ضد اتهامات اليهود "وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً" (4/156) ولا ننسى أنّ مريم هي المرأة الوحيدة التي ذُكر اسمها في كل القرآن. ولا ننكر أيضاً أنّ اسم مريم ذُكر في القرآن مراراً (34 مرة)، أي أكثر مما ذكر في الإنجيل (17 مرة). هذا والحق يقال أنّ نظرة الاسلام الى مريم وفضائلها وبراءتها من كل خطيئة ومسٍّ من الشيطان ومثالها الفريد في تاريخ البشرية، هي أفضل بكثير من موقف بعض المذاهب المسيحية او الشيع التي تدعي المسيحية.
إلاّ أن الفكر اللاهوتي الاسلامي يرفض تسمية مريم "بوالدة الاله" لأنهم لا يعترفون بدور المسيح الخلاصي. أو أن تكون "شفيعة" لأن لا شفاعة إلاّ لله وحده. وإنما يجد القرآن فيها، قدرة للمسلمات وآية للعالمين، وجاء في الحديث أنّها "سيدة نساء أهل الجنة" (الترمذي)، "وخير نساء الارض" (مسلم)، و"كمال النساء" (البخاري).

الخاتمة
لقد قمنا بمحاولة متواضعة لقراءة نموذج من النصوص المتشابهة بين الانجيل والقرآن بمنظورٍ جديد. فقد سعينا الى إبراز الابعاد اللاهوتية التي تكمن وراء النصوص المقارنة، مع المحافظة على وحدة كلّ من الكتابين وأصالتهما المتميزة وتماسكهما الداخلي، كما أشرنا الى ذلك في بداية البحث.
وهذه المحاولة هي صدى لما يقوله يواكيم مبارك في كتابه عن "الاسلام" :
"فبالرغم من أهميّة النصوص التي تؤكّد وجود صلة قرابة بين القرآن والاسفار المقدسة اليهودية والمسيحية القانونية منها وغير القانونية يجب الاعتراف بأصالة النص القرآني القاطعة التي يستحيل ارجاعها جزئياً او كلّياً الى النصوص المذكورة.
إن أوجه الشبه الكثيرة او النقاط العديدة التي تدني القرآن من الانجيل او سائر الكتب المقدسة يجب أن تفصح عن شخصية القرآن ووجهه الصحيح. فهذه محاولة صادقة يتقبلها المسلمون اما البحث عن "مصادر" القرآن فيبقى عقيماً بلا جدوى في الحوار الاسلامي المسيحي" (ص 27 و 28).
كما ان هذه المحاولة تتماشى أيضاً مع فكرة "غارديه" الصائبة: إنّه من الخطأ أن نفرض على المسلمين أن يطبّقوا أساليب التفسير المسيحي على القرآن، كما لا يصح أن يُفرض على المسيحيين تفسيرٌ إسلامي للأناجيل. وإننا لا نستطيع ان نقرأ القرآن بروح الإنجيل، ولا الإنجيل بروح القرآن، قبل أن نقرأ القرآن بروح القرآن نفسه".
علّ هذه المحاولة، بالرغم من نقائصها، تكون لبنة في بناء صرح الحوار الاسلامي- المسيحي المنشود.

 

دراسات بيبلية - الأناجيل الإزائية، متى - مرقس - لوقا (1994)

   
 
<< Start < Prev 1 2 3 4 5 6 7 8 9 Next > End >>

Page 7 of 9
Back to Top
Visitors2163972