|
|
الفصل العاشر: مدخل إلى إنجيل مرقس |
|
دراسات بيبلية -
الأناجيل الإزائية، متى - مرقس - لوقا (1994)
|
|
الفصل العاشر مدخل إلى إنجيل مرقس الخوري بولس الفغالي
ظل إنجيل مرقس حتى القرن التاسع عشر غير مفسَّر تقريباً في الكنيسة. فالقديس إيرونيموس مترجم اللاتينية الشعبية انطلق منه ليعظ الرهبان، فاكتفى ببعض التطبيقات التقوية. ولن نجد لدى الآباء اليونانيين إلا اسم تيوفيلكتيس (القرن الحادي عشر) واسم افتيميوس (القرن الثاني عشر). وإذا جعلنا جانباً بين اللاتين باديوس المكرم (القرن الثامن)، سوف نصل إلى القرون الوسطى وما بعدها، لنجد اهتمام توما الأكويني وكاجتان وغيرهما بإنجيل مرقس. أما في العالم السرياني فسننتظر ايشوعداد المروزي (القرن التاسع) وديونيسيوس ابن الصليبي (+ 1171) وابن العبري (+ 1286) ليقدموا لنا تفسيراً سريعاً عن مرقس. إعتبر الآباء والشراح أن ما في مرقس نجده بصورة أوسع عند متى ولوقا. ولكنهم توقفوا عند مضمون النصوص الإِنجيلية ونسوا السمات الخاصة بهذا الإِنجيل الذي هو وثيقة لا يحل محلَّها وثيقة، وقد غذى الكنيسة التي وُلد فيها عثرات السنين. وعاد الشراح إلى مرقس خلال القرن التاسع عشر، وما زالوا يدرسونه. قالوا: إنه المرجع الرئيسي لمتّى ولوقا. وسينطلقون منه ليقدموا "حياة يسوع" بوجه المشككين والمرتابين بتاريخية ما ورد في الأناجيل. وكانت التفاسير العديدة في اللغات الغربية وقد عرف الشرق تفسيرين أو ثلاثة لا يتعدون التفسير الحرفي للإنجيل. إلى هذا الإِنجيل سنتعرف: كاتبه والأشخاص الذين توجه إليهم. تأليفه الأدبي وعلاقته بالتاريخ، وأخيراً المواضيع اللاهوتية في إنجيل يحدّثنا عن يسوع الذي هو المسيح وابن الله.
أ- كاتب إنجيل مرقس لا شيء في النص الإِنجيلي يساعدنا على اكتشاف صاحب هذا الإِنجيل. فالعنوان وُضع في بداية القرن الثاني المسيحي. أما الكتاب فعُرف بأولى كلماته: "بدء إنجيل يسوع المسيح". ولكن التقليد يتفق اتفاقاً تاماً على إسناد هذا الإِنجيل إلى القديس مرقس. والنقّاد المعاصرون يُقرون بأهمية هذا التقليد، ويعتبرون أنه لو أراد القدماء أن ينسبوا هذا الإِنجيل إلى أحد، لنسبوه إلى شخص عظيم، لا إلى شخص مغمور مثل مرقس، الذي قد يكون أشار إليه الإِنجيلي في حدث الشاب الذي "فرَّ عريانا" (14: 51- 52) حين أراد الجنود أن يمسكوه في بستان الزيتون.
1- شهادة بابياس أقدم الشهادات عن إنجيل مرقس هي شهادة قدَّمها بابياس الذي وصفه إيريناوس، أسقف ليون في فرنسا بثلاث صفات في النص الذي يورده عنه. هو رجل قديم، أي إنه ينتمي إلى جيل آخر سبق إيريناوس المولود سنة 115. هو رفيق بوليكربوس، أي كان أسقفاً مثله. سُقف بوليكربوس سنة 100 تقريباً بيد معاصري المخلص، كما يقول أوسابيوس القيصري، ووُلد حوالي سنة70. فقد يكون الأمر مماثلاً بالنسبة إلى بابياس. وهو أخيراً سامع ليوحنا الرسول. كل هذا يدل على أن بابياس هو شاهد جليل ومحترم. فما هي شهادته التي قد تعود إلى سنة 125- 130 كما يقول فيلبس (الذي من سيديس في بمفيلية- تركيا الحالية، حوالي سنة 630)؟ ماذا يقول بابياس في مرقس الإِنجيلي؟ "هذا ما اعتاد الشيخ أن يقول لنا: كان مرقس ترجمان بطرس فكتب بدقة، لا بترتيب، كل ما تذكّره من أقوال الرب وأعماله. فهو لم يسمع الرب ولم يتبعه، بل كما قلت، تبع بطرس فيما بعد. قدَّم بطرس تعليماً حسب الحاجة ولم يؤلف أقوال الرب تأليفاً مرتباً. وهكذا لم يخطئ مرقس حين دوّن بعض هذا التعليم كما تذكَّره. لم يكن لديه إلا هَمّ واحد؛ أن لا يهمل شيئاً مما سمعه، أن لا يقول شيئاً كاذباً". نلاحظ هنا ثلاثة تأكيدات: كان مرقس ترجمان بطرس. تبعه واستظهر تعليمه. كان أميناً حين كتب، وأمانته ترتبط بأمانة بطرس الذي عاش مع الرب منذ البداية حتى القيامة والصعود. وأخيراً، كتب بدون ترتيب مجمل الإِنجيل، أي أقوال يسوع وأعماله، فاتبع طريقة بطرس الذي كان يقدم التعليم حسب حاجة السامعين.
2- شهادات تقليدية أخرى نذكر أولاً يوستينوس (ابن نابلس في فلسطين) حوالي سنة 150. هو لا يسمي مرقس، ولكنه ينسب إلى "ذكريات بطرس" تعليقاً يورده مرقس وحده في 17:3 حين يلقب ابنَيْ زبدى: بوانرجس. وأعلن إيريناوس (+ 220): "بعد موت بطرس وبولس، نقل إلينا مرقس نفسه أيضاً، وهو تلميذ بطرس وترجمانه، نقل إلينا كتابة ما وعظه بطرس". وحدثنا ترتليانس (ابن قرطاجة في أفريقيا) (+ 220) عن مرقس "ترجمان بطرس". وأكد اكلمنضوس الإِسكندراني (+ 215) أن مرقس كتب حسب ما سمعه من بطرس وتحت نظر بطرس. وحدّد أوريجانس (+ 254) أن مرقس ارتبط ببطرس حين كتب إنجيله. وتحدث التقليد الروماني بلسان هيبوليتس (+ 235) وعبر المطلع المناهض لمرقيون الهرطوقي (+ 160) عن مرقس في خط ما قاله عنه إيريناوس. قال أوسابيوس القيصري (فلسطين+ 340) وإيرونيموس (توفي في بيت لحم سنة 420) أن مرقس كرز في الإِسكندرية. ولكن هذا التقليد لا يَرِد لا عند إكلمنضوس ولا عند أوريجانس، فاعتبر النقاد أن هذا القول غير صحيح. وتخيل أبيفانيوس (ابن فلسطين،+ 403) أن مرقس كان من تلاميذ الرب السبعين. ونقول أخيراً إن التقليد الآتي من آسية الصغرى (تركيا الحالية) ومصر وأفريقيا الشمالية ورومة، يجُمع على التأكيد أن الإِنجيل الثاني كُتِب بيد مرقس، وارتبط بكرازة بطرس.
3- مرقس والعهد الجديد يساعدنا العهد الجديد على التعرف إلى شخص مرقس. يتحدّث سفر الأعمال عن شخص اسمه يوحنا ولُقِّب بمرقس. نقرأ في أع 12: 12 "وبعد التفكير، توجّه (بطرس) إلى بيت مريم أم يوحنا الملقب بمرقس، حيث كان إخوة كثيرون مجتمعين يصلون". إذن كان بيت مرقس "كنيسة" تجتمع فيها الجماعة المسيحية الأولى للصلاة وكسر الخبز. ويروي سفر الأعمال أن مرقس سار مع برنابا وبولس من أورشليم إلى أنطاكية (أع 12: 25)، ثم رافقهما خلال الرحلة الرسولية الأولى التي قام بها بولس (13: 5). ولكنه ما عتّم أن تركهما (13:13). وهذا ما حدا ببولس أن ينفصل عن برنابا. حينئذ إختار بولس سيلا وأخذ برنابا مرقس (أع 37:15- 39). وارتبط مرقس ببطرس الذي يتحدث عنه في رسالته الأولى (5: 13) ويسميه "مرقس ابني". ويشير بولس في رسائله إلى مرقس الذي هو رفيقه ساعة الأسر (كو 4: 10؛ فلم 24). وهو يطلب من تيموتاوس أن يستصحبه إليه "لأنه ينفع للخدمة" (2 تم 4: 11). وهكذا يكون مرقس اتصل ببطرس أولاً ثم ببولس (من 44 إلى 49 ثم من 61- 63) وأخيراً ببطرس (63- 64).
4- مرقس "إنجيل بطرس" سمّى التقليدُ القديم مؤلَّف مرقس "إنجيل بطرس". وهذا ما تؤكده معطيات الإِنجيل نفسه. فنحن نجد شهادة بطرس في عدد من الأخبار التي نقرأها في إنجيل مرقس: دعوة الرسل الأولين (1: 14 - 20)، يسوع في كفرناحوم (2: 1- 12)، دعوة متّى (2: 13- 17)، رفض أهل الناصرة ليسوع (6: 1- 6)، إعتراف بطرس بيسوع (8: 27 - 33)، التجلي (9: 2- 13)، الشاب الغني (10: 17- 27)، طلب ابنَيْ زبدى (10: 35- 45)، دخول يسوع إلى أورشليم (11: 1- 11)، تطهير الهيكل (11: 15-18)، تضميخ يسوع بالطيب (3:14-9)، يسوع في جتسيماني (26:14- 31)، القبض على يسوع (43:14- 52)، جحود بطرس ليسوع (14: 66- 72). وقال الشرّاح، وفي قولهم بعض الصواب، إن مرقس أعطى مكانة مميَّزة لبطرس في إنجيله. ففي يوم كفرناحوم (1: 21- 38) يلعب بطرس الدور الأهم. "إنطلق سمعان ومن معه في طلبه. ولما وجدوه قالوا له: الجميع يطلبونك" (1: 36- 37). ثمّ إن بطرس يتدخّل أمام التينة اليابسة من جذورها (11: 21) كما يتدخل خلال الخطبة الإِسكاتولوجية (منتهى العالم، 3:13). وحين تسلمت النسوة مهمة إعلان القيامة، ذكر لهن الملاك اسم بطرس منفرداً عن التلاميذ (7:16). وسيتبع متّى ولوقا إنجيل مرقس في التشديد على شخص بطرس.
ب- وجهة إنجيل مرقس نطرح هنا على نفوسنا ثلاثة أسئلة: إلى من وجِّه إنجيل مرقس؟ أين دوِّن؟ ومتى دوِّن؟ 1- إلى من وجّه إنجيل مرقس؟ من الواضح أن إنجيل مرقس وجّه إلى مسيحيين من أصل وثنيّ لا يعيشون في أرض فلسطين. هنا نقابل بين مرقس ومتى. يتحدث متّى مثلاً عن الشريعة وعلاقتها بالعهد الجديد (متّى 17:5 - 19؛ 10: 5؛ 9:19)، وهذا ما لم يفعله مرقس. لا نجد عند مرقس الشيء الكثير من تتميم النبوءات ومن هجوم يسوع على الكتبة. هناك استشهادات ترِدُ على لسان يسوع (6:7؛ 12:9؛ 4:10 ي؛ 11: 17: 12: 10؛ 24؛ 14: 21، 27) وأخرى علىٍ لسان مرقس (2:1 ي؛ 49:14؛ 28:15). ولكنّها قليلة جداً بالنسبة إلى ما نجده في إنجيل متّى. وإذ يُفرد متّى أقلّه فصلاً كاملاً يهاجم فيه الكتبة والفريسيين (23: 1- 38)، يكتفي مرقس بثلاث آيات (12: 38- 40) يتحدث فيها عن الكتبة "الذين يحبون التجول بالحلل الفضفاضة، والتحيات في الساحات، والمجالس الأولى في المجامع...". هذا يدل على أن الصراع لم يزل ضعيفاً بين العالم المسيحي والعالم اليهوديّ، وأننا بعيدون عن سنة 90 تقريباً، يوم تم الانفصال بين المجموعتين في مجمع يمنية (رج يو 22:9، 34). ويهتم مرقس بتفسير العادات اليهودية. حين اكتفى متّى (15: 2) بآية واحدة فتحدث عن تقليد الشيوخ، أحسّ مرقس بالحاجة إلى بضعة آيات (7: 2- 4) ليفهم القارئ هذا التقليد: "فإن الفريسيين، واليهود إجمالاً، لا يأكلون ما لم يغسلوا أيديهم حتى المعصم..." (رج 14: 12؛ 15: 42). وعمل مرقس على ترجمة الكلمات الآرامية الواردة في إنجيله. حين أحيا يسوع ابنة يائيرس قال لها: "طليتا قوم". أورد مرقس العبارة وزاد: "أي، يا بنية لك أقول: قومي" (5: 41؛ رج 5: 9). وقدّم مرقس تحديدات جغرافية يجهلها الغرباء عن أرض فلسطين (5:1، 9؛ 5: 1؛ 11: 1)، كما شدّد على مضمون الإِنجيل الموجَّه إلى الوثنيين. مثلاً نقرأ في 17:11 بلسان يسوع: "أما هو مكتوب، أن بيتي يُدعى بيت صلاة لجميع الأمم" (أي الأمم الوثنية)؟ أما نص متّى الذي يوازي هذا النص فيقول: "بيتي بيت صلاة يُدعى" (متّى 13:21). ونقرأ أيضاً في مر 10:13: "ولا بدّ من قبل، أن يُكرز بالإِنجيل في جميع الأمم". أجل، لم يدوّن إنجيل مرقس لمسيحيين جاؤوا من العالم اليهودي، كما هو الأمر بالنسبة إلى متّى، بل لمسيحيين جاؤوا من العالم الوثني وأقاموا في رومة أو في جوارها.
2- أين دوِّن إنجيل مرقس؟ قال إكلمنضوس الإِسكندراني وإيرونيموس وأوسابيوس القيصري وأفرام، إن مرقس دوّن إنجيله في رومة. وانفرد يوحنا فم الذهب فقال إن هذا الإِنجيل دوِّن في الإِسكندرية، مستنداً إلى تفسير خاطئ لتقليد أوسابيولس حول كرازة مرقس في الإِسكندرية. إن الإِرشادات التي تتوخه إلى قرّاء الإِنجيل الثاني توافق بصورة خاصة جماعة تقيم في رومه. فالتعابير اللاتينية كثيرة. اسم المجنون "لجيون" أي فوج من الجيش (5: 9)، وإن مرض يفسر الكلمات اليونانية بألفاظ لاتينية. نقرأ في 12: 42: "وألقت (الأرملة) فلسين، قيمتهما ربع آس"، والآس هو عملة نحاسية رومانية. وفي 15: 16: "إقتاد الجند (يسوع) إلى داخل الدار أي دار الولاية" (براتوريون، وهي كلمة لاتينية). واقترح بعض الكتاب أن تكون أنطاكية هي المكان الذي فيه دوِّن إنجيل مرقس، واستندوا إلى الأسباب التالية: ارتباط تقليد بابياس بالشرق، علاقات بطرس بأنطاكية، ذكر سمعان القيريني (15: 21؛ رج أع 11: 20؛ 13: 1)، وجود الكلمات الآرامية... ولكن هذه البراهين لا تكفي. لهذا نحافظ على التقليد الذي يجعل من رومة المركز الذي فيه دوّن إنجيل مرقس.
3- متى دوِّن إنجيل مرقس؟ لا يتفق التقليد على الزمن الذي فيه دوِّن إنجيل مرقس. قال إيريناوس متتبعاً خطى بابياس، إن مرقس دوَّن إنجيله بعد موت بطرس. وقال إكلمنضوس الإِسكندراني: قبل موت بطرس. إن الاختلافات المنسوبة إلى إكلمنضوس في كتاب أوسابيوس تدلنا على توسع للتقليد شبيه بذلك الذي جعل من مرقس تلميذاً ليسوع. قال بابياس: تذكَّر مرقس ما علّمه بطرس فكتب. ولكن شيوخ الإِسكندرية أرادوا أن يكون بطرس قد عرف ما فعله مرقس، بل أن يكون وقّع على الكتاب. ما هو أكيد، هو أن مرقس لم يكن المرجع الأول، بل عاد إلى بطرس، كما قال إيريناوس وأوريجانس وأبيفانيوس وإيرونيموس وقانون موراتوري (حوالي سنة 180). أما دراسة النص فتدلّ على أن هذا الإِنجيل دوِّن قبل سنة 70، سنة دمار أورشليم. فلا شيء في هذا الإِنجيل يلمِّح إلى هذا الدمار. أما نص لوقا الذي دوّن بعد هذا التاريخ فهو واضح وفيه نقرأ: "إذا رأيتم أورشليم قد أحاطت بها الجنود، فأعلموا عندئذ أن خرابها قد اقترب" (لو 21: 20). نحن لا نتبع الموقف "الأصولي" الذي يجعل تدوين إنجيل مرقس حوالي السنة 40 ليكون النص قريباً من الأحداث، ولكننا لن نتعدى، كما قلنا سنة 070 أما الرأي الذي يأخذ به معظم الشراح فيجعل تدوين إنجيل مرقس بين سنة 65 وسنة 70.
ج- التأليف الأدبي في إنجيل مرقس حين نقرأ إنجيل مرقس نكتشف وجهتين في أسلوبه: وجهة الشاهد الحي، وجهة التقليد الموجز. يتفق الشّراح فيؤكدون التقليد الذي يرى في إنجيل مرقس إنجيل بطرس. ولكنهم يختلفون في تحديد المراجع الأدبية الرئيسية. فإذا قابلنا مرقس مع الإِنجيليين الإِزائيين (مت+ لو) الآخرين، نجد أنه يفترض وجود إنجيل سابق له. حين نقابل متّى ولوقا نجد أنهما يتفقان على مرقس. إذاً، كانت هناك نواة إنجيل سابقة لإنجيل مرقس. ما هي هذه النواة؟ قال بعضهم: مرقس الأولاني. وقال آخرون: متّى الأرامي. ولكن فئة ثالثة تترك البحث عن هذه الوثيقة الأولى، لتكتشف المراجع الجزئية التي جمعها مرقس ونسَّقها.
1- المواد التي استعملها مرقس نتوقف هنا عند أقوال يسوع وعند الأخبار التي تُبرز لنا عمل يسوع في الجليل واليهودية قبل الوصول إلى أورشليم. ما نلاحظه بالنسبة إلى الأقوال هو أن الخطب قليلة وقصيرة. حين نعرف أن متّى بُنِيَ على خمس خطب يمتد بعضها على فصلين أو ثلاثة، لا نجد عند مرقس إلا خطبة الأمثال (4: 1- 34) التي هي أقصر مما نجده عند متّى (13: 1 - 52)؛ وخطبة نهاية العالم (13: 3- 37) التي يوازيها مت 24 ولو 021 أما التعليمات الرسولية والكنسية التي توسّع فيها متّى فلم يبقَ منها عند مرقس إلا بقايا وفقرات قليلة. ماذا بقي من متّى 10؟ أربع آيات هي: 6: 8- 11، موزعة على خطبتين. أوصاهم قائلاً: "لا تحملوا شيئاً للطريق...". وقال لهم أيضاً: "أي بيت دخلتم...". وماذا بقي من مت 18 وما يتضمّنه من وصايا تتوّجه إلى الكنيسة؟ 15 آية تقريباً. ونقول الشيء عينه عن الجدال حول بعل زبول (23:3- 30)، والويلات الموجّهة ضد الكتبة والفريسيين (12: 38- 40؛ ق مت 23: 1- 36). ومقابل هذا، يتحدّث مرقس مراراً عن "التعليم" الذي يُلقيه يسوع. نقرأ في 1 :39: "يكرز في المجامع في الجليل". وفي 2: 2: "إجتمع خلق كثير... وكان يبشّرهم بالكلمة". وفي 13:2: "أقبل إليه الجمع كله، وكان يعلّمهم". ونستطيع أن نورد مقاطع أخرى تشدّد على مهمة يسوع التعليميةِ دون أن تورد هذا التعليم الذي نجده عند متّى أو لوقا. هنا نستطيع أن نقرأ 1: 21- 22: تقول آ 21: "أتوا كفرناحوم... دخل المجمع وأخذ يعلّم". أما الآية التالية فتشير إلى إعجاب الجموع: "بُهتوا من تعليمه، لأنه كان يعلّم كمن له سلطان، لا كالكتبة". نقابل هاتين الايتين مع ما نجده من آيات عند متّى قبل عظة الجبل (مت 23:4) وبعدها (مت 29:7)، فنحسّ أن مرقس أغفل عظة الجبل، كما أغفل أمثالاً عديدة. وهذا الأمر يتأكد لنا حين يعدنا (بالأمثال) ولا يورد إلا مثلاً واحداً (12: 1). إذن، نحن أمام تقليد موسَّع استقى مرقس بعضه، وتوسَّع متّى ولوقا في البعض الآخر أيضاً. كانت الخطب قصيرة عند مرقس، ولكن الأخبار كانت موسَّعة. لا شك في أن هناك أخباراً قصيرة مثل تجربة يسوع (1: 12- 13) ودعوة التلاميذ الأولين (1: 16- 20) والمجادلات الأخيرة في الجليل (2: 13 - 3: 5). ولكننا نجد خمسة أخبار أخرى استفاض فيها مرقس: شفاء المخلع (2: 1- 12)، مجنون الجدريين أو الجراسيين (5: 1- 17)، إحياء إبنة يائيرس (5: 21- 43)، مقتل يوحنا المعمدان (6: 17- 29)، شفاء مصروع (9: 14- 29). لماذا شدَّد مرقس على هذه الأخبار؟ لأنه اعتبرها تعليماً، شأنها شأن أقوال يسوع. مثلاً، حين شفى يسوع مجنون كفرناحوم (1: 21- 28)، ذُهل الجميع حتى سأل بعضهم بعضاً قائلين: "ما هذا! تعليم جديد يلقى بسلطان" (آ 27). ما هي المواد التي وجدها مرض حين دوَّن تعليمه؟ هناك أولاً خبر الآلام (ف 14- 15) الذي تكوَّن في الكنائس في وقت مُبكر. ثم مجموعات تعليمية: 2: 1- 3: 6 (مخلع كفرناحوم، دعوة موتى، مباحثة بشأن الصوم، يسوع رب السبت)؛ 3: 20- 35 (إفتراء الكتبة، قرابة يسوع)؛ 4: 1- 34 (الأمثال)؛ 7: 1- 23 (جدال حول التقاليد)؛ 11: 27 - 12: 44 (رسالة يسوع، الكرامون القتلة، ضريبة قيصر، حقيقة القيامة، الوصية العظمى، المسيح ابن داود، رئاء الكتبة، فلس الأرملة)؛ 13: 1- 37 (خراب أورشليم ومنتهى العالم). ونجد أيضاً مجموعة أخبار ردّدها المؤمنون في اجتماعات الصلاة وكسر الخبز: كرازة يوحنا واعتماد يسوع (1: 1- 13)، إنتخاب الرسل (3: 13- 19)، بعثة الرسل (6: 6- 13)، طلب المحلّ الأوَّل (9: 30- 37)... وسيجد مرقس أيضاً بعض الإِجمالات التي تربط المقاطع بعضها ببعض. مثلاً: "وبعدما ألقي يوحنا في السجن، أتى يسوع إلى الجليل وهو يكرز بإنجيل الله ويقول: لقد تم الزمان، واقترب ملكوت الله؛ فتوبوا وآمنوا بالإِنجيل" (1 : 14- 5؛ رج 7:3- 12). كل هذا استعمله مرقس ليقدّم لنا تصميماً متناسقاً.
2- تصميم مرقس كيف بحث الشرّاح عن تصميم لإنجيل مرقس؟ إنطلقوا من إشارات جغرافية. تبدأ حياة يسوع في الجليل، وفي 11: 1 ينتقل إلى أورشليم. "ولما قربوا من أورشليم... أرسل اثنين من تلاميذه". ولكن نستطيع أن نسمي 7: 24- 10: 52: خارج الجليل، ولا سيما حين يذهب يسوع الى شرقي الأردن في 10: 1. وما نستطيع أن نقوله هو أن يسوع يقضي وقته يتنقل من مدينة إلى أخرى، من صور (7: 24) إلى صيدا والمدن العشر (7: 31)، إلى بيت صيدا (8: 22) وقيصرية فيلبس (8؛27). هو يتنقل من أجل الرسالة، فلا يقيم في مكان واحد. مثلاً، لما حاولوا أن يمسكوه قال: "هلمّوا إلى القرى المجاورة، فأكرز فيها أيضاً، لأني لأجل هذا خرجت" (من كفرناحوم، رج لو 4: 43، أو من عند الآب). وهناك إشارات أدبية تدل على أقسام إنجيل مرقس. يبدأ مرقس حياة يسوع العلنية بإجمالة عن الكرازة وبدعوة التلاميذ الأولين (آ: 14). ثم يقدّم إجمالتين عن نشاط يسوع (3: 7) وخبرين عن الكرازة (3؛ 7؛ 6؛ 6). وهكذا نجد ثلاث حلقات تنتهي كل واحدة منها بموقف معاصري يسوع تجاهه: الفريسيون الذين "تآمروا عليه ليهلكوه" (3: 6)0 أقاربه الذين تجاهلوا جوهر رسالته (6: 1- 6). بطرس الذي يعترف به فيقول له: "أنت المسيح" (8: 27- 30). وهكذا نصل إلى الاشارة التعليمية التي تدل على حقبتين في موضوع الوحي وتدبيره، يفصل بينهما إعتراف بطرس. قبل هذا الاعتراف، يكشف يسوع عن نفسه أنه المسيح ويفرض على الجميع أن يحفظوا السر (1 : 34، 44؛ 12؛ 5: 43؛ 7: 36؛ 8: 6. هذا ما يسمى السر المسيحاني). نرى هنا أن التلاميذ لم يفهموا شيئاً كثيراً من سرّ يسوع (4: 41؛ 6: 51- 52؛ 8: 16- 21) الذي يجد ذروته الأولى في اعتراف بطرس (8: 29- 30). بعد الإعتراف المسيحاني، بقي على التلاميذ أن يُدركوا مصير يسوع الذي هو ابن البشر الذي "سيتألمّ كثيراً... ويقتل بعد ثلاثة أيام" (8: 31). سيكتشف المؤمن سر المسيح ثم سرّ ابن الانسان قبل أن يعلن ما أعلنه قائد المئة عند الصليب: "في الحقيقة كان هذا الرجل ابن الله" (15: 39). وها نحن نقدّم تصميماً مفضَلاً لانجيل مرقس.
1- المقدمة: (1: 1- 13). ثلاث لوحات. في الأولى نسمع كرازة يوحنا المعمدان (1: 1- 8)، في الثانية، نشاهد اعتماد يسوع الذي يعلنه الآب ابنه الحبيب (1: 9- 1)، وفي الثالثة، نشاهده يجرَّب أربعين يوماً (1: 12- 13). القسم الأول: سر المسيح (1: 14- 8: 30). نجد هنا ثلاث حلقات. تبدأ كل حلقة بإجمالة عن نشاط يسوع وخبر عن التلاميذ، وتنتهي بالإِشارة إلى موقف الناس بالنسبة إلى يسوع. * الحلقة الأولى: يسوع والشعب (1: 14- 3: 6). - مقدّمة: إجمالة حول الكرازة بملكوت الله (1: 14- 15) ودعوة التلاميذ الأولين (1: 16- 20). - يوم رسولي في كفرناحوم (1: 1 2- 38) ينتهي بإجمالة (1: 39) وملحق (شفاء الأبرص، 1: 40- 44) وإجمالة أخرى (1: 45). - خمسة جدالات وبعض الأخبار (2: 1- 3: 5). - خاتمة: عزم الفريسيون على قتل يسوع (3: 6). * الحلقة الثانية: يسوع وأقاربه (3: 7- 6: 6). - مقدّمة: إجمالة حول الأشفية وإخراج الشياطين (3: 7- 12)، وتنظيم الاثني عشر (3: 13- 19). - أخبار: اعتبر ذوو يسوع أنه متهوس مجنون، وسماه الكتبة رئيس الشياطين. أمَّا يسوع فأعلن نهاية سلطان الشيطان، وهدّد الذين لا يؤمنون، وأعلن: "من يعمل مشيئة أبي هو أخي وأختي وأمي" (3: 20 -35). - الأمثال (4: 1- 34). - معجزات كبيرة: تسكين العاصفة، مجنون الجدريين، شفاء نازفة الدم وإحياء ابنة يائيرس (4: 35- 5: 43). - خاتمة: موقف أقارب يسوع (6: 1- 6): "تعجَّب من عدم إيمانهم". * الحلقة الثالثة: يسوع وتلاميذه (6: 6- 8: 30). - مقدّمة: إجمالة عن تعليم يسوع (6: 6). وبعثة الاثني عشر وعودتهم مع خبر موت يوحنا المعمدان (6: 7- 30). - تكثير الأرغفة الخمس (6: 31- 44) ثم المشي على البحر (6: 45 - 52) مع أشفية عديدة (6: 53- 56). وبعد جدال حول تقاليد الفريسيين وتعليم حول الطاهر والنجس (7: 1- 23)، نقرأ خبر معجزتين: المرأة الكنعانية (7: 24- 30) وشفاء الأصم الألكن (7: 31 - 37). - تكثير الأرغفة السبع (8: 1- 10). وبعد جدال مع الفريسيين (8: 11- 13) وتعليم للتلاميذ (8: 14- 21) نقرأ خبر شفاء أعمى بيت صيدا 81: 22-26). - خاتمة: إعتراف بطرس بيسوع الذي يوصي تلاميذه "أن لا يقولوا لأحد عنه شيئاً" (8: 27- 30). القسم الثاني: سر ابن الشر (8: 31- 16: 20). * الحلقة الأولى: طريق ابن البشر (8: 31- 10: 52). تتوزعّ هذه الطريق إنباءات ثلاثة عن مصير ابن البشر، ونجد بعد كل إنباء تعليماً عن مصير التلاميذ. - إنباء أول سيرفضه بطرس (8: 31- 33). سيتبع هذا الإنباء تعليم يسوع (8: 34-9: 1) ثم ملحق عن تجلي يسوع (9: 2-13) وشفاء مصروع (9: 14- 29). - إنباء ثان يعلنه يسوع وهو يسير عبر الجليل (9: 30- 32)، وتعليم عن الخدمة (9: 33- 50)، ثم ملحق تعليمي عن الطلاق والأولاد والغنى وعن الجزاء الذي ينتظر التلاميذ (10: 1- 31). - إنباء ثالث يعلنه يسوع وهو صاعد إلى أورشليم ( 10: 32 – 34) وتعليم يرافق طلب ابنَيْ زبدى (10: 35- 45) ثم ملحق عن أعمى أريحا (10: 46- 52). * الحلقة الثانية: دينونة أورشليم (11: 1- 13: 37). - دينونة بالقول والعمل. دخول المسيح إلى أورشليم (11: 10 - 11) وطرد الباعة من الهيكل (11: 15- 19) في إطار خبر التينة التي يبست (11: 12- 14، 20- 25). جدال حول سلطة يسوع (11: 27- 33) يُختتم بمثَل الكرّامين القتلة (12: 1- 12). - جدالات ثلاثة وتعليم. الجدال الأول: ضريبة قيصر (12: 13 - 17). الجدال الثاني: حقيقة القيامة (12: 18- 27). الجدال الثالث: ألوصيّة العظمى (12: 28- 34)0 أما التعليم فيتحدث عن المسيح الذي هو ابن داود وربّه. وينتهي كل هذا بتحذير من رؤساء الكتبة: "احذروا من الكتبة" (12: 35- 40)، وملحق عن فلس الأرملة (12: 41- 44). - دمار الهيكل ونهاية العالم (13: 1- 37). * الحلقة الثالثة: الآلام والقيامة (14: 1- 16: 20). - المؤامرة والخيانة مع مشهد نرى فيه امرأة تضمّخ يسوع بالطيب (14: 1- 11). - في السر- تهيئة أسرارية للذبيحة وصلاة في جتسيماني بانتظار الساعة (14: 12- 42). - في العلن- أوقف يسوع (14: 43- 52). حَكَم اليهود على يسوع لأنه المسيح (14: 53- 15: 1)، والرومان لأنّه ملك (15: 2 - 20). صُلب ومات (15: 21- 41) وقُبر (15: 42- 47). - الخاتمة: القبر الفارغ (16: 1- 8). - ملحق: ظهورات القائم من الموت (16: 9- 20).
د- علاقة الانجيل الثاني بالتاريخ. إذا إنطلقنا من هذا التصميم الموسّع الذي أوردناه، لا نستطيع أن نكتب "سيرة يسوع" بالمعنى الحديث للكلمة. ولكن الاشارات المتعددة التي ذكرنا، تجعلنا بحضرة شخص حي، بحضرة شخص وُجد في التاريخ. غير أن الانجيلي أخضع كل ما كتبه لهدف تعليمي. أراد ان يدخلنا في طريق نتعرّف فيها إلى يسوع الذي هو المسيح وابن الله. كل هذا يدفعنا الى أن نتوقّف عند الأمور التي تميّز انجيل مرقس. أجل، ما أراد مرقس أن يكتب سيرة يسوع، بل أن يقدم انجيلاً. أراد ان يبينّ أن ألوهية المسيح تستحق أن نؤمن بها. بعد هذا لن نبحث عن الوجهة البشرية والسيكولوجية التي يمكن أن تكون معقولة أو غير معقولة. إن فعلنا هكذا، أخضعنا الأمور الالهية للأمور البشرية. فنحن لا نقدر أن نحكم من الخارج على كتاب يتوجّه الى الإِيمان. كل ما نستطيع ان نبحث فيه هو الاسباب التي حوّلت التقليد في اتجاه العقيدة المسيحية. إنجيل مرقس هو تاريخ ديني، ولهذا يبدو من الطبيعي أن تُعرض الأحداث في منظار ديني. قد يشدّد الكاتب على هذه النقطة أو تلك لتُبرز وجهة من التقليد. هذا ما نتبيّنه حين نتحدّث عن السر المسيحاني أو لاهوت إبن الله. واعتبر بعض الشرّاح أن مرقس شدَّد على الوجهة الإِسكاتولوجية لتعليم يسوع، فأغفل أقوالاً تدل على أن الإِسكاتولوجيا حاضرة على هذه الأرض. ولكن هذا لا يمنع أن يكون ملكوت الله قد بدأ عمله: "الأرض من ذاتها تثمر، تخرج الساق أولاً، ثم السنبلة، ثم الحنطة ملء السنبلة. فإذا أدرك الثمر أَعمل فيه المنجل لأن الحصاد قد حان" (4: 28- 29). مرقس هو اللاهوتي. ومرقس هو المدافع عن الإِيمان. أراد أن يبيّن أن يسوع هو إبن الله، وأن يسوع يُتم الكتب المقدسة. ولكن مع هذا، نجد إشارات عديدة تدلّ على وجه يسوع البشري. إعتبره أقرباؤه أنه رجل متهوس، أضاع رشده (3: 21). هو يوسف النجار وإبن مريم، والكل يعرفون إخوته وأخواته (6: 3). هو القوي الذي لم يقدر أن يجترح معجزة في الناصرة (6: 5- 6)، والمعلم الذي ما أراد أن يسمَّى الصالح (18:10)، وإبن الإنسان الذي جهل ساعة الدينونة (13: 32) وأحسَّ أن الآب تركه (15: 34). إن يسوع يتصّرف حسب طبيعته البشرية. هو يفعل كما يفعل كل إنسان: يأكل، ينام، ينظر في ما حوله ليرى (5: 32)، يتألم ويموت. عواطفه عواطف إنسان: إغتم لتصلّب قلوب الفريسيين (3: 5) وأحسَّ بالشفقة (34:6؛ 22:9)، وتحنّن على الجموع التي بدت كخراف لا راعي لها. إغتاظ حين رأى التلاميذ يُخرجون الأولاد (10: 14)، وبدا ساخراً سخرية مُرَّة حين قال لتلاميذه في جتسماني: "ناموا الآن واستريحوا" (14: 41)0 أحبّ ذلك الشاب الذي كان مجهولاً حتى الآن (10: 21)، واحتضن الأولاد ولاطفهم (10: 16)، وتعلّق بالتلاميذ تعلّقاً عميقاً. تنبع هذه العواطف من عقله (8:2) أو من نفسه (14: 34) فتجعله يحس بالحزن العميق بل بالوهن والإِرتخاء. تتميّز إرادته كل التمييز عن إرادة أبيه. هو يصلي ويطلب أن يُعفى من كأس الآلام مع الإِستعداد لقبول ملء مشيئة الله. ترتبط معرفته بالخبرة، وهو يطرح الأسئلة كما يفعل كل إنسان (30:5؛ 8: 5؛ 16:9- 21)، مع أنه لا يحتاج إلى جواب ليعرف (9: 33- 34). هـ- المواضيع التعليمية في إنجيل مرقس 1- العناصر الليتورجية والكرازية. نحن نكتشف أولاً عناصر ليتورجية في الحياة المسيحية التي عرفها مرقس. هو يتحدّث عن الصوم (2: 20)، عن مسحة المرضى (13:6)، عن الصلاة (29:9؛ 11: 24- 25). ونقرأ خبر تأسيس الإِفخارستيا ليلة الفصح (14: 16- 25)، وبمناسبة تكثير الأرغفة (6: 41؛ 8: 6). تعود هذه الذكريات إلى يسوع، ولكنها انطبعت بالممارسة المسيحية في القرن الأول. ونكتشف ثانياً مواضيع كرازية واضحة. هو يفسّر الإِشارات الجغرافية والكلمات الآرامية والعوائد اليهودية. حين تحدّث عن الناصرة أوضح لقرائه أنها تلك الواقعة في منطقة الجليل (9:1)، وحين ذكر بيت فاجي وبيت عنيا، زاد: "على مقربة من جبل الزيتون" (11: 1). أما الكلمات الآرامية الواردة فهي عديدة، وكل كلمة تلقى تفسيرها: بوانرجس أي ابني الرعد (3: 17)، بعل زبول أي رئيس الشياطين (22:3)، طليثا قوم أي يا بنيّة قومي (5: 41)، قربان أي تقدمة مقدسة (7: 11)، افتّح أي انفتح (7: 34)، جهنم أي النار التي لا تطفأ (9: 43)، برتيماوس اي ابن تيماوس (10: 46)، أبّا أي يا أبتاه (14: 36)، الجلجثة أي موضع الجمجمة (15: 22)، إلهي إلهي لما شبقتني أي إلهي إلهي لماذا تركتني (15: 34). ويفسر مرقس العادات اليهودية، ولا سيّما غسل الأيدي قبل الطعام (7: 2- 4)، ووقت التهيئة الذي يقع ليلة السبت (42:15). ونجد أيضاً مجموعات مهيّأة من أجل التعليم: الجدالات الخمسة (2: 1- 3: 5)، الأمثال (4: 1- 34)، المناقشات حول تقاليد الفريسيين (7: 1- 23). كما نجد إشارات ترتكز على الذاكرة فتجمع أقوالاً متفرقة: مثل السراج والمكيال في 4: 21- 25، وجوب التجرّد في 8: 34- 9: 1، المعثرة وشرّها في 9: 37- 50. والأمر واضح جداً في 23:11- 25 حيث ينتقل الإِنجيلي من الجبل، إلى الإِيمان الذي ينقل الجبال، إلى الصلاة المؤسّسة على الإِيمان، إلى المغفرة التي هي شرط من شروط الصلاة الصادقة. وأخيراً ترد مواضيع قد يكون المؤمنون تذكّروها في اجتماعهم الأسبوعي. هذا ما نجده في ف 10: الزواج المسيحي (آ 1- 12) يرتبط بالأولاد (آ 13- 16)، والشاب الغني يفتح الدرب للتعليم عن التجرد (آ 28- 31). كل هذا يدلّ على ما عملته الجماعة المسيحية الأولى لتكوّن مجموعات سيستفيد منها الإِنجيليون ليدوّنوا أناجيلنا الأربعة. وهذه الأناجيل ترتبط بأناس رافقوا الرب يسوع منذ معمودية يوحنا إلى اليوم الذي فيه ارتفع إلى السماء (أع 1: 22).
2- يسوع ابن الله نشير أوّلاً إلى أن مرقس يسمّي المعلِّم "يسوع" (81 مرّة)، لا المسيح يسوع. أما لفظة المسيح فلا نجدها مرة واحدة في فم يسوع، ويجب أن تبقى سراً (8: 29). وهناك ألقاب مثل النبي (6: 15؛ 8: 28) وابن داود (10: 47- 48) والرب (11: 3؛ رج 7: 28) وابن مريم (3:6). كل هذه الألقاب تبدو نادرة، ولكن لقبَيْ ابن الله وابن الإنسان يتوزّعان الكتاب كله. لهذا سنتوقف عندهما وننهي حديثنا عن مرقس بالتوسع في موضوع السر المسيحاني. ونبدأ الآن بموضوع يسوع ابن الله. إن عنوان الكتاب يحدّد هدف مرقس: "بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله". هكذا بينَّ يسوع المسيح أنه ابن الله. إختلف مرقس عن متّى الذي وزّع تسمية "ابن الله" في إنجيله توزيعاً واسعاً، فاحتفظ بها من أجل أوقات معيّنة لأنه يعتبرها لقباً لاهوتياً. فإذا وضعنا جانباً الاعتراف بابن الله في فم الشياطين في أحد الأخبار (5: 7) وإجمالة تورد أن الأرواح النجسة كانت تخرّ له وتصرخ: "أنت ابن الله" (3: 11)، فعبارة ابن الله موجودة في الأماكن المهمة من الإِنجيل. يوم العماد هتف صوت من السماوات، صوت الآب: وأنت إبني الحبيب، بك سررت" (1: 11). ويوم التجلي، ظللت الغمامة الرسل الثلاثة، والغمامة هي علامة عن الحضور الإِلهي، وخرج صوت من الغمامة يقول: "هذا ابني الحبيب، فاسمعوا له" (7:9). وفي المرة الأخيرة برز هذا اللقب في فم الضابط الروماني (قائد المئة) الذي أعلن باسم الوثنيين ثمار موت يسوع. حين رآه يسلّم الروح قال: "في الحقيقة كان هذا الرجل ابن الله" (15: 39). إذن، يريد الإِنجيل الثاني أن يكشف للوثنيين مضمون البشارة: يسوع المسيح هو ابن الله، لا بالمعنى المسيحاني الذي يعتبر كلَّ ملك ابنا لله، بل بالمعنى الحقيقي والشخصي.
3- يسوع ابن الإنسان مجيء الرب هو سر، ولهذا يحاول كل إنجيل أن يكشف لنا هذا السرّ. حدّثنا متّى عن ملكوت السماوات. أما مرقس فركَّز إنجيله على شخص يسوع الذي هو الملكوت بالذات، ركَّزه على سر ابن الإنسان. هناك تقليدان في أصل عبارة ابن الإنسان. تقليد يرتبط بحزقيال فيقابل بين عبارة ابن آدم (= في الآرامية، إبن الإنسان) بالضمير. مثلاً، نقرأ في حز 2: 1: "يا ابن البشر، قف على قدميك". هذا يعني: أنت أيها الإنسان (رج مز 8: 5؛ عب 6:2). وهكذا يلفت يسوع النظر إلى شخصه دون أن يتخذ بصورة رسمية لقب المسيح. ولكن يبقى نصّان مهمّان يشيران إلى مجد يسوع. الأوّل نقرأه في الخطبة عن نهاية العالم. يقول يسوع: "حينئذ يشاهدون إبن البشر آتياً في السحاب، في كثير من الجلال والمجد" (13: 26). إن السحاب يدلّ على حضور الله (خر 34: 5؛ لا 16: 2؛ عد 11: 25)، وابن الإنسان هو شخص سماوي. وهذا ما نكتشفه أيضاً في النص الثاني. سأل رئيس الكهنة يسوع: "أ أنت المسيح ابن المبارك" (أو ابن الله" واليهود لا يتلفظون باسم الله)؟ فقال له يسوع: "أنا هو. وسترون ابن البشر جالساً من عن يمين القدرة (أي يمين الله القدير)، وآتياً في سحاب السماء" (26:14). تربطنا هاتان الآيتان الأخيرتان بما قاله دانيال والأوساط الجليانية. إن ابن الإنسان يمثّل شعب قديسي العلي. هو يصعد من الأرض مع سحاب السماء، ويتقدم الى عرش قديم الأيام (أي الإِله الأزلي) لينال منه المُلك (دا 13:17). إذن، نحن هنا أمام شخص يمثّل الشعب كله. سيجلس عن يمين الله القدير، وسيمارس الدينونة. وهكذا تتجاوز مزايا ابن الانسان مزايا المسيح، أي الملك الذي ينال المسحة: إنه يأتي من عالم السماء، من عالم الله. أجل، إن يسوع كابن الإنسان، يمارس منذ حياته على الأرض وظيفة الديّان (2: 10، 28): جاء يخلّص الخطأة غافراً خطاياهم ويدشن الملك المسيحاني. وهو يعلن بلقب ابن البشر المجدَ الذي سيكون له بعد عبوره في الألم الذي يتحمله. وهكذا ترتبط هذه العبارة بعبارة "عبد الله المتألم" الذي تحدّث عنه أشعيا: "ينبغي لابن البشر (أي لي أنا) أن يتألمّ كثيراً، وأن ينتبذه الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة، وأن يُقتل، ويقوم بعد ثلاثة أيام" (8: 31؛ رج 10: 33، 45).
4- السرّ المسيحاني لقد أراد يسوع أن يُخفي هويته الحقيقية فرفض أن يُفشى سّره. هو "لم يدع الشياطين يتكلّمون" (1: 34)، بل كان ينتهرهم كثيراً أن لا يشهروه (3: 12). وفرض على الذين شفاهم أن لا يقولوا لأحد شيئاً (1: 44؛ رج 5: 43؛ 7: 36؛ 8: 26)، كما "أوصى التلاميذ أن لا يقولوا لأحد" إنه المسيح (8: 30)، أن لا "يخبروا أحداً بما رأوا" (9: 9) على جبل التجليّ. طلب يسوع من يائيرس وإمرأته "أن لا يعلم أحد" بقيامة ابنتهما (43:5). ولكن كيف يمكن هذا، والشعب الحاضر هناك عرف بموت الصبية وناح عليها؟ ثم إن هناك أشفية حدثت بعيداً عن الجموع وكأن يسوع يريد أن يُخفي سَّره وعملَه عن الناس. كيف نفسرّ هذا الموقف الذي اتخذه يسوع؟ قال البعض: هذا يُبرز الطابع المتواضع لحياة يسوع. ورأى آخرون فناً تربوياً لدى يسوع: فسّر اليهود مسيحانيته بطريقة بشرية فتنازل لئلا يبهر معاصريه بوحي ساطع عن ألوهيته. ولكننا لسنا فقط أمام خطة قام بها يسوع، بل أمام شرط من شروط الوحي: لم يكن باستطاعة يسوع أن يكشف عن هويته قبل أن يدل بموته على مضمون الألقاب التي تعطى له، كالمسيح وابن الإنسان... أجل، إن الإنسان لا يقدر أن يدرك الله، ولكن الله هو الذي يعطيه بعض هذا الإِدراك. وهذا يعني أنّ "السر المسيحاني" يعود إلى يسوع نفسه. هناك عيون الجسد وهناك عيون الإِيمان. وقارئ إنجيل مرقس يسير مسيرة الإِيمان متلمساً طريقه. هو يحاول بعين الجسد أن يدخل في سر ابن الله، وهو يتمنى أن يصل إلى النور الكامل، وهذا لن يتم إلا يوم القيامة.
خاتمة الإِنجيل هو الخبر السار والبشارة الموجَّهة إلى كل البشر: حقّق الله بالمسيح مواعيده، فلا يبقى لنا إلاّ أن نعلن الإِنجيل "في جميع الأمم" (13: 10)، "في العالم كله" (9:14). فعمل الله الذي ظهر في حياة يسوع وموته وقيامته ما زال يتواصل في العالم بالكلمة التي سلمها إلى تلاميذه، وإلينا نحن اليوم. والإِنجيل هو أيضاً عمل الله بين البشر وهو يدعونا أن نتخذ موقفاً بالنسبة إليه. فنعلن مع بطرس أن يسوع هو المسيح، ومع قائد المئة أنه ابن الله.
|
|
|
الفصل الحادي عشر: المعجزات في إنجيل مرقس |
|
دراسات بيبلية -
الأناجيل الإزائية، متى - مرقس - لوقا (1994)
|
|
الفصل الحادي عشر المعجزات في إنجيل مرقس الارشمندريت نيقولا انتيبا
يحفظ لنا المؤرخ أوسابيوس في كتاب "تاريخ الكنيسة" شهادة نقلها عن الأسقف بابياس حيث يقول: "إن مرقس، ترجمان بطرس، قد كتب بدقة، وإن بدون ترتيب، ما تَذكّره من أقوال الرب وأعماله، لأدب مرقس لم يسمع الرب ولا كان له تلميذاً، بل أصبح في وقت لاحق تلميذاً لبطرس". حرص مرقس كما سنرى على التقليد الايماني الذي وصله من الكنيسة الرسولية الأولى. وكان همه الوحيد تقديم "البشارة": يسوع الناصري هو المسيح ابن الله (1/ 1). وقد افتَتحت هذه البشرى الواصلة على يد المسيح طريقاً جديداً نحو الله. ثم كانت البشرى التي نادى يسوع بها: "تمَّ الزمان... وأقبل ملكوت الله..." (1/ 15). يتدخل ملكوت الله قي عالمنا وبيئتنا وحياتنا ليس بواسطة أقوال يسوع فحسب، بل أيضاً بقدرته على صنع المعجزات. ويقف المؤرخ في عمله أمام "المعجزة" ليحلّلها لأنه ناقد، ثم يعود إلى الماضي ليدخل في كنهها، ليتعرّف إليها. إن المؤرخ ناقد، وهذه "علّته"، لأنه يريد أن يُوضح بعض الخفايا. هل يتأسّف على وضعية عيش المسيحيين الأوائل لأنهم قبلوا "المعجزات"؟ قبل كل شيء، عليه أن يدرس البيئة الدينية حيث وُلدت المعجزة ليفهم بالتالي معناها ودورها في مجرى المسيحية. سنُعطي في بحثنا نظرة مجملة إلى "المعجزات" في الأناجيل الازائية وندرس معاً المفردات التي تقودنا إلى فهم دعوتنا إلى التوبة وجوابنا الايماني، وبالتالي الخلاص الذي يحصل من جرائها. ثم نشدّد في قسم ثان على "المعجزة" حسب ما فهمها الانجيلي مرقس، ونضعها في الإِطار الأدبي الذي استعمله ليوصل إلينا ما أخذه من التقليد الكنسي.
1) مفهوم المعجزات إننا نلاحظ، إذا حصرنا نظرتنا في الأعمال المعجزة، أن عقلية الناس العاديين في العالم القديم لا تختلف اساساً عن عقليتنا اليوم. إننا ندرك في المعجزة ميزتها "خارقة الطبيعة" دون أن نعي كلياً "قوانين" الطبيعة. كان العرف الشعبي القديم محفوفاً بالتعاليم الخرافية الأسطورية المتعددة. كانت الأمراض، التي نحن بصددها اليوم وننعتها بالأمراض العصبية والتي وجد لها الأطباء النفسانيون حلولاً، كانت تُعتبر في وجهة من الوجهات "مسّا" من الشيطان أو متأتية من وجود "قوى" شيطانية. لقد أنمى يسوع في تلاميذه إيمانهم بالاله الحقيقي الذي سينقّي الخرافات الشعبية. وبالتالي فإن معجزاته تروي تأسيس ملكوت الله بعيداً عن التفاسير التي وردت في مفهوم زمانه. يقول لوسيان سرفو: "لا يحقّ للمؤرخ ولمفسرّ الكتاب المقدس في عملهما أن يَنفيا المعطيات الدينية التي يقوم عليها جوهر الوحي. فالتقليد الشريف اليوم والذي هو بين أيدينا، وصلنا على أيدي الرسل وخلفائهم، وعليهما (المؤرخ والمفسرّ) أن يحافظا على أمانة التقليد ضمن حدود الكنيسة". لم يعتبر يسوعُ نفسَه صانع معجزات أو ساحراً أو محتالاً مشعوذاً. فمعجزاته ملتصقة تماماً برسالته، وهذا ما ردده يسوع لمرسَلي المعمدان: "إذهبوا فأخبروا يوحنا بما تسمعون وترون: العميان يبصرون والعرج يمشون مشياً سوياً، البرص يبرأون، والصم يسمعون، الموتى يقومون والفقراء يُبشَّرون..." (متّى 11/ 4- 5). وهذا ما يعيده في عظته يوم أرسل تلاميذه للبشارة: "إشفوا المرضى، وأقيموا الموتى، وأبرئوا البرص، واطردوا الشياطين..." (متّى 10/ 8). وفي تبكيته لمدن الجليل، يستعمل يسوع تعبير "القوات" ليدلّ على المعجزات. تعمل قوة الله بواسطة الرسالة في النفوس لتغيرّها، وبواسطة المعجزات الناتجة عن تلك الرسالة لتكشف القوة التي تعمل في المسيح. فلا تكمن أهمية معجزات يسوع في كونها جزءاً لا يتجزأ من الحدث المباشر فقط. لقد كانت لمعاصري يسوع سهلة المنال وصعبة الفهم في الوقت نفسه. ولكن اذا نظرنا إليها نظرة أخيرية (اسكاتولوجية) بعيدة عن اتصالها بالحاضر، فإن المعجزات كانت تُعِدّ الانسان للدخول إلى ضوء العمل الإِلهي، أي إلى دخول الملكوت. يجعلنا اذاً تماسك الذكريات الانجيلية والأمانة للتقليد ضمن الإِطار الشفهي، يجعلنا نصدّق صحة هذه المعجزات ونضعها بالكفة نفسها في الميزان التاريخي مع معطيات أخرى تُظهر هذه الأصالة.
أ) المفردات لا يعرف العالم الكتابي الطبيعة في مفهومنا اليوم خارج نطاق الله. إنها خليقته وعمله، والله صانعها وبارئها. فالخليقة معجزة، وانسان الكتاب المقدس يختبرها دائماً باعجاب ويهتف: "ما أعظم أعمالك يا رب، لقد صنعت جميعها بحكمة" (مز 104/ 24). ولا ينفك البار يعظّم الله في مساعدته وخلاصه وفدائه، إذ إن أعمال الله الخلاصية كلها معجزات: "ما أكثر ما صنعت أكلا الرب الهي! لنا عجائبك وتدابيرك فما لك من مثيل. فلو أردتُ أن أخبر بها وأتحدث، لكانت أكثر من أن تحُصى" (مز 40/ 6؛ راجع مز 139/ 14). رغم ذلك كله، فإن المعجزة الرئيسية في العهد القديم هي تحرير الشعب اليهودي على يد موسى وهارون من عبودية فرعون. ونعلم أن هذا العمل المعجز كان محكوماً من قِبَل قدرات تاريخية. فنظر إليها الكتّاب الملهمون نظرة الإِيمان ورأوا فيه عملاً إلهياً خارق الطبيعة في سبيل الشعب وخلاصه. أجل، كان "الخروج" معجزة. يتبنّى العهد الجديد مفهوم العهد القديم في المعجزة، لأنه يقدّم لنا صورة عن يسوع مستعيناً ليس فقط بالأقوال ولكن بالأعمال أيضاً، لأن الأعمال هي خاصة كل نبي. كانت هذه نظرة تلميذَيْ عماوس: "قالا له: ما يختص بيسوع الناصري، وكان نبيّا مقتدراً على العمل والقول عند الله والشعب كله..." (لوقا 24/19). يدلّ العهد الجديد على هذه الأعمال بمفردات مختلفة لا تتضمن في حد ذاتها حدثاً غريباً ولا غير عادي، كما إنها تختلف في الأناجيل الإِزائيّة عما هي في يوحنا، فهذا الأخير يستعمل بنوع خاص كلمة "علامة" . أما الازائيون فيستعملون مفردة "ديناميس" ليعبرّوا عن المعجزة رغم أنها تدلّ على "عمل قدرة". وأما تعبير "تيراس" أي "آية" فلا يستعمل لوحده ليدلّ على معجزة ليسوع. وبالتالي، كما يقول ريمون براون: "لا تشدّد المفردات في النصوص اليونانية على فكرة "المعجزة" والشيء "خارق الطبيعة". فنحن بصدد صنفين من الأعمال المعجزة التي قام بها يسوع: الأشفية ومعجزات الطبيعة. لا يعتبر العديد من مفسري الكتاب المقدس، مثل رودلف بولتمان وفانسنت تايلور، ان معجزات الطبيعة متعلقة بالتقليد الأصيل الذي يعود إلى يسوع، بل انهم ينسبونها إلى التقليد الرسولي للكنيسة الأولى. لا يشكّل هذا الفصل بين المعجزات عائقاً هاما للإنجيليين، لأنهم لا يُظهرون اندهاشاً أمام الأشفية، كما أنهم لا يُبدون صعوبة في قبولها ووصفها. فلا غرو أن تؤلف المعجزات العدة الأساسية التي استعملها يسوع ضد الشيطان (مر 3/ 22 - 27)، ولذا فالمعجزة هي "عمل قدرة". حتى في إقامة الموتى وفي إيقاف قوى الطبيعة مثل العواصف، يُظهر يسوع قدرةَ الله على القوى الشيطانية. مهما اختلفت المفردات التي تدل على المعجزة، فإنها تشير إلى عنصر هام كونها آية أو علامة. فالمعجزات بالتالي آيات وعلامات تقود البشر إلى الله، ولكنها تختلف عن الأعاجيب الظاهرة المصنوعة من قِبَل الشيطان (راجع 2 تس2/ 9). ويرفض يسوع في إنجيل مرقس "الأعاجيب" والأعمال الخارقة التي من شأنها أن تظهره كائناً "فوق الطبيعة". إنه يرفض مثل هذا العرض الذي يدل على أنه عمل تضليل، أي من عمل الشيطان". نزيد على ذلك أن المعجزات لم تكن تأكيداً خارجياً أو "برهاناً" لرسالة يسوع فقط، بل بالأحرى إنها أداة لايصال رسالته التي جاء من أجلها. فالكلام والعمل يعبرّان عن دخول قدرة الله في الزمان والمكان. وتجرّنا فكرة "المعجزة" إلى "الاندهاش والعجب"، وهذا ما يدلّ عليه الفعل اليوناني "تومازين". إنها ردّة الفعل أمام العمل الإِلهي عند الجموع أو عند الذي استفاد من المعجزة. هذا ما جرى بعد شفاء الممسوس في ناحية الجراسيين: "فمضى وأخذ ينادي في المدن العشر بكل ما صنع يسوع اليه. وكان جميع الناس يتعجبون" (مر 5/ 20).
ب) دعوة إلى التوبة لم يعمل يسوع المعجزات ليُشبع فضول الناس أو ليدعوهم للتعجب والاندهاش فحسب، بل ليوجّه إليهم دعوة إلى التوبة جواباً على رسالته: "توبوا، قد اقترب ملكوت السماوات" (متّى 4/ 17). إنه يدعوهم إلى تغيير جذري في قلبهم وعقلهم وحياتهم. لا بدّ لكل معجزة أن تكون للانسان ينبوع تفكير وتأمل، ولا يعني ذلك أنه في إمكان الإنسان أن يدرك جميع أسبابها ويرد إلى كنهها. يقول القديس أوغسطينوس في هذا الصدد: "لنسأل المعجزات: ماذا تستطيع أن تطلعنا عن المسيح؟ إذا فهمناها، فإنها تتكَلم بنفسها... إنها كلمة الله، وجميع أعمال كلمة الله هي أقوال موجهة لنا. ليست المعجزات بالتالي صورا ننظر إليها ونعجب بها، إنها رسائل علينا أن نقرأها ونفهمها". تصبح المعجزة لدى قراءتها وفهمها دعوة جديدة إلى اتّباع يسوع وقبوله مسيحاً. تُوجّه الدعوة إلى كل شخص منّا، وكمثل سائر الدعوات، تُقبل أو تُرفض. إن قبول المسيح عمل تلقائي ولا أحد يجبر الشخص الآخر عليه. فالإِيمان به عمل حرّ وجواب نابع من أعماق النفس البشرية. لا يترك القبول بالمسيح جزءاً من حياة المؤمن دون أن يتفاعل معها وأن يبدّلها. وبالتالي لا يظهر الجواب الإِيماني اعترافاً شفهياً خارجياً فحسب، بل إنه يذهب إلى أعمق من ذلك، إنه عمل يتطلب التوبة. هذا هو الموضوع الرئيسي الذي عالجه الانبياء في العهد القديم، وهو موضوع تغيير الطريق والعودة بلا شرط إلى إله العهد: لقد أكمل يسوع أيضاً هذه الدعوة وجعل من التوبة قوة إلهية تولّد في المؤمن تغييراً جذرياً في حياته، وهي أقوى من الموت. إنها تحدٍّ للايمان وهي تقود إلى الإِيمان. هذا ما عناه يسوع عندما أجاب رئيس المجمع يائيروس: "لا تخف، آمن فحسب" (مر 5/ 26).
ج) جواب الإِيمان تشهد المعجزات والأعاجيب لرسالة يسوع ولوضعه المسيحاني، وتُظهر مجده. فهي بالتالي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بأقواله. فلا غرو في ذلك، إذ إنها توصل إلى حقيقة شخص المسيح. ويقول أ. باكس: "إن للمعجزة وجهين متكاملين، فردي وجماعي؛ إنهما مرتبطان معاً. تحصل المعجزة بادئ ذي بدء للشخص ذاته أو المستفيد منها، وهو عضو في الجماعة التي تقبل هذه المعجزة، ثم تأخذ منها موقفاً: قبول المسيح والإِيمان به". فتؤلف المعجزات البشارة نفسها لعمل الفداء (راجع رسل 10/ 38). فهي لا تشدّد على الخوارق، ولكن على إيمان الشهود واندهاشهم. وهنا يظهر العنصر الجامع بين الوجهين الفردي والجماعي. وتساعد بالتالي المعجزات الكرازة لتقرّب الانسان من الذي وطئ الموت بقيامته من بين الأموات. فالمؤمن الذي تخامره فكرة عن الله، ويكتنز قلبه استعداداً للإيمان، يرى في الحدث الذي يبدو له خارقاً بادرة عطف من لدن الله. وهذا ما يصفه مرقس حين يقول: "فاشفق عليه يسوع ومدّ يده فلمسه وقال له: قد شئت فاطهر" (1/ 41). أو في معجزة الخبز والسمك: "فلما نزل يسوع إلى البر ورأى جمعاً كثيراً، فأخذته الشفقة عليهم، لأنهم كانوا كخراف لا راعي لها، وأخذ يعلّمهم أشياء كثيرة" (6/ 24). يضع كسافييه ليون- دفور في مقطع جميل مقابلة بين الإِيمان والمعجزة ويقول: "إن موضوع الإِيمان هو معجزة، علينا أن نحصل عليها، لأن المعجزات وليدة الإِيمان وليست مسببتها. إنها علامات تدعونا إلى البحث عن الذي يعملها. وعندما يقع ناظرنا على المسيح، فإن الإِيمان يقتلع المعجزة من قدرة المسيح العظيمة... والإِيمان في قدرته الذي يطلبه يسوع هو جواب الانسان إلى الملكوت الذي يحصل بأعماله. ويصل هكذا الإِيمان إلى الله". فلا يقوم إيمانناً إذاً على المعجزات؛ بل الإِيمان انضمام إلى يسوع القائم من بين الأموات، لأن قاعدة إيماننا هي قيامة المسيح من بين الأموات كما يشدّد على ذلك الرسول بولس (راجع 1 كور 15/ 14). وليس هذا الحدث بمعجزة، بل هو سرّ لا يُدرَك إلاّ بالإِيمان. يقول اتيان شربنتيه: "وإذا كنت أؤمن بأن الله تدخَّل في حياة ذلك الإنسان، في حياة يسوع، صباح الفصح، فليس هناك من سبب يحملني على رفض امكانية تدخّله يا حياته أيضاً عن طريق المعجزات". فالمعجزة ترسم لنا طريقاً إيمانياً: إنها تقودنا من الإِيمان بالمعجزة إلى الإِيمان بالله، ومن المنظور الخارجي إلى المركز الداخلي الذي هو ينبوع المعجزة. ويصبح شفاء الجسد علامة لسلامة الروح (راجع معجزة شفاء المقعد في كفرناحوم، مر 2/ 1- 12). وتصل هذه الدينامية إلى الإعتراف والإِقرار بضعف الإِيمان أو بعدمه: "آمنت، فشدّد إيماني الضعيف" (مر 9/ 24).
د) الخلاص تُولّد التوبةُ الايمانَ في نفس المؤمن الذي يقبل يسوع وعمله المعجز. ويدفعه الإِيمان بالتالي إلى الحصول على الخلاص. هذا ما جرى لزكا العشار عندما أظهر توبته من خلال القرار الذي اتخذه بأن يَقسم أمواله بينه وبين الفقراء. ويردّ يسوع على هذا الإِيمان: "اليوم حصل الخلاص لهذا البيت، فهو أيضاً ابن ابراهيم. لأن ابن الإنسان جاء ليبحث عن الهالك فيخلّصه" (لوقا 19/ 9- 10). فالخلاص والإِيمان مرتبطان ارتباطاً وثيقاً عند المستفيد من المعجزة. تدعو طبيعةُ الأشفية القارئَ إلى رؤية المعجزات ليس بمنظار الخوارق، ولكن إلى رؤيته "كلاماً" يبشِّر بملكوت الله ويؤدي رسالة. يقول ليون- دوفور: "لا يقف القارئ أمام المعجزة ليبحث علمياً عن ما ورائياتها، ولكنه ينظر إلى كيفية سردها، لأنها أتت لتدلّ على أن الله القدير يعمل في المسيح، وهذا العمل هو خلاصي". يظهر هذا الخلاص في العهد الجديد عندما يدلّنا الازائيون على أن مجيء المسيح قد تمَّ وأن ملكوت الله قد حضر. ونجد في الإِنجيل اقتناعاً أن ملكوت الله قد حضر بنوع خارق الطبيعة في حياة يسوع. وأنه يصعب علينا اليوم من خلال عقليتنا أن نعي جيّداً ما كان مفهوماً وواقعياً آنذاك. فالمعجزة في نظر يسوع، كما قلنا آنفاً، هي علامة بأن مجيء ملكوت الله وشيك، لا بل إن هذا الموعد قد حل بمجيئه. فلا غرو أن نفهم المعجزة ضمن إطار ذلك العصر وخلفيّته الدينية بأنها عمل الفداء، وأنها تبشر بأن الزمان قد تمّ وأن علاقة الله بالانسان عادت طبيعية كما كانت عليه في السابق. ويزيد ليون- دوفور علىٍ ذلك بقوله: "لقد وجدت الجماعة الأولى في المعجزات معنى مضاعفاً: إنها آيات أخيرية وهي تبشر بأن الزمان قد تمَّ. وإنها أيضاً أعمال رمزية وهي تكمّل الخط النبوي الذي يسبق الحقيقة المختلفة عن الرؤية". وتحمل المعجزة معها التعليم بأن المسيح يمنح الخلاص للذين عادوا إلى الله بالتوبة ثم قبلوا دعوته بإيمان.
2) المعجزات عند مرقس بعد أن قدّمنا عرضاً عاماً عن المعطيات الكتابية عند الإِزائيين حول "المعجزة" ومفهومها وعلاقتها بالمستفيد منها، نحوّل نظرتنا الآن إلى درس "المعجزة" عند مرقس البشير. لقد استفضنا في درسنا العام للمعجزة، لأن مرقس يرتبط أيضاً بالتقليد الذي وصله من الجماعة الكنسية الأولى. وننطلق في درسنا لمفهوم "المعجزة" عند مرقس من بحثين قام بهما تييري سنوا في مجلة لوفان اللاهوتية، ومجموعة من الكتّاب الفرنسيين.
أ) إنجيل مرقس لا يعدّ مرقسُ يسوعَ الناصري رجلاً مثل الآخرين. "فالصورة التي يجدها القارئ في إنجيل مرقس هي قدرة يسوع على صنع المعجزات، لأن الأهمية تكمن في الأعمال أكثر منها في العظات". ونعلم أن مرقس هو أول من قدّم لنا رواية عن يسوع، فلا غرو إذا سميناه الانجيل "الأقدم" و"المختصر". نقسم إنجيل مرقس إلى جزءين ونسمي الجزء الأول (1/ 14 - 8/ 33) "سرّ المسيح"، والثاني "سّر ابن الإنسان". يشدّد مرقس في القسم الأول على معجزات يسوع مع أنه يقدّم لنا تعليم الجموع بالأمثال التي تهيّئ مجيء ملكوت الله. ويجهد يسوع في هذا القسم بأن يخفي "مسيحانيته" ويجعلها مكتومة (راجع 1/ 33- 34؛ 3/ 12؛ 5/43؛ 7/36؛ 8/26) مع أنه يوبّخ تلاميذه لعدم مقدرتهم على الاستيعاب والفهم (راجع 6/ 52). ويرتكز نشاط يسوع الرسولي في الانجيل المرقسي على كشف هويته نفسها ودوره في ملكوت الله الذي يتحقّق من خلال "تعليمه" الذي يتضمّن أيضاً المعجزات والتعزيمات. ب) جدول للمعجزات 1) ممسوس كفرناحوم 1/23-28 2) شفاء حماة بطرس 1/29-31 3) جدول تلخيصي 1/32-34 و 39 4) ابراء أبرص 1/40-45 5) مقعد كفرناحوم 2/ 1- 4 و 10 - 12 6) رجل يده شلاء 3/ 1- 6 7) جدول تلخيصي 3/ 7- 12 8) تسكين العاصفة 4/ 35- 41 9) ممسوس ناحية الجراسيين 5/1-20 10) إحياء ابنة يائيروس 5/21-24 و 35-43 11) المنزوفة 5/5-34 12) تكثير الأرغفة 6/ 35 - 44 13) يسوع يمشي على المياه 6/45- 52 14) جدول تلخيصي 6/ 53- 56 15) ابنة الكنعانية 7/ 24- 30 16) أصم أبكم 7/ 31- 37 17) تكثير الأرغفة الثاني 8/ 1- 10 18) أعمى بيت صيدا 8/ 22- 26 19) صبي مصاب بالصرع 9/ 14- 27 20) أعمى أريحا 10/ 46- 52 21) التينة اليابسة 11/12-14 و 20-22 نستطيع القول إن نصوص المعجزات هي جزء لا يتجزأ من نصوص إنجيل مرقس، وإن نصف النصوص على وجه التقريب لحياة يسوع العلنية تسرد لنا المعجزات. هكذا بقي مرقس محافظاً على التقليد الذي وصله من الكنيسة الأولى، ولم يُرد، اذا استطعنا القول، أن يفقد شيئاً منه. إنه، على سبيل المثال، يورد لنا مرتين "تكثير الأرغفة" مع أنه وجد في تقليده بعض الفروق في العرض. لقد رأى التقليد في المعجزات، منذ القدم، ظهور قدرة يسوع الخارقة الطبيعة. وهذا ما نكتسبه لدى قراءتنا نصوص معجزات مرقس. يقول لوسيان سرفو: "يطلق سلطانُ يسوع قدرةَ الله في تحقيق ملكوته، ويتسلّط على القوى الشيطانية كما على الماسي البشرية المبتذلة". "وكانت حماة سمعان في الفراش محمومة" (1/ 30؛ راجع مر 4/36- 41؛ 5/41-43). وفي موجز عن نشاط يسوع العجائبي في الجليل يرى مرقس حول يسوع وتلاميذه أناساً جاؤوا من الجليل واليهودية وأورشليم وأدوم وعبر الأردن ونواحي صور وصيدا. يعود سبب ذلك إلى أن يسوع "شفى كثيراً من الناس... وكانت الأرواح النجسة، اذا رأته، ترتمي على قدميه" (3/7- 12). زد على ذلك أن الانجيل الثاني يحتوي على جداول تلخيصية للمعجزات استقاها الكاتب من التقليد الذي وصله. ويقول تييري سنوا في هذه الجداول وأهميتها ودورها في بنية إنجيل مرقس: "تلعب الجداول التلخيصية للمعجزات (مر 1/ 32- 34؛ 7/3- 12؛ 6/ 53-56) دوراً هاماً في بناء وتأليف الإِِنجيل وتعطيها لحمة في سياق عمل يسوع العجائبي خاصة في القسم الأول من الإِنجيل (1/ 1- 8/26)". إنه ليصعب علينا أن نصنّف المعجزات لدى دراستنا مبنى الرواية. لأننا نجد معجزات تركِّز على موضوع مناظرة جرت بين يسوع والكتبة وتتضمّن جواب يسوع على النقاش (مر 3/ 1- 6)، أو أنها تهتم بأقوال يسوع وتعبرّ عن معنى رسالته (مر 1/ 1- 12). ويقول سنوا: "لا يحتوي يوم كفرناحوم الأول على ماهية "تعليم يسوع" (مر 1/ 21 - 22)، ولكن مرقس يقدّم لنا الأعمال والأشفية التي أجراها يسوع هنا. فالتساؤل الذي حدث للشهود عند خروج الشيطان يحمل في طيّاته معنى خاصاً: ما هذا؟ انه لتعليم جديد يُلقى بسلطان. حتى الأرواح النجسة يأمرها فتطيعه (1/27). لا تعود الفكرة إلى العظة التي ألقاها يسوع بل إلى عمل قام به". ونجد أيضاً معجزات تشدّد على عمل يسوع العجائبي (راجع مثلاً الأعداد 4 و 9 و 8... في جدول المعجزات). رغم هذه الصعوبة، فاننا نستطيع أن نفصل بين معجزات "الأشفية" ومعجزات جرت "في الطبيعة" مثل تسكين العاصفة (4/ 35- 41) وتكثير الأرغفة (6/ 35- 44...). في نظر مرقس، كما في نظر العالم القديم، تعود قوى الشر إلى أسباب تفوق الطبيعة. فالله والشيطان يدخلان في منازعات للسيطرة على العالم. وبالتالي فإن الأشفية التي يعملها يسوع تدخل في إطار لاهوتي، وتصبح المعجزة وحياً. يدعونا هذا الفصل الوهمي بين معجزات الأشفية ومعجزات- الطبيعة إلى التشديد على قدرة يسوع ورسالته. لكنّ يسوع يرفض صنع المعجزات. ولم يخفَ ذلك على مرقس إذ إنه ينثر في رواياته تلك الأوامر الدائمة بحفظ "السرّ".
ج) عدم إباحة السرّ يرفض يسوع في مر 8/ 11- 12 أن يعطي "آية" خارقة ليدلّ على التأييد الإِلهي، وبالتالي إنه يرفض أن يجرّب الله كما فعل الشعب قديماً في البرية (راجع كلمة "جيل" في الآية 11). تؤدي هذه المطالبة إلى إكراه الله على العمل، إلى تجربة الرب. ولا يخفى علينا بأية قوة أبعد يسوع المجرب الذي دعاه إلى الالقاء بنفسه من شرفة الهيكل على مرأى من الشعب. يقول لوسيان سرفو: "لا تنتمي معجزات يسوع إلى الفكرة بأن يستعمل الإنسان المعجزات ويجبر الله بها كما في عمل سحري ليحقق مآربه الشخصية. بل على العكس تماماً، فإن أعمال يسوع، أي أقواله ومعجزاته، تدخل في إطار الوحي الذي يصدر عن إرادة الله فقط ". زد على ذلك أن يسوع يرفض صنع الآيات لأن المعجزات تَطلب إليه لأن يُظهر مسيحانيته. وإذا كانت المعجزات تشهد على قدرته، فذلك لا يدل على أن يسوع وافق على طلب الفريسيين، بل لأنه هو أرادها بهذه الطريقة. وعندما يرفض يسوع أن يعطيهم آية لتدعمه في رسالته، فانه يظهر حقيقة شخصيته: إنه يعمل ما يريد، ولا يترك أي شخص يجبره على عمل ما. هذه دلالة على أنه "ابن الله" (مر 1/ 1 و11؛ 3/ 11؛ 5/7...). وفي مقطع آخر (13/ 21- 23) يحذّر يسوع من صنع "الآيات والأعاجيب" ويرفضها، ليس لأنه يدافع عن منزلته العالية فقط، بل لأنهها من عمل المحتالين: "سيظهر مسحاء دجّالون وأنبياء كذّابون يأتون بآيات وأعاجيب، ليضلّوا المختارين لو أمكن الأمر" (آية 22). ولكننا نستدل من جهة ثانية، أن يسوع لا يزال يعمل المعجزات. ونتبين من التلخيص الوارد في (مر 3/ 7- 12) أن يسوع يبحث عن الخلوة ولكنه لا يستطيع ذلك لأن الشعب تعلّق به من أجل المعجزات: "وتبعه جمع كبير... وقد سمعوا بما يصنع فجاؤوا إليه" (3/ 7- 8). ونستخلص أيضاً أن يسوع يريد أن يجعل مسيحانيته مخفية وسّرية، ولكن الشياطين تُظهرها وتشُهرها. فيفرض يسوع الصمت على الشياطين الذين يتكلمون بلسان الممسوسين، لأنهم يعرفون من هو: "ولم يدع الشياطين تتكلم، لأنها عرفته" (مر 1/ 34). ويعتقد مرقس من خلال فرض الصمت أن هناك ساعة حدّدها يسوع نفسه لإِظهار ذاته. ففي بستان الزيتون يتوجّه يسوع إلى تلاميذه النائمين بقوله: "ناموا الآن واستريحوا. لقد قُضي الأمر وأتت الساعة" (14/ 14)، وهي ساعة الآلام والساعة التي يتمّ فيها التدبير الإِلهي. ويعلّق سنوا على سر مسيحانية يسوع فيقول: "إن مسيحانية يسوع لا تُفهم ولا تُعلن إلاَّ من خلال آلامه وقيامته. يبتعد يسوع عن الحشود التي تتجمع حوله ما دام هذا الزمن لم يحضر بعد. إنه يمنع أن يشهر ابن الله ما لم يُعرف أنه ابن الله المتألم". نستطيع بعد ذلك أن نفهم أن فرض الصمت على الألقاب والإِعتراف بهوية يسوع مرتبطان بالفن الأدبي الذي استعمله مرقس لأن "افشاء هوية يسوع يؤدي حتماً إلى تسليمه إلى الموت. لذلك يعلن يسوع، بدون تمهيد، عن موته (8/ 31 ي)، ذلك الموت الذي يصبح حتمياً حين يجيب يسوع على سؤال عظيم الكهنة: "أنا هو". ويستنتج تييري سنوا في حاشية: "لا نجد في مرقس أي ظهور للمسيح القائم من بين الأموات، لأن القيامة تتحقّق في أقوال وأعمال المسيح الماضية، غير المفهومة والمبهمة طوال حياته الأرضية. وتجد هذه الأقوال والأعمال معناها الحقيقي في بشارة "الإِنجيل" بواسطة الكنيسة".
د) البشارة والخلاص يُعدّ مرقس بين الإِزائيين راوية أكثر منه لاهوتياً. ونتأكد من صحة هذه الفكرة عندما نقارن نصوصه مع نصوص متّى ولوقا في روايته للحدث ذاته. كما اننا نتحسس من أن مرقس يهدف إلى تقديم يسوع كشخص حقيقي و"تاريخي" عاش بين الناس في زمان ومكان معينين. لقد أتى ليحمل بشارة الخلاص إلى عالم يعيش تحت وطأة سلطان الشيطان. تشير فكرة "الخلاص" عند الإِزائيين إلى حدث مستقبلي وتدلّ على الدخول إلى ملكوت الله، كما أنها بالوقت نفسه تشير إلى حدث حاضر عندما يفسّر بأن شيئاً قد ضاع ثم وجد. وتدل فكرة "الخلاص" في (مر 10/ 26) على الدخول إلى ملكوت الله (10/24)، كما أنها تشير في (مر 13/13 و20) إلى الخلاص الأخيري بنوع عام. ويذكرنا تييري سنوا: "علينا أن ننتبه إلى فكرة الخلاص وصلتها "بالإِنجيل" (مر 13/ 9- 13). إنها فكرة ذات معنيين. كانت المعجزات في حياة يسوع تعيد "الصحة" إلى المرضى الذين يأتون إليه. وأما لقرّاء إنجيل مرقس فان المعجزات نفسها، بمعنى "البشارة"، تصبح حاملة الخلاص". ويستعمل مرقس مراراً الفعل اليوناني "سوزو" بمعنى الشفاء من المرض (راجع مر 3/ 4؛ 5/23 و 28 و 34؛ 6/ 56...). وإذا كان الخلاص هو انعتاق من سلطان الشيطان، فانه يحصل للضعيف وللمهدّد في حقوقه المعيشية، بواسطة ارتباط حماية يكون فيها يسوع الرجل القوي والقادر على أن يسعفه وأن يحرّره من واقعه الصعب. عندما يستعمل الإِنجيلي مرقس فعل "خلّص" في معجزات الأشفية، فلا يدل الفعل على شفاء عضو واحد في الجسم فقط، بل على الإنسان بكامله. ففي معجزة شفاء المنزوفة يقول لها يسوع: "يا ابنتي، ايمانك خلّصك، فاذهبي بسلام، وتعافي من علّتك" (مر 5/ 34؛ راجع أيضاً 10/ 52). يعلّق فرنر فورستر على عبارة "إيمانك خلّصك" ويقول: (إن اختيار عبارة "إيمانك خلّصك" تدعونا إلى الإِدراك بأن قدرة يسوع الشافية وقوة الإِيمان المخلّصة يتعدّيان حدود الحياةَ الطبيعية". لقد زاد التقليد المسيحي في الكنيسة الأولى الرمزية في بعض المعجزات ليدلّ بها على أهمية الخلاص بالإيمان. عندما يفتح يسوع عيني أعمى في بيت صيدا يصبح هذا العمل عند مرقس رمزاً للرؤية الروحية التي يستحوز عليها المؤمن بإيمانه في يسوع. لقد وبّخ يسوع تلاميذه لأنهم اصيبوا بالعمى والصمم (مر 8/18: "ألكم عيون ولا تبصرون، وآذان ولا تسمعون"؟). لا يدع مرقس في قوله مجالاًً للشك في الصلة التي وضعها بين شفاء الأصم (7/ 31-37) وشفاء الأعمى (8/ 22 - 26). "فالتلاميذ هم عميان وصمّ، لا يستطيعون أن يروا البرهان ويسمعوا الكلمة ويلبّوها بشهادة الإِيصان. وإذا استطاع بطرس أن يفهم باسم الجميع، فلأنه شُفي من عماه وصمَمَه، فانطلق لسانه أيضاً... لأن الإِيمان، بالرغم من كل العلامات، يظل عطية الله". لا يجبر يسوع- المرقسي أحداً على الإِيمان بواسطة تعليمه، ولكنّ الذين يقبلون تعليمه يؤمنون به ويعترفون به. فالإِيمان بالتالي حاصل من وجود الشخص الذي يرى ويسمع ويشعر (راجع مر 5/ 30). وهذا الشخص الحسيّ هو موضوع الإِيمان الذي يدعو إليه مرقس. والبشارة الخلاصية هي العمل الإِلهي بين الناس أكثر منها رسالة جاءت من عند الله. فيتخذ مرقس العمل الإِلهي في الزمن الحاضر لينظر إلى الماضي فيتكلّم عمَّا كان في البدء، ويستنير بضوئه ليصف الوجود المسيحي. ويظهر لنا أن مرقس يؤمن بأنه إذا كان الراوي قادراً على تمثيل مشهد حيّ ليسوع وتقديمه للذين التقوا به، فالقبول بيسوع أي الإِيمان به يكون أيضاً سهلاً. وبالتالي فالبشارة الخلاصية هي شخص يسوع الذي يعمل ويعلّم معاً.
خاتمة: دعوة إلى الملكوت يدخل المسيح- المرقسي بواسطة المعجزة في مجابهة مع قوى الشر ليخرج منها منتصراً انتصاراً باهراً. ونجد هذه المجابهة في بدء الإِنجيل في رواية "التجربة" (1/ 12- 13). ويشكّل هذا الانتصار تأسيس ملكوت الله الذي يظهر عند مرقس بادئ ذي بدء تحت صورة فكرة مستقبلية. وما "البشارة" إلاَّ إعلان هذا "الملكوت" الذي يدلّ على "الملك" و"الملكية" معاً (راجع تعبير "ملكوت" العبري). لقد اقترب هذا الملكوت من الناس في شخص يسوع وفي أقواله وفي أعماله. إنه التتميم للانتظار النبوي، لأن الله سيتدخل في هذه الآونة الأخيرة بحسب "الزمن" الذي حدّده لتحقيق مواعيده. ويقول بيدا ريجو: "إن الوقت هو نقطة انطلاق التحقيق النبوي. يظهر الله في شخص يسوع بصورة نهائية خارقة للعادة. يحلّ الروح في يسوع، ويقوده ويملأه قوة تعمل المعجزات من خلاله. فهو يغلب الشيطان والأبالسة... فعلينا أن نستقبله إذا أردنا الدخول معه إلى الملكوت". فالأقوال التي نسمعها من يسوع والأعمال التي يقوم بها هي بدء البشارة، ونقطة انطلاق الزمن نحو تحقيق شامل للملكوت. وسيملك الله عندما يبعد الشيطان والشر والخطيئة والموت (راجع 1 قور 15/ 26). وهذا العمل هو عطية شخصية من قبل الله، لأنه يتدخل في الخليقة وهو الخالق. إنه يحوّل الزمن "العادي" إلى زمن "أبدي" ليجعله حدوداً لهذا الملكوت حيث ستتمّ الوليمة السماوية وحيث يُحسى "الشراب الجديد" (مر 14/ 25). ويشّرع يسوع أبواب الملكوت منذ الآن ليتركها مفتوحة للذين يريدون الدخول. وها إن مرقس يفتتح روايات معجزاته بإعتاق ممسوس (1/ 21- 28) في كفرناحوم. ثم انه يروي لنا بكثير من التفاصيل كيف أن يسوعٍ يطرد الشيطان في ناحية الجراسيين، كما أنه يقدّم لنا وصفاً دقيقاً قاتما لنرى من خلاله مشهداً للمجابهة بين الله والأبالسة (5/ 1- 20). وتشير هذه الرواية إلى انتصار يسوع على مملكة الشيطان ونهاية سلطانه وتوطيد ملكوت الله حتى في أرض الوثنيين. زد على ذلك أن التعزيمات تتصدّر مكاناً هاماً في رسالة يسوع حتى إن أُناساً من الذين لم يتبعوه، أصبحوا قادرين على شفاء الناس من الأمراض لأنهم دعوا "باسم يسوع" (مر 9/38). فالمعجزة التي تعبرّ عن انتصار يسوع تُدخلنا إلى ملكوت الله حيث تلتقي النظرة المسيحانية بالنظرة الأخيرية في الحاضر والمستقبل. إنها تلاقي الأرض والسماء، إنها سّر تعاطف الاله مع الإنسان خليقته. وهذا ما يدل عليه الآباء اليونان بقولهم "التنازل" من العلاء. وتعيد المعجزة الخليقة بعد السقطة الأولى إلى مصدرها الأول، وتفتح أمامها باب الملكوت واسعاً. أجل، حان الوقت، واقترب ملكوت الله، فتوبوا وآمنوا بالبشارة" (مر 1/ 15). |
|
الفصل الثاني عشر: الآلام بحسب إنجيل مرقس |
|
دراسات بيبلية -
الأناجيل الإزائية، متى - مرقس - لوقا (1994)
|
|
الفصل الثاني عشر الآلام بحسب إنجيل مرقس 15: 33- 41 الخوري يوسف فخريّ
مقدمة في بحثه عن "لاهوت الرجاء"، في كتابه "الإِله المصلوب أساس اللاهوت المسيحي" يبرز يورغن مولتمان، اللاهوتي الإِلماني، الأهمية العظمى لحدث الجلجلة كما رواه مرقس البشير (15/ 33- 41). فيجد في شخص يسوع المصلوب كمال الوحي الإِلهي وبالتالي تجلي ملء الرجاء المسيحاني لشعب الله وللأمم. وفي الواقع هذا ما يركز عليه إنجيل مرقس فيعكس بنوع خاص، همّ الكنيسة الأولى وهو الإِيمان والإِقرار بأن يسوع الناصري هو المسيح إبن الله (مر 1/ 1). والغاية من هذا الإقرار هي التشديد على ضرورة الكرازة بهذه الحقيقة الأزلية إلى الشعوب كافة ودعوتهم إلى الوليمة الإِفخارستية والخلاص (مر 6/ 30- 8/ 10). البحث في قصة الآلام حسب مرقس، في الفصلين 14 و 15، يدفعنا إلى التركيز على حدث الجلجلة الذي محوره يسوع المتألم والصارخ: "ألوي ألوي لما شبقتاني؟" (مر 15/ 34). حدث الجلجلة هذا يتمحور حول آلام يسوع ويبلور قمة الكرازة المرقسية. فيسوع المنازع على الجلجلة والذي يحتضر خلال الثلاث ساعات المغمورة بالظلام (مر 15/ 33) وساعة إنشقاق حجاب الهيكل (مر 37/15)، نسمعه يطلق صرخة الرجاء: "ألوي ألوي لما شبقتاني"؟ والصرخة هذه تكشف عن حقيقة سر الوهيته الأزلية فتذهل الأمم في شخص القائد الروماني الوثني، فيقلع عن وثنيته ويقرّ بإيمانه ومعرفته لله. وهكذا، في حدث الجلجلة، يتحقق قصد مرقس في اعتراف الأمم بأن يسوع هو إبن الله (مر 1/ 1). حول هذه المرتكزات الخلاصية في هذا الحدث (مر 15/ 33- 41) سنحاول التوقف، حول أبعادها لاستقطاب أطرها البيبلية حسب مرقس قاصدين النفاذ من الحدث الأساسي إلى معانيه الكتابية وغاياته الكرازية.
أ- البعد الأول: الظلام وحدث الجلجلة (مر 15/ 33) يتوقف مرقس عند إضطراب كوني يلازم يسوع على الصليب. يقع هذا الإضطراب ساعة اقتراب النهار من ظهيرته: فإذا بظلام دامس يخيّم على الأرض كلّها من الساعة السادسة حتّى الساعة التاسعة. حدثٌ كهذا لا يقرّه علم التغييرات الجوية، لا سيّما وأن الصلب حصل في زمن يُستبعد فيه مثل هذا التغير وفي أسبوع يكون فيه القمر بدراً. وطوارئ الخسوف والكسوف لا تشير إلى أي وثيقة علمية معاصرة أو قديمة تدل على إمكانية حدوثها. فما هي الظلمة التي تصدها مرقس؟ إن الكلمة اليونانية "سكوتوس": الظلام، لا ترد في إنجيل مرقس إلاّ في حدث الجلجلة. غير أن الإِنجيلي عندما يتحدّث عن مجيء إبن الإنسان في آخر الأزمنة، يستعمل الفعل سكوتيزوماي للتعبير عن كسوف الشمس: "... في تلك الأيام، بعد ذلك الضيق، تظلم الشمس، والقمر لا يرسل ضوءه" (مر 13/ 24). فالظلام يعبرّ عن حالة توحي بالموت والعدم. هذا الإختبار نجده في سفر التكوين، في رواية الخلق الأولى (تك 1/ 1- 2/ 4)، حيث كان الظلام يغمر الأرض الخاوية الخالية (توهو بوهو) قبل بدء عمل الخلق. إن ظلام سفر التكوين هذا، ليس بغريب عن ظلام الجلجلة ولا عن مرقس الذي يفتتح إنجيله بكلمة "ارخي" = بدء (مر 1/ 1)، بِرِشيتْ= في البداية أو في البدء (تك 1/1). فلقد أصبح ظلام الجلجلة كظلام سفر التكوين، الشاهد الأول على ولادة عالم جديد وخليقة جديدة. والظلام هو أيضاً، الضربة التاسعة التي حلّت بأرض مصر (خر 10/ 21- 29) وهيأت الضربة العاشرة وهي موت أبكار المصريين وتحرير شعب الله (خر 11/ 1- 10). فموسى الباسط يديه إلى السماء، نزولاً عند أمر إلهه، يُحدث ظلاماً على كل أرض مصر ولمدة ثلاثة أيام (خر 10/ 21- 22). ويسوع الباسط يديه على الصليب في صلاة خاشعة ("ألوي ألوي لما شبقتاني؟")، يغمر الجلجلة وكل الأرض بالظلام ولمدة ثلاث ساعات (مر 15/ 23). فإن كان ظلام الخروج قد أدّى إلى قتل أبكار المصريين (خر 11/ 1- 10) وتحرير شعب الله (خر 14) وبالتالي أدّى به إلى عبادة الله الحق، فظلام الجلجلة أيضاً، أدّى إلى قتل بكر الآب، وبقتله تمّ نصر الخليقة الجديدة على العدم وظلام الموت وحملها على عبادة الله بالروح والحق وإنشاد يسوع بكر الآب. ولكن بين يسوع الجلجلة وموسى الباسط يديه إلى السماء علاقة أعمق وآفاق أوسع، فحضور موسى- سفر الخروج في شخص يسوع على الجلجلة يتبعه كلام عن النبي إيليّا: "فقال بعض الحاضرين: إنّه ينادي إيليّا" (مر 15/ 35). هذا يدعونا ألاّ نفصل حدث التجلي عن حدث الجلجلة (مر 9/ 2- 10). ولكن كيف نوفّق بين نور جبل التجلي وظلام الجلجلة؟ إن صاحب المزامير ينشد: "الرب قد ملك فلتبتهج الأرض" (97/ 1). ويزيد: "النور والظلام يحيطان به" (مز 97/ 2). وللظلام دور هام في الكتب النبوية، فهو علامة من علامات الأزمنة الأخيرة، وهو ينبئ بحلول "يوم الرب العظيم"، يوم الإفتقاد وبدء الزمن الإسكاتولوجي. فالظلام هو ساعة الدينونة المعلن عنها في عاموس النبي: "في هذا اليوم، يقول الرب، سآمر الشمس أن تغيب في وضح النهار فيغمر الظلام الأرض ساعة الظهر... سأجعل الحداد في البلاد كما لموت إبن وحيد وتكون نهايته كيوم مملوء مرارة" (عاموس 8/ 9- 10). ظلام سكوت الله وظلام غياب الله. هذا الظلام يعبرَّ عنه الكتاب بهذه الصرخة التي يطلقها يسوع من أعلى الصليب: "ألوي ألوي لما شبقتاني"؟ هذه الكلمات تفتتح المزمور 22 الذي ينتهي بنشيد النصر: "سأبشِّر باسمك اخوتي وفي وسط الجماعة أسبحك. للرب تحيا نفسي وإياه تعبد ذريتي" (مزمور 22/ 23 و 30). ولكن هذا النصر لا يظهر إلاّ ساعة القيامة. هذه الساعة هي بالنسبة لمرقس، ساعة الظلام، ولا يجب أن نخفّف من مرماها. هي الساعة التي جاء فيها الذي أراد نفسه خادماً وخادماً متواضعاً فشرب حتى الثمالة كأس خطيئة البشرية (أشعيا 53/ 3- 9).
ب- البعد الثاني: إيليا المنتظر على الجلجلة (مر 15/ 35- 36) إن بعض الحاضرين عند الصليب سمعوا يسوع ينادي إيليا الذي ينتظرونه آتياً في آخر الأيام. فقام واحد من الحاضرين بحركة شفقة، وقدَّم اسفنجة مملؤة خلاًّ للمصلوب (مر 15/ 36). ضحك الآخرون، لأنهم لم يفهموا معنى الكلمات التي تلفّظ بها يسوع فاستنتجوا أنه يدعو ايليا لمساعدته. رأوا في هذه الصرخة آخر اقرار ضعف عند هذا المسيح المزعوم. إن مهمة إيليا على الجلجلة هي مهمة الإنقاذ، لأن التقليد اليهودي يرى فيه العضد للبائسين والمزمع أن يأتي قبل يوم الرب العظيم كما يقول النبي ملاخي: "هاءنذا أرسل اليكم إيليّا النبيّ قبل أن يأتي يوم الرب العظيم الرهيب" (ملا 3/23). إن وجود إيليّا على جبل الجلجلة وقت نزاع يسوع، هو علامة حلول يوم الرب وبدء الأزمنة الأخيرة. ولكن لحضور إيليّا على الجلجلة مفهوم آخر. فهذا الحضورُ يُذكر في الساعة التاسعة (مر 15/ 34)، ساعة الصلاة عند اليهود وتقديم ذبيحة المساء (أعمال 3/ 1؛ 10/ 3 و 30)، وهو يحوّل أنظارنا من إيليّا المنتظَر إلى إيليّا جبل الكرمل (1 ملوك 18) حيث يتحدّى بذبيحته إله الأوثان (بعل) وكهنته. هناك، على جبل الكرمل، يكتشف إيليا عن غيّ وضلال عبادة الإِله المصنوع، ويُهدي عبّاده إلى معرفة الإِله الحقيقي فيصرخون بملء أفواههم: "الرب هو الإِله، الرب هو الإِله" (1 ملوك 18/ 39). وعلى الجلجلة، يجدّد يسوع حدث ذبيحة الكرمل، إذ إنه بتقدمة ذاته لأبيه كفارة عن العالم أجمع، كشف عن ضلال الشعب المختار وأظهر الحقيقة للأمم، فاعترفت به في شخص القائد الروماني الوثني مخلصاً وفادياً (مر 15/ 39).
ج- البعد الثالث: إنشقاق حجاب الهيكل (مر 15/ 34) تخبر نصوص الآلام عند الإزائيين، أن حجاب الهيكل الذي يحجب قدس الأقداس ويخفيها عن الأعين، والذي يصفه بدقة المؤرخ اليهودي يوسيفوس في كتابه "حرب اليهود"، قد انشق في وسطه عندما لفظ يسوع الروح. لمعرفة أبعاد هذا الحدث، يجب توضيح نقطتين أساسيتين. أولاً: دور الهيكل في إنجيل مرقس. وثانياً: إستعمال الفعل اليوناني سخيزو: إنشق أو إنشطر. أولاً: دور الهيكل يا إنجيل مرقس يعتبر مرقس أن هيكل أورشليم هو بيت الرب (مر 11/17) والمكان المقدس (14/49)، ولكن سيأتي يوم لن يبقى فيه حجر إلاّ ويُنقض (13/ 14): لقد كان عقيماً ولم يعط ثمراً. هذا ما عناه يسوع في مثل التينة اليايسة (مر 11/ 20- 25). وقبل الدخول في الآلام، جلس يسوع في جبل الزيتون وحدّث تلاميذه عن خراب الهيكل (مر 13/ 2). وخلال محاكمته أمام عظيم الكهنة، اتُهم يسوع على دفعتين بأنه سيهدم الهيكل المصنوع بالأيدي وبعد ثلاثة أَيام يبني هيكلاً آخر غير مصنوع بالأيدي (مر 14/ 58). وعلى الجلجلة، كان الماروّن يهزأون به قائلين: "يا هادم الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام" (مر 15/ 29). فكان الجواب: إنشقاق الحجاب من أعلى إلى أسفل، أي إن النبوءة تحققت، لأن الهيكل قد نُقض وليس لنفضه قيامة، ومن واجب كل يهودي أن يفهم هذا الحدث كحكم من الله. كما لا بد لكل مؤمن من أن يرى فيه ما رأته الرسالة إلى العبرانيّين: أصبح الدخول إلى الأقداس منذ اليوم مسموحاً به لجميع المؤمنين بواسطة يسوع المسيح. ويمكننا أيضاً أن نزيد: إنشقاق الحجاب هو هدم الفكرة القديمة التي كانت تفصل بين المقدّس والغير المقدّس، بين شعب الله والأمم. (عب 9/ 1 - 14؛ 10/19- 22). في هذا الصدد، يتحدّث الكتاب المنحول "وصيات الآباء الإثني عشر"، في وصية لاوي فيقول: إن إنشقاق الحجاب هو نهاية الهيكل، وإن الرّب الساكن في قدس الأقداس قد ترك أورشليم وتبدد وراءه الشعب اليهودي. وتتحدث وصية بنيامين عن النبي، الإبن الوحيد الذي سيزور أورشليم، وهناك يهُان ويُعلَّق على شجرة، فينشق الحجاب ويغادر روح الرب الهيكل ويسكن ما بين الأمم. إن انشقاق حجاب الهيكل يدحض سخرية المارين (مر 15/ 29)، ويثبت ما قاله شهود الزور: "سأهدم هذا الهيكل... وأبني آخر" (مر 15/58). وساعة ذاق يسوع العذاب وهول الصلب والسخرية وأرسل صرخته إلى الآب صلاة ملؤها الرجاء ("ألوي ألوي لما شبقتاني"؟)، وسأله أن يحكم بين ذبيحته على الصليب وذبائح الهيكل، وبين الهيكل المصنوع بالأيدي والهيكل الغير مصنوع بالأيدي، خرج الرب عن صمته، وشق حجاب الهيكل معلناً بذلك نهاية المصنوع بالأيدي ودالاًّ على أن أرضه ستكون مسكناً للأمم. كان لا بدّ لهذا الهيكل بوجهه القديم وكيانه الماديّ المصنوع بالأيدي، أن يسقط ليقوم الهيكل غير المصنوع بالأيدي. وهذا التحوّل في الهيكل (خراب-بناء) نراه متجسداً في شخص عبد- يهوه المتألم. فترجوم يوناتان لأشعيا (أش 53/13 و 15) يرى في عبد- يهوه المتألم، المسيح العتيد، وهذا العبد المتألم سيذوق العذاب والآلام، ثم يبني الهيكل من جديد ويعرف المجد والقيامة. تحدّث يسوع عن خراب الهيكل في مناسبات عدّة أثناء حياته التبشيرية. ففي حديثه الأخير (مر 13/ 12)، أكد أنه يجب أن يبشَّر بالإنجيل في كل الأمم، وفي آخر إنجيله، يرسل تلاميذه إلى كل الشعوب (مر 16/ 15). وهذا ما يبغيه يسوع في مَثَل الكرّامين القتلة (مر 12/ 1- 12) ومَثل التينة اليابسة (مر 11/ 20- 25). ففي كلتا الحالتين، يطلب يسوع ثمراً فلا يجد. لهذا يسلِّم ربّ الكرم كرمه إلى فَعلة آخرين (مر 9/12): "من عند الرب كان ذلك وهو عجيب في عيوننا" (مزمور 118 / 22- 23).
ثانياً: الفعل "سخيزو" في إنجيل مرقس يعني هذا الفعل إنشق أو إنشطر. لا يستعمله مرقس إلاّ مرة واحدة خارج قصة الآلام، وبالتحديد في اعتماد يسوع (مر 1/ 9- 11)، حيث انشقت السماوات وهبط الروح القدس في شبه حمامة واستقر فوق رأس الإبن الحبيب. في الترجمة السبعينية نجد هذا الفعل في ذبيحة إسحق (تك 22/ 3) حيث يشقق إبراهيم الحطب ليقدّم إبنه قرباناً لله. أليست ذبيحة الإبن الوحيد إسحق مقدمة لذبيحة الإبن الوحيد على الصليب؟ فالتقليد الكنسي وآباء الكنيسة يرون في ذبيحة إسحق الذي حمل الحطب وصعد وأبوه إلى الجبل ليقدّم ذبيحة الله، مقدِّمة لسر الفداء الذي تجلّى في الإبن الوحيد الذي حمل صليبه وصعد إلى جبل الجلجلة ليكون ذبيحة للآب السماوي. ونجد هذا الفعل أيضاً في سفر الخروج، في رواية عبور بحر الأحمر (خروج 14/ 21) حيث أرسل الرب ريحا شديدة طوال الليل، فشق البحر ودخل شعب الله في وسطه بأقدام ثابتة. إن هذا يدعو إلى قراءة حدث الجلجلة في جو فصحي وضمن إطار سفر الخروج. يوم اعتماد يسوع إنشقت السماوات. ويوم موته إنشق حجاب الهيكل. فهل وجود الفعل "سخيزو" في هذين الحدثين صدفة أدبية أم إستعمال له مغزى لاهوتي؟ إن يسوع قد أعلن سابقاً في جوابه على إبنَيْ زبدى يعقوب ويوحنّا قائلاً لهما: "اتستطيعان أن تشربا الكأس التي سأشربها، أو تقبلا المعمودية التي سأقبلها" (مر 10/ 38)؟ هذا تأكيد صريح بأن يسوع ينتظر معمودية ثانية على الجلجلة. ففي المعمودية الأولى شهد الآب للإبن، وفي المعمودية الثانية شهد الإبن للآب، وشهد القائد الروماني للإنسان الجديد. في الترجمة السريانية لانجيل مرقس، نرى الفعل "سخيزو= صطر" يُستعمل في رواية محاكمة يسوع: مزّق عظيم الكهنة ثيابه لأنه سمع يسوع يجدّف حين أجاب: "أنا هو، وسوف ترون إبن الإنسان جالساً عن يمين القدير وآتياً في غمام السماء" (مر 14/ 63). إن تمزيق عظيم الكهنة ثيابه الكهنوتية لهو مقدمة لتمزيق حجاب الهيكل، وبالتالي لتمزيق كهنوت العهد القديم الذي كان عميقاً. إن وجود الفعل "سخيزو" في حدث الجلجلة، يجعلنا نرى في يسوع المصلوب، ذبيحة إسحق وعبور بحر الأحمر، والعماد في نهر الأردن وتمزيق ثياب الكهنوت القديم. هذه اللوحات الكتابية الأربع، تجد في شخص يسوع على الجلجلة الرمز والغاية، وتحقيق النبوات، وبداية عهد جديد حيث يُعبد فيه الرب بكهنوت جديد.
د- ثمرة إنشقاق حجاب الهيكل: إيمان القائد الروماني (مر 15/ 39) تنتهي حادثة الجلجلة بانشقاق حجاب الهيكل واعتراف القائد الروماني بالوهية يسوع: "كان هذا الرجل إبن الله حقاً" (مر 39/15). هذا الإعتراف هو بمثابة جواب على سؤالين: الأول طرحه عظيم الكهنة على يسوع قائلاً: "أأنت المسيح إبن المبارك؟" فأجاب يسوع: "أنا هو" (مر 14/ 61- 62). والثاني طرحه عظماء الكهنة والكتبة حين هزأوا بيسوع قائلين: "خلّص غيره من الناس ولا يقدر أن يخلّص نفسه، فلينزل الآن المسيح ملك إسرائيل عن الصليب لنرى ونؤمن" (15/ 31 - 32)0 إن اعتراف القائد الروماني بألوهية يسوع، يشكّل الهدف الأساسي للكرازة المرقسية التي تبدأ بهذه الآية: "بدء إنجيل يسوع المسيح إبن الله" (مر 1/ 1). وهذا الإعتراف هو إختصار لكل الإعترافات في إنجيل مرقس: في العماد، يعترف الآب بألوهية الإبن (1/ 11)، في التجلي أيضاً (9/ 7)، وعلى دفعتين تعترف الأرواح الشريرة بألوهيته (3/ 11 و5/ 7)، ولكن على الجلجلة، وهي المرة الأولى والأخيرة في إنجيل مرقس، يعترف رجل وثني (غير يهودي) بألوهية يسوع. لقد آمن دون أن يشهد آية أو يطلب آية (مر 15/ 32)، آمن متأثراً بسخاء وسمو اتصف بهما موت يسوع على الصليب. إن القائد الروماني، يمثّل هنا عالم الوثنيّين. وأيا كان معنى تسمية "إبن الله" على لسان أحد الوثنيّين، فإن مرقس يرغب أن نرى فيها فعل إيمان المسيحيّين الذين أتوا من الوثنية. إيمان القائد الوثني يعني أن قصة يسوع لم تنته بالموت، بل انطلقت أقوى وما تزال، وأن مجد الرب الساكن في هيكل أورشليم وسط شعبه قد غادر مكانه دون عودة واستقر ما بين الأمم كما سبق وتنبأ حزقيال النبي (حز 1- 3).
خلاصة إن آلام يسوع تؤلف المحور الرئيسي للكرازة المرقسية، إذ فيها يكشف يسوع عن سر ألوهيته. فإن إعلانه أمام المجلس الذي يحكم عليه بالموت بأنه إبن الله (مر 14/ 61- 62) واعتراف القائد الروماني بهذا السر (مر 15/ 39)، يلتقيان بما أوحاه الله عند المعمودية والتجلي (1/ 11 و 7/9)، ويؤيدان عنوان الإِنجيل، وهو أن يسوع هو المسيح وإبن الله. وفي أثناء ذلك كُمّت أفواه الشياطين عن الكشف الخبيث للأسرار (1/ 24، 34 و 3/ 11) وأُسكت التلاميذ عن إعلان إيمانهم بالمسيح (8/ 29)، إذ لا يمكن كشف معنى تلك الأقوال قبل آلام المسيح وموته، فاعلان هذا السر الإِلهي محفوظ ليوم الجلجلة والقيامة. لقد أصبحت الجلجلة، ليس فقط محور الآلام، بل محور خلاص البشرية المتجددة. أصبحت سفر تكوين خليقة جديدة، سفر خروج شعب الله وهيكل الرب الجديد حيث تعبده الأمم والشعوب كافة بالروح والحق وبكهنوت أزلي. هذه هي مشيئة الآب: أن يشرك العالم الجديد بمجده. فلقد دعى البشرية، بواسطة إبنه الوحيد إلى التجدد. فيوم المعمودية قدّم الآب إبنه للعالم (1/ 11)، ويوم التجلّي دعى العالم إلى سماع بشارة الإبن (9/ 7) ويوم الجلجلة، لبّت الأمم هذه الدعوة فاعترفت بيسوع إبن الله.
|
|
|
القسم الرابع: محاضَرَات في انجيل لوقَا |
|
دراسات بيبلية -
الأناجيل الإزائية، متى - مرقس - لوقا (1994)
|
|
القسم الرابع محاضَرَات في انجيل لوقَا
توقّف المحاضرون عند ثلاث وجهات في انجيل القديس لوقا . وزاد الناشر فصلا أول. 1 – مدخل إلى انجيل لوقا. 2 – يسوع المسيح في انجيل لوقا. 3 – تعليم الأمثال في إنجيل القديس لوقا. 4 – التوجه إلى الفقراء في إنجيل القديس لوقا.
|
|
الفصل الثالث عشر: مدخل إلى إنجيل لوقا |
|
دراسات بيبلية -
الأناجيل الإزائية، متى - مرقس - لوقا (1994)
|
|
الفصل الثالث عشر مدخل إلى إنجيل لوقا الخوري بولس الفغالي
1- مقدمة إختلف لوقا عن متّى ومرقس، فأشار في بداية إنجيله إلى الأسلوب الذي اتّبعه حين دوّن كتابه، وإلى الهدف الذي ابتغاه: تقصّى جميع الأمور من أصولها وكتبها بترتيب. وهكذا يستطيع تاوفيلوس أن يتيقّن من صحة التعليم الذي تلقّاه (3:1- 4). لوقا مؤرخ، وهو يستعمل مقدّمة المؤرخين وأساليبهم. لقد سأل شهود عيان عن الأحداث. قام ببحث دقيق وشامل قبل أن يقدّم أساساً متيناً لتعاليم سيعرضها على محبّ الله، تاوفيلوس، بل إلى كل أحباء الله، ونحن منهم. وبعد أن قام لوقا بكل هذا، سعى إلى تدوين ما وصل إليه من معلومات في خبر متتابع. ولكن لوقا هو أكثر من هذا. هو إنجيليّ. هو حامل بشارة وخبر طيّب. ليس هو فقط ذلك اليوناني المثقَّف والمؤرِّخ الدقيق، بل ذلك الشاهد الذي اتصل بشهود عيان. وهؤلاء الشهود هم أكثر من مخبرين. إنهم "خدّام الكلمة"، عاملون من أجل الكلمة. في هذا المجال نكتشف شخصية لوقا العميقة. فالعبارات الدنيوية التي استعملها كانت لباساً أدبياً منمقاً فوق واقع مسيحي أصيل. فالشهود العيان يُسَّمون في اللغة المسيحية الشهود والشهداء، هؤلاء الذين يشهدون بكلامهم وحتى بحياتهم من أجل الإِنجيل. والأحداث التاريخية المرويّة هنا صارت بشارة إنجيلية. فالتقليد التاريخي هو في الوقت عينه تقليد ديني. إنه يدعو إلى الإيمان، ويحمل إلينا الخلاص. إن المعلومات التي قدَّمها لوقا إلى تاوفيلوس كانت في البداية "تعليماً وكرازة مسيحية"، قبل أن تصير بشرى مدّونة. والكفالة التاريخية التي يقدّمها لوقا لصديقه تشدّده في إيمانه بالمسيح. هذا ما نقرأ في مطلع إنجيل لوقا الذي يشير أيضاً إلى أن كثيراً من الناس أخذوا "يدوّنون رواية الأمور التي تمت عندنا" (1: 1). ولكن لوقا لا يقول لنا من هم هؤلاء "الكتَّاب" الذين عاد إليهم في تدوين إنجيله. كما لا يقول لنا كيف رتّب مواده، وهل وجد ترتيباً سابقاً استقى منه. ويشدّد على أن هذه المحاولات التي قام بها الكثيرون لم تنبع من شهود عيان وحسب. هل يعني هذا أن لوقا لم يستند إلى متّى الآرامي أو اليوناني؟ ربّما. هل يعني أن الثقة التي محضها القراء للسابقين هي تلك التي يطلبها منهم. مهما يكن من أمر، نحن أمام محاولات عديدة أشار إليها بابياس حين تحدّث عن الإنجيل الأول. قال لنا لوقا في بداية إنجيله الأسلوب والهدف. وسيقول لنا في بداية سفر الأعمال مضمون هذا الإِنجيل: جميع ما عمل يسوع وعلَّم منذ بدء رسالته إلى اليوم الذي رُفع فيه إلى السماء (أع 1: 1- 2). ونستطيع أن نوضح هذا الكلام من خلاله خطبة بطرس إلى كورنيليوس: بدأ كل شيء في الجليل بعد المعمودية التي نادى بها يوحنّا. مسح الله يسوعَ بالروح القدس والقدرة، فمضى من مكان إلى آخر يعمل الخير ويبرئ جميع الذين استولى عليهم إبليس. لأن الله كان معه. وأعماله معروفة في جميع بلاد اليهود وأورشليم، وكذلك موته معلَّقاً على خشبة الصليب. وفي النهاية، أقامه الله في اليوم الثالث. هذا هو مضمون إنجيل لوقا. فلا بدّ أن نتعرف إلى كاتبه وإلى التاريخ الذي فيه كُتب، قبل أن نصل إلى تصميمه وتعليمه اللاهوتي.
2- كاتب الإنجيل الثالث أ- الشهادات التقليدية ماذا تقول لنا النصوص؟ تحدّث بابياس عن مرقس ومتّى، ولكن لم يصلنا من هذا الذي كان أسقف منبج (هيرابوليس، شمالي حلب) وكتب في نهاية القرن الأول المسيحي، لم يصل شيء يتعلّق بالقديس لوقا. لكننا نقرأ إسم لوقا منذ منتصف القرن الثاني، في قانون موراتوري. "ألإنجيل الثالث هو الكتاب بحسب لوقا. لوقا هو ذاك الطبيب الذي رافق بولس بعد صعود المسيح. هو لم يرَ الرب في الجسد. ولهذا عمل قدر ما استطاع، فبدأ كلامه منذ ولادة يوحنّا". ونقرأ في الكتاب الثالث من مؤلف إيريناوس "ضد الهراطقة": "وكذلك لوقا، رفيق بولس، دوَّن في كتاب الإِنجيل الذي كان ذاك (= بولس) يكرز به". وقال في مكان آخر: "إعتُبر لوقا أهلاً للثقة بأن يقدّم إلينا الإنجيل". وعارض ترتليانس مرقيون (الرافض للعهد القديم)، فأكَّد عادة الكنائس الرسولية بأن تقرأ في ليتورجيتها إنجيل لوقا. وتحدّث إكلمنضوس الإِسكندراني عن المسيح الذي وُلد في عهد أوغسطس. وبرّر كلامه قائلاً في موشّياته: "هذا ما كُتب في الإِنجيل بحسب لوقا". وقابل في مكان آخر إرتباط لوقا ببولس مع ارتباط مرقس ببطرس. وقال أوريجانس في شرحه لمتّى إن الإنجيل الثالث هو إنجيل لوقا الذي أمره بولس بأن يكتبه للوثنيّين. ونرى في ما تركه أوسابيوس وإيرونيموس وغيرهما صدى للتقليد. وفي النهاية نقرأ ما يقول المطلع المناهض لمرقيون وقد دوِّن في القرن الثاني (أو ربما القرن الرابع): "لوقا هو سوري من أنطاكية. كان طبيباً وتلميذ الرسل. تبع فيما بعد بولس حتى إستشهاده. خدم الرب خدمة لا عيب فيها، فلم يتزوج ولم يكن له أولاد. مات في بيوثية (اليونان) ممتلئاً من الروح القدس، وهو بعمر ثمانين سنة. وهكذا، إذ كانت أناجيل قد كُتبت من قبل، إنجيل متّى في اليهودية وإنجيل مرقس في إيطاليا، كتب لوقا بإلهام من الروح القدس، هذا الإنجيل في مناطق إخائية (اليونان). قال في البداية إن أناجيل أخرى كُتبت قبل إنجيله. ولكن بدا له من الضروري أن يعرض للمؤمنين الذين من أصل يوناني، خبراً كاملاً ومرتباً عن الأحداث". إذن، يبدو التقليد شاملاً. وهو يصل إلينا من كنائس سوريا ورومة وأفريقيا الشمالية والإِسكندرية. وهو يحدّثنا كله عن الأنجيل الثالث الذي دوَّنه لوقا الطبيب ورفيق بولس. وهو تقليد قديم نستطيع أن نمحضه ثقتنا، مع العلم أن الآباء إهتموا أول ما اهتموا بالحديث عن أقوال الرب، لا عن الذين نقلوا إلينا هذا الأقوال. وكما بدأ المبدعون يقدّمون نظرياتهم، إهتمت الكنيسة، لأسباب دفاعية، (أبولوجيا) بصحة الكتّيبات التي تتضمن أقوال الرب. أول تأكيد يشير إلى كاتب الإِنجيل يعلن أنه لوقا. وجاء إعتبار ثان جعله ذاك الطبيب ورفيق بولس. بعد هذا، تحدّث التقليد عن إنجيل بولس. وتضخّم التقليد فتخيَّل تفاصيل تقوية حول لوقا: إنه أحد التلامذة السبعين (أو: 72). إنه أحد تلميذَي عمّاوس ورفيق كليوبا. إنه الرسام الذي احتفظ بقسمات وجه مريم العذراء. ولكن هذا "التلوين" لا يفسد الأساس الأول للتقليد الذي يحدّثنا عن لوقا، صاحب المؤلَّف الذي يشتمل على الإِنجيل الثالث وأعمال الرسل.
ب- معطيات النقد الداخلي ماذا يقول النص؟ إن النقد الداخلي يؤكّد ما قاله التقليد الكنسي. فهناك إجماع لدى الشَّراح. فهم ينسبون الإِنجيل الثالث وسفر الأعمال إلى كاتب واحد: لغة واحدة وأسلوب واحد. ومخطط واحد يشرف على جزئَيْ هذا المؤلف الواحد الذي يحدّثنا عن إمتداد كلمة الله إلى أقاصي الأرض. ومتسلّم الكتابين هو واحد. إنه تاوفيلوس المذكور في مطلع الإنجيل (1: 3) وفي مطلع الأعمال (1: 1). ونقول من جهة أخرى إن كاتب الأنجيل الثالث والأعمال هو صاحب المقاطع الواردة في صيغة المتكلم الجمع في سفر الأعمال. نقرأ مثلاً في 16: 10- 17: "فأبحرنا (نحن) من ترواس واتجهنا (نحن) تواً إلى ساموتراكية... فمكثنا بضعة أيام في هذه المدينة، ثم مضينا..." (رج أع 20: 5- 21: 18؛ 27: 1- 16:28). هذا يعني أن لوقا هو رفيق بولس، وهو يتحدّث بإسمه. وبين الأشخاص الذين من أصل وثني والذين رافقوا بولس في أسفاره، نستطيع أن نسمي مع لوقا ديماس (كو 14:4؛ فلم 2:24 تم 4: 10)، قرسقس (2 تم 4: 10)، أرتيماس (تي 3: 12)؛ زيناس وإبلوس (تي 13:3). لا نتكلّم هنا عن تيطس الذي لا يُذكر في رفقة بولس إلاَّ بمناسبة إنعقاد مجمع أورشليم سنة 49- 50 (غل 2: 1- 3). تتحدّث النصوص عن لوقا، ونحن لن نبحث عن شخص مجهول، كما يفعل بعض النقاد الغربيون. بل نتوقف عند لوقا الطبيب ورفيق القديس بولس. أثر بولس على لوقا، مثلاً في خبر تأسيس الأفخارستيا (لو 22: 14 - 20؛ رج 1 كور 11: 23- 27). قال ترتليانس: إن بولس كان منير لوقا، لا سيما في مواضيع حنان الله ورحمته، في جو الفرح والصلاة، في النظرة الشاملة إلى الخلاص. كل هذا المناخ البولسي يوكّد لنا القيمة التاريخية للإنجيل الثالث. ليس هو فقط "لاهوتاً" عن المسيح، بل بحثاً تضيء عليه خبرة بولس مع المسيح. ويقول التقليد عن لوقا إنه كان طبيباً. فالمستوى الرفيع لتأملّه يوافق ما نعرفه من ثقافة الأطباء في ذلك الزمان. فهناك كلمات يستعملها لوقا وهي تدل على معرفته بالألفاظ الطبية. نقرأ مثلا في 38:4 عن حماة سمعان التي كانت "مصابة بحمّى شديدة". وفي 18:5 نقرأ عن المُقعد، وفي 5: 31 عن الأصحاء (لا الأقوياء). وفي 7: 10 يقال لنا: "رجع المرسلون إلى البيت فوجدوا الخادم قد ردت إليه العافية" (رج 8: 44؛ 21: 34).
3- متّى كتب انجيل لوقا وأين كتب؟ 1- متّى كُتب الإنجيل الثالث؟ * ماذا تقول المعطيات التقليدية؟ يجعل التقليد إنجيل لوقا في المركز الثالث، أي بعد مرقس، كما في قانون موراتوري وعند أوريجانس وإيرونيموس. وهناك تقليدان محدَّدان بعض الشيء ولكنهما يختلفان كل الإختلاف. يقول إيريناوس إن لوقا ألّف إنجيله بعد موت بولس أي بعد سنة 67. ويقول إيرونيموس الشيء عينه في تفسيره لإنجيل متّى. ولكنّه سيتراجع فيما بعد عن هذا القول، فيتبع أوسابيوس القيصري، ويجعل تأليف الإِنجيل الثالث يتم في رومة، يوم كان بولس بعد حياً، أي قبل سنة 67. * ماذا تقول معطيات النقد الأدبي؟ يتدارس النقد الأدبي الوضع فيحدّد موقع إنجيل لوقا بالنسبة إلى معطيات أخرى محدّدة في الزمن، ويتوقف عند ارتباط لوقا الأدبي بهذه المعطيات. وإليكم أهم الآراء: الأول: دُوّن إنجيل لوقا بعد سنة 95. يقول أصحاب هذا الرأي: ما نقرأ في أع 46:5 (قام توداس قبل هذه الأيام، فتبعه نحو 400 رجل) يرتبط بالمؤرخ اليهودي فلافيوس يوسيفوس. ولكن النقّاد يرفضون هذا البرهان. ويزيد أصحاب هذا الرأي: إن لوقا يرتبط بيوحنّا. نجيب: لا شك في أن هناك تقاربات عديدة بين لوقا ويوحنّا، ولكن هذا لا يعني تبعيّة لوقا ليوحنّا، بل إتصالاً بتقليد واحد وإرتباطاً بمحيط واحد. الرأي الثاني: دُوّن إنجيل لوقا بعد سنة 70. يقول أصحاب هذا الرأي: يعلن لوقا نفسه أن كثيراً من الناس كتبوا قبله. وهذا ما يدعونا إلى إفتراض فترة زمنية لا بأس بها. نقول: يجب أن لا نضخم لفظة "كثير". فمنذ البدايات المسيحية كانت محاولات عديدة لتدوين بعض التقاليد وترتيبها. وهناك من يرى في تصوير دمار أورشليم البرهان بأن الحدث قد حصل (19: 43- 44؛ 21: 20، 24). أورد مت 24: 25 ومر 13: 14 كلام يسوع حول "رجاسة الخراب" (رج دا 9: 27؛ 11: 31؛ 12: 11). أما لو 21: 20 فحدّد هذه الرجاسة بما يلي: "فإذا رأيتم أورشليم قد حاصرتها الجيوش، فاعلموا أن خرابها قد اقترب" (لو 21: 20). وأوضح لو 21: 24 نوعية هذا الخراب فقال: "يسقطون قتلى بحد السيف، ويُؤخذون أسرى إلى جميع الأمم. وتدوس أورشليم أقدامُ الوثنيّين إلى إن ينقضي عهد الوثنيّين" (أي: أزمنة تبشير الوثنيّين). إذن، أوضح لوقا على ضوء الحدث نبوءة يسوع التي تهدّد أورشليم. ولكن هناك من ينتقد هذا الموقف فيقول: إعتاد لوقا أن يوجز الاستشهادات البيبلية ويغفل التلميحات إلى الكتاب المقدس. فلماذا غيرّ في أسلوبه؟ ثم إن العبارات المستعملة هنا توافق حصار كل مدينة. وقد يكون لوقا رجع في تصويره هذا إلى العهد القديم. مثلاً تث 28: 64: "يبعثرك الرب بين جميع الشعوب، من أقصى الأرض إلى أقصاها". وهو 9: 7: "جاءت أيام العقاب! جاءت أيام المجازاة". الرأي الثالث: دُوِّن لوقا قبل سنة 70. هناك من يحدّد موقع الإِنجيل الثالث بالنسبة إلى سفر الأعمال. وبما أن سفر الأعمال دوّن بعد الإِنجيل قبل سنة 67 (وحتى قبل سنة 64) فيكون أن الإنجيل كُتب حتماً قبل سنة 67 (بل 64). ما هو الرأي الذي نختاره؟ نبدأ فنقول إن هذا الموقف لا علاقة له مباشرة أو غير مباشرة بحقيقة الايمان والأخلاق. ولهذا، فالذين يأخذون بالرأي الثالث يجعلون الإِنجيل قريباً من الأحداث. والذين يجعلون تدوين الإِنجيل حوالي سنة 85، أي بعد مرقس ومتى، فهم يجعلون لوقا قريباً من يوحنا. أما نحن فنأخذ بهذا الرأي الأخير ونقول: دوّن لوقا إنجيله قبل إنجيل يوحنا، ولكن المسافة بين الاثنين لم تكن كبيرة جداً.
ب- أين كتب الانجيل الثالث؟ هناك أماكن عديدة: اليونان: أخائية أو بيوثية. قيصرية، الاسكندرية أو رومة... لا جواب قاطعاً. ولكن مهما يكن من أمر، فقد كتب لوقا إنجيله إلى أناس يعيشون خارج فلسطين، وهم بالتالي لا يعرفون عوائد موطن يسوع وطرق حياته (رج مثلاً القرميدات في بيت كفرناحوم، 5: 19). ونقول ثانياً: كتب لوقا لمسيحيين جاؤوا من العالم الوثني، لهذا أغفل عدداً من الاستشهادات الكتابية. يكفي هنا أن نقابل بين عظة الجبل (يسوع هو موسى الجديد) وعظة السهل (عالم لوقا عالم منفتح على الأمم الوثنية). قال يسوع في مت 43:5- 44: "سمعتم أنه قيل: أحبب قريبك وأبغض عدوّك. أما أنا فأقول لكم: أحبوا اعداءكم وصلّوا من أجل مضطهديكم". هذا ما قالته الشريعة وحدّدته جماعة قمران تجاه أبناء الظلمة. أما القديس لوقا فاكتفى بالقول: "وأنتم إيها السامعون، فأقول لكم: أحبوا أعداءكم، وأحسنوا إلى مبغضيكم، وصلّوا من أجل المفترين الكذب عليكم" (6: 27- 28).
4- كيف ألّف لوقا إنجيله؟ 1- تصميم الإنجيل الثالث ومراجعه. * كيف يبدو تصميم الإنجيل الثالث؟ إنه واضح في خطوطه الكبرى، وهو يتوافق في قسم من أقسامه مع ما نجده في إنجيل مرقس. فبعد المقدمة، نجد نفوسنا في الجليل (3: 1- 9: 50)، ثم في الطريق إلى أورشليم (9: 51- 19: 27)، وأخيراً في أورشليم حيث تتمّ أحداث الموت والقيامة (19: 28- 24: 53). إذا ألقينا نظرة إجمالية، نرى أن لوقا يقدم متتالية شبيهة بمتتالية مرقس، ثم متتالية خاصة به. فبعد 3: 1- 19:6 (رج مر 1: 1 - 35:3) نجد القاطعة الصغيرة (6: 20- 3:8) التي تبدأ بعظة يسوع الكبرى. وبعد 8: 4- 9: 50 (رج مر 4: 1- 9: 40، ما عدا 6: 45 - 8: 26)، نجد القاطعة الكبرى (9: 51 ي) أو صعود يسوع إلى أورشليم: "ولما حانت أيام ارتفاعه" (حرفياً: خروجه أي موت يسوع و صعوده). يتقيّد لوقا بمصدر هو مرقس أو قريب جداً من مرقس، ولكنّه يضم إليه تقاليد خاصة جمعها من الكنائس. ولنا عودة إلى هذا الوضع عندما ندرس المسألة الإِزائية. إن التقليد المشترك بين متّى ومرقس ولوقا، يقدّم لنا لحمة الإنجيل. واستفاد لوقا من تقاليد إضافية تتقاطع مراراً مع ما جمعه متّى، أو من ذكريات استقاها من بعض التلاميذ أمثال كليوبا (18:24) وفيلبس (أع 21: 8)؛ ومناين رفيق طفولة هيرودس وأخوه في الرضاعة (أع 13: 1؛ رج لو 23: 7- 12)، والنساء القديسات (لو 8: 1- 3؛ 10: 38؛ 23: 27- 28، 49؛ 24: 10)، ومريم أم يسوع (لو 1- 2). أما الاتصال بين الانجيل الثالث والانجيل الرابع فيعود إلى تأثير المحيط اليوحناوي على القديس لوقا. * ما هي مراجع لوقا؟ يتفق معظم الشّراح على القول إن مرقس كان المرجع الرئيسي لإنجيل لوقا. ولكنهم يختلفون حين يحاولون تحديد مراجع أخرى. هناك من يتحدث عن "إنجيل التلاميذ" الذي يشرف على القاطعة الكبرى (الصعود إلى أورشليم). ويحاول عدد من الشرّاح أن يعيدوا بناء بدايات لوقا انطلاقاً من خبر الآلام ومن أقسام يستقل فيها الإنجيل الثالث عن مرقس: إما تلك التي تعود إلى رسالة يسوع في الجليل (3: 1 - 4: 30)، وإما التي تعود إلى الصعود إلى أورشليم (19: 1- 27، 37 - 44). ولكن براهينهم لم تقنع أحداً، فسماها بعضهم: خياله وسراب. وهناك فئة ثالثة تتخلى عن إيجاد إنجيل يقف خلف التقاليد الخاصة بلوقا، فيرى في هذه التقاليد عدة وثائق مكتوبة أو تقاليد شفهية. فشل الشراح في بحثهم عن مراجع لوقا. ولكن هذا لم يمنعهم من اكتشاف المبدأ الذي اتبعه لوقا في تدوين إنجيله: هو المؤرّخ وهو خادم الكلمة. سنعود إلى خادم الكلمة حين نتحدث عن الوجهة التعليمية في الإنجيل الثالث. أما المؤرخ فنكتشفه من خلال إشارتين. الأولى: وضع الأحداث في الزمن، والثانية: مسيرة الخبر الإنجيلي.
ب- وضع الأحداث * نقدم أوّلاً النظرات الإِجمالية البارزة: لوحة احتفالية تفتتح خبر ولادة يسوع (2: 1- 3)، وأخرى في بداية رسالة يوحنّا (3: 1- 2) تعدّد سبعة حكّام في ذلك الوقت. ثم تأتي تحديدات زمنية نسبية تزيد على ما وجدناه في سائر الأناجيل: تمّ اجتماع المجلس الأعلى "حين طلع الصباح" (22: 66)، لا خلال الليل. وفي مكان آخر يُلغي لوقا "المؤرخ" كلاماً يعتبره غير محدَّد. قال متّى ومرقس ان التجلي حصل "ستة ايام" بعد اعتراف بطرس بيسوع. أما لوقا فقال: "بعد نحو ثمانية أيام" (9: 28). وإن تواضع المؤرخ يجعل لوقا يقول "قرابة" "نحو" أمام الأرقام المحدّدة. "وكانت مريم عند اليصابات نحو ثلاثة أشهر" (56:1). "وكان يسوع عند بدء رسالته، في نحو الثلاثين من عمره" (3: 33). "وكانوا نحو خمسة آلاف" (9: 14؛ رج 22: 59؛ 44:23). ويلغي لوقا أيضاً ما يعتبره تكراراً. وجد تقليداً خاصاً يتحدّث عن دعوة التلاميذ الأولين (5: 1- 11) فاستغنى عن خبر مر 1: 16- 20. وهناك أخبار ترد في مرقس ولكن لوقا يوردها في سياق آخر. مثلاً، قول الكنيسة عن يسوع (مر 22:3- 30)، يرتبط بموقف ذويه منه. ولكن لوقا (11: 14- 23) يجعله في إطار الصعود إلى أورشليم. ونقول الشيء عينه عن يسوع في وطنه الناصرة (مر 6: 1- 6)0 أما لوقا 16:4 - 30 فقد جعل من هذه "الزيارة" إلى بلدته برنامج عمله التبشيري (رج أيضاً مر 49:9- 50؛ لو 34:14- 35؛ مر 10: 41- 45؛ لو 24:22- 27). ثم إن لوقا يتهرّب من الخبرين القريبين. حدثنا مرقس عن تكثيرَين للخبز، واحد يتوجّه إلى العالم اليهودي (مر 6: 30 ي) وآخر يتوجّه إلى العالم الوثني (مر 8: 1 ي)، فألغى لوقا الخبر الثاني واحتفظ بالأولى (9: 10- 17). وبدت لعنة التينة (مر 11: 12- 14، 20 - 25) تكراراً لمثل التينة التي لا تثمر (6:13- 9؛ 6:17) فلم يوردها. وكذا نقول عن السير على المياه (مر 6: 45- 52) القريب من تهدئة العاصفة، والدهن بالطيب في بيت عنيا (مر 3:14- 9) القريب من غفران حصلت عليه الخاطئة (لو 36:7- 50). لماذا الحديث عن مثول يسوع أمام المجلس الأعلى مرة أولى ومرة ثانية (مر 14: 55 - 64؛ 15: 1)؛ تحدّث مرقس (23:15) عن الخمرة الممزوجة بمرّ، أما لوقا (23: 36) فتحدث عن الخل. وتحاشى لوقا القول بأن العاصفة هدأت في "يوم الأمثال" (مر 4: 35؛ لو 8: 22). وأشار إلى أن التجلي حدَث في الليل: إعتاد يسوع أن يصعد الجبل ليصليّ، كما إعتاد أن يصليّ خلال الليل (9: 32، 37؛ رج 6: 12؛ 22: 39- 40). وتحدث عن صعود مثلث ليسوع إلى أورشليم، لا صعود واحد، كما نرى ذلك عند مرقس. وأخيراً، يقدّم لوقا بعض المعلومات الجغرافية: كفرناحوم هي مدينة في الجليل. والناصرة أيضاً (4: 31؛ 1: 26). "بحر الجليل" صار عنده "بحيرة جنسارت" (5: 1؛ 8: 23). قال مت 10: 33: "من أنكرني أمام الناس، أنكره أمام أبي الذي في السماوات". أما لوقا (9: 26) فتوسّع: "من يستحيي به وبكلامي يستحيي به ابن الانسان، متى جاء في مجده ومجد الاب والملائكة الأطهار" (رج مت 16: 27؛ مر 8: 38). قال مت 21: 1: "ولما قربوا من أورشليم، ووصلوا إلى بيت فاجي عند جبل الزيتون" (رج مر 11: 1). أما لوقا فذكر بيت فاجي وبيت عنيا، عند الجبل الذي يقال له جبل الزيتون، فجاء قريباً من مرقس (لو 19: 29). * وهناك إشارات سلبية لقد قام لوقا ببعض التصحيحات والتحديدات التي تدل على ضعفه كمؤرخ. ولكننا نجد غياب تفاصيل تدل على أن لوقا جهل فلسطين، وما عرف طرق البناء فيها (5: 19؛ 6: 47- 49) وعوائدها (6: 29؛ 7: 14؛ 8: 5- 6) ومناخها وطوبوغرافيتها (4: 29؛ 9: 10؛ 12: 55؛ 29:21). لماذا سمح لنفسه بأن ينقل بعض الأحداث من مواضعها ليجعلها في موضع آخر؟ مثلاً: حدث الناصرة (16:4- 30)، دعوة التلاميذ (5: 3- 11)، مقدمة الخطبة الأولى (6: 12- 19)، الحديث عن أسرة يسوع الحقيقية (19:8- 21)، شفاء برتيما (35:18- 43)، خبر العشاء الأخير والإنباء بالخيانة (22: 15- 20، 21- 23). فوضع المؤرخ في العصور القديمة يختلف عن وضعه اليوم فيما يخصّ الكرونولوجيا (تسلسل الأحداث) والطوبوغرافيا (تحديد الأماكن). فما يجب علينا هو أن ندرس أسباب هذه التبديلات. - السبب الأول يرتبط بالتأليف الدراماتيكي. بدا للوقا أنه من الأفضل جمع كل ما يخص شخصاً من الأشخاص قبل أن ينتقل إلى موضوع آخر. مثلاً، رأينا يوحنّا المعمدان في السجن قبل الوقت، بل قبل عماد يسوع (3: 20: جعل يوحنّا في السجن). وهكذا فرغ المكان ليسوع. وفي موضع آخر تترتبّ الأخبار فتدلّ على واقع تاريخي معقول: فنحن نفهم جواب التلاميذ إلى نداء المخلص بعد سرد بعض المعجزات (5: 1- 11). جعل لوقا خصوم يسوع مجموعة واحدة منذ البداية (5: 17): "وكان ذات يوم يعلّم، وبين الحاضرين بعض الفريسيين ومعلمي الشريعة أتوا من جميع قرى الجليل واليهودية ومن أورشليم". والباعة طُردوا من الهيكل حالاً بعد دخول يسوع إلى أورشليم (19: 45- 46). ويتوزع خبر العشاء الأخير بطريقة منطقية: العشاء السري، خيانة يهوذا، الحديث عن السلطة التي هي خدمة، وأخيراً الإنباء بإنكار بطرس (22: 14- 28). ونقول الشيء عينه عن مشهد انكار بطرس ليسوع (54:22- 62): بطرس يتبع يسوع عن بعد، بطرس قرب النار. رأته جارية، ثم رآه رجل. وما إن أعلن بطرس ما أعلن من جهله ليسوع حتى صاح الديك. - السبب الثاني يرتبط بالبناء اللاهوتي الذي أراده لوقا منطلقاً من المراجع التي في يده. نحن هنا في مجال يحسّ فيه المؤرخ أنه غريب عنه. فالقاطعة الكبرى تقدّم لنا مثلاً له مدلوله. تبدو وكأنها ترسم أمامنا رسماً دقيقاً لسفر إلى أورشليم. تُكرر ثلاث مرات أن يسوع يصعد إلى أورشليم. المرة الأولى في 9: 51- 53: "ولما حانت أيام ارتفاعه عزم على الاتجاه إلى أورشليم". والمرة الثانية في 13: 22: "وكان يمر بالمدن والقرى، فيعلّم فيها، وهو سائر إلى أورشليم". نحن هنا أمام انتقال إلى قسم جديد في هذا الصعود (13: 22- 17: 10). والمرة الثالثة في 17: 11: "وفيما هو سائر إلى أورشليم، مرّ بالسامرة والجليل". تلك هي الطريق التي سيتخذها الرسل حين ينطلقون إلى الرسالة (أع 1 :8). ولقد قابل النقاد هذا الصعود المثلث بما في إنجيل يوحنّا (7: 1 - 13؛ 10 :22؛ 54:11). هنا يلتقي لوقا مع يوحنا ليشدّد على أهمية أورشليم في حياة يسوع ولا سيّما في موته. ونحن نكتشف هذا البناء اللاهوتي في إغفال لوقا لمعطيات طوبوغرافية نجدها عند مرقس. ففي 17:5 و 46:9 لا يذكر لوقا كفرناحوم (رج مر 2: 1؛ 33:9) ما كما لا يذكر بحر الجليل في 27:5؛ 17:6؛ 8: 4 (رج مر 2: 13؛ 3: 7؛ 4: 1). وفي 9: 43 ب لا يذكر لوقا بحر الجليل (رج مر 9: 30)، وفي 8: 39 لا يذكر المدن العشر (ديكابوليس، رج مر 5: 20). وخلاله صعود يسوع إلى أورشليم لا يتوقف لوقا عند المواقع الجغرافية. مثلاً، لا يذكر قيصرية فيلبس (رج مر 8: 27). ولا يشير إلى الطريق (رج مر 10: 17)، ولا إلى الهيكل (مر 12: 35)، ولا إلى الخزانة (مر 12: 41). لا يقول عن يسوع إنه جلس على جبل الزيتون (مر 13: 3) أو إنه وصل إلى جتسيماني (مر 14: 32). هل نقول أنه جهل هذه الأمكنة، أم أنه لم يرد التوقف عندها فيلتصق نظرنا بها؟ فكل مكان يمكن أن يكون قيصرية فيلبس، وفيه يطلب منّا يسوع أن نتخذ موقفاً تجاهه: من أنا في رأيكم أنتم؟
ج- مسيرة الخبر الانجيلي * نجد أول ما نجد خبراً متتابعاً للأحداث. فلوقا يعرف فن الانتقالات. إنه يقدم إلى القارئ خبراً متتابعاً للأحداث. وهو بذلك يتفوق من ناحية الأسلوب على مرقس. ففي 33:5، يطرح الفريسيون أنفسُهم بعد أن انتقدوا يسوع لأنه يأكل مع الخطأة، يطرحون سؤالاً حول صوم التلاميذ. نحن أمام خبرين يتجاوران عند مرقس، ويقعان في سياق واحد. قابل 8: 11 (مر 4: 13) و 16:8 (مر 21:4) و 40:8 (مر 21:5) و 22:9 (مر 31:8)، و 9: 28 (مر 9: 2). "وإليكم مغزى المثل". "ولما رجع يسوع". "وقال: يجب". "وبعد هذا الكلام". وفي مقاطع أخرى، يهيئ لوقا الطريق للانتقالات. فكرازة يوحنا المسيحانية قد هيّأتها الحاشية حول تأثير كرازة التوبة هذه على الجموع: تساءلوا: أما يكون المسيح (15:3)؟ ونقول الشيء عينه عن 4: 1: "ورجع يسوع من الأردن، وهو ممتلئ من الروح القدس". هذا الروح الذي ناله في المعمودية. ونقرأ في 5: 1: "وازدحم الجمع عليه لسماع كلمة الله". وهكذا نستعد للنداء الذي سيسمعه التلاميذ الأولون. ويوجّه لوقا خبره بتعليقات تهيئ الأحداث اللاحقة. ترك إبليس يسوع حتى الزمن المحدد (4: 13). وهو سيعود في 22: 3، 53. تحدّث عن يوحنا المعمدان الذي "أقام في البراري إلى يوم ظهوره لإسرائيل" (1: 80). وهكذا تهيأنا لأن نقرأ في 3: 3: "كانت كلمة الله إلى يوحنا بن زكريا في البريّة". ونقرأ في 3: 20 عن سجن يوحنا، فنستعد لسماع هيرودس يقول: "أنا قطعت رأس يوحنا" (9: 9). وهيأت 8: 1 - 3 الطريق أمام 23: 49- 55... * ونجد خبراً مركزاً على أورشليم حين نقرأ إنجيل لوقا نكتشف فنّه الرفيع في تركيز إنجيله على أورشليم. ترك الإنجيل الثالث انطلاق يسوع إلى حدود الجليل (مر 6: 45- 26:8). وأغفل اسم قيصرية فيلبس (مر 27:8) والجليل (مر 8: 30). وحوّل كلام يسوع عن موضع اللقاء بعد القيامة. نقرأ في مر 28:14: "ولكن بعد قيامتي أسبقكم في الجليل". وذكَّر الملاك النسوة بهذا الكلام: "إذهبن وقلن لتلاميذه ولبطرس: إنه يسبقكم إلى الجليل" (مر 7:16)0 أما لو 6:24- 7 فقال: "تذكروا ما قاله لكم حين كان في الجليل". إذن، نحن أمام خبر موّجه نحو هدف محدَّد. هو أورشليم. بدأ الإنجيل الثالث في أورشليم (1: 5) وانتهى في أورشليم (24: 52 ي). وفي إنجيل الطفولة سيُذكر صعودان إلى أورشليم. الأول، يوم كان الطفل ابن أربعين يوماً، صعدا به إلى أورشليم (2: 22). والثاني، لما بلغ الصبي إثنتي عشرة سنة (42:2). وفي خبر التجارب، ينتهي الخبر في أورشليم (9:4- 12)، لا على الجبل كما في متّى (8:4- 10). * وهناك الصعود إلى أورشليم تبدو القاطعة الكبرى بشكل صعود احتفالي إلى أورشليم. فقد جمُعت الأخبار والأقوال في هذا الإِطار. هناك خطب هجومية (11: 14 - 14: 24) يجمعها موضوع واحد. وهناك أقوال مرتّبة حول كلمة تتكرّر في أكثر من مقطع (12: 1- 12؛ 25:14- 35؛ 16:16- 18). ويركز لوقا، شأنه شأن متّى (قد يكون مصدر الإِنجيلَين قد ركّز على ذلك)، على الرقم ثلاثة: ثلاثة أخبار دعوة: "قال له رجل... وقال لآخر... وقال له آخر" (9: 57- 62). ثلاثة أقوال عمّا يميّز التلاميذ: "أوليتُكم سلطاناً تدوسون به الحيات... إفرحوا بأن أسماءكم مكتوبة في السماء... طوبى للعيون التي تبصر ما أنتم تبصرون" (18:10- 24). ثلاث تعليمات عن الصلاة: "قال لهم: إذا صليتم فقولوا... وقال لهم: من منكم له صديق... إني أقوله لكم: إسألوا تُعطوا" (10: 1- 13). ثلاثة أمثال عن رحمة الله (15: 1 - 32)، ثلاثة أقوال عن الشريعة ( 16: 16- 18)، ثلاثة آراء مختلفة (17: 1-6). قد يُذكر الظرف الذي فيه قيلت كلمات يسوع. ولكن قد يكون الرباط بين المقطوعات رخواً: بعد ذلك (10: 1)، في تلك الساعة (10: 21). وقد لا يكون رباط البتة. مثلاً في 10: 25: "وإذا أحد علماء الشريعة". جمع لوقا هذه المواد في إطار واضح، فألغى الإشارات الطوبوغرافية لتتوجّه أنظارنا فقط إلى أورشليم. وهكذا جاءت النتيجة مذهلة. في 9: 51، يواجه عبد الله المتألم النزاع (رج أش 6:50 ي حسب السبعينية)، أو بالأحرى يعود إلى الله (رج يو 13: 1: "ينتقل من هذا العالم إلى الآب"). وفي 9: 53 نجد أن السامريين لا يستقبلون يسوع "لأنه يتجه إلى أورشليم" (وجهه موجّه). ويتابع لو 56:9: "فمضوا إلى قرية أخرى". ما اسمها؟ هذا ما لا يقوله لوقا. ثم يشير إلى أنهم "كانوا في الطريق". فجاءت ثلاثة أخبار متلاصقة تجمعها كلمة "تبع": أتبعك حيث تمضي... قال الآخر: إتبعني... أتبعك يا رب". وفي 10: 1 يتحدث الإنجيل عن "كل مدينة أو مكان أوشك أن يذهب إليه". وبعد عدد من الخطب، يتكلم النص عن عودة التلاميذ، عن مثَل المسافر اليهودي الذي أعانه السامري. ويستعيد لوقا خبره: "وبينما هم سائرون (في الطريق)، دخل قرية" (38:10). قد تكون بيت عنيا، وهذا أمر يعرفه لوقا ولكنه لا يذكره. وتأتي بعد ذلك عبارات غامضة "كان يصليّ في بعض الأماكن" (11: 1). "وكان يمرّ بالمدن والقرى، فيعلّم فيها، وهو سائر (في طريقه) إلى أورشليم" (22:13). بعد هذا، جاء من نصح يسوع: "أخرج واذهب من هنا" (13: 31، ولكن من أين؟). أما هو فأجاب: "يجب أن أتابع طريقي لأنه لا ينبغي لنبي أن يهلك في خارج أورشليم" (13: 33). وبعد هذا وجّه يسوع إلى أورشليم كلام الإِنذار: "يا أورشليم، يا أورشليم" (13: 34). ولكننا لم نصل بعد إلى أورشليم. أعطى يسوع بعض التعاليم خلال تناول الطعام (14: 1- 24). ثم قال الإنجيل: "وكانت جموع كثيرة تسير (في الطريق) معه" (25:14)0 الكل هم في الطريق. وجاء تعليم في الأمثال. وبعد هذا قال لوقا عن يسوع: وبينما هو سائر (في الطريق) إلى أورشليم، مر بالسامرة والجليل (أو على حدود السامرة والجليل)، ودخل قرية من القرى (17: 11- 12). وبعد هذا "الطريق" التقى لوقا بخبر مرقس: "ها نحن صاعدون إلى أورشليم، فيتمّ جميع ما كتب الأنبياء" (18: 31). ويستعيد الإنجيل الثالث تحديداً طوبوغرافياً أخذه من التقليد المشترك: "دخل يسوع إلى أريحا" (19: 1؛ رج 18: 35). ولكن لوقا يعود إلى طريقته الخاصة: "قال يسوع أيضاً مثلاً لأنه كان قريباً من أورشليم، ولأنهم كانوا يظنون أن ملكوت الله يوشك أن يظهر في الحال" (عاجلاً، لا يستطيع الناس أن ينتظروه) (19: 11). ثم يرد الدخول الاحتفالي إلى أورشليم. "بعد أن قال هذا، تقدم (سار في الرأس) صاعداً إلى أورشليم. ولما قرب من بيت عنيا" (19: 28 - 29). "ولما قرب من منحدر جبل الزيتون" (19: 37). "ولما اقترب، ورأى المدينة بكى عليها" (19: 41). "وحين دخل الهيكل" (19: 45). وسائل أدبية قد تبدو غريبة، ولكن تأثيرها كبير جداً. ثم إن القاطعة الكبرى ليست جسماً غريباً في الإنجيل. هذا الإنجيل بدأ في أورشليم. ويسوع الذي عاد "منتصراً" إلى المدينة المقدسة، يكتفي بأن "يقيم خيمته" في جبل الزيتون ومن هناك سيُقاد إلى السجن، إلى أورشليم، حيث يُدان ويُحكم عليه ويُصلب. وفي أورشليم سيقوم ويظهر للتلاميذ. ومن بيت عنيا سيصعد إلى السماء. ويعود التلاميذ إلى أورشليم وهم يسبّحون الله. وسيعلن سفر الأعمال انتشار الإنجيل من أورشليم إلى أقاصي الأرض (أع 1: 8). من هذا التحليل لبنية لوقا الأدبية، نفهم أن الإنجيل الثالث، شأنه شأن إنجيلي متّى ومرقس، ليس سيرة حياة يسوع كما يريدها العالم الحديث. وزَّع لوقا مواده آخذاً بعين الاعتبار مراجعه، فكان "مؤرخاً". ولكنه كان قبل كل شيء "خادماً للكلمة" وحامل إنجيل البشرى. هو لم يتلاعب بمراجعه، فاقتصر فنه على تنظيم بعض المعطيات التقليدية، وعلى إبراز هذه المعطيات في إطار النظرة المشتركة التي عرفها متّى ومرقس.
5- الوجهة التعليمية حين نقرأ إنجيل مرقس نرى أنه قدّم لنا سر الإله الإنسان في شخص يسوع. وحاول متّى أن يعرض لنا تفسيراً ينطلق من الكتاب المقدس في عهده القديم. لم يجهل لوقا نظرة مرقس ولا نظرة متّى (هناك براهين كتابية عديدة: 17:4؛ 18: 31؛ 17:20...)، ولكنه قدم نظرة أخرى، نستطيع أن نعتبرها أوسع مما في الإِنجيلَين الأولين. سعى لوقا إلى عرض تاريخي لأحداث الخلاص. حاول أن يقدّم "رسمة. تاريخ"، لنفهم الأحداث بأسبابها. هو لا يكتفي بإيراد أحداث ووقائع من حياة يسوع. بل هو يفسرّها. ولكن، بما أنه لم يكن شاهد عيان، فلم يستطع أن يقدم مثل يوحنا "إنجيلاً روحياً". غير أنه عرف مع الجماعة المسيحية الأولى أن يسوع قام، فأسقط على أحداث حياة يسوع المذهلة نور سر الآلام والقيامة، وهو سيبين في سر الأعمال انتصار إيمان الكنيسة عبر الاضطهادات. لوقا هو إنجيلي مخطّط الله. فإذا أردنا أن نبسط الأمور قلنا: سر الفصح هو قلب هذا المخطط، والروح القدس هو محققه، وجماعة المؤمنين هي غايته.
أ- سر الفصح * إنباءات الآلام والقيامة إن إنباءات الآلام والقيامة تنتمي إلى التقليد المشترك بين متّى ومرقس ولوقا، فهناك ثلاثة إنباءات تتوزع صعود يسوع إلى أورشليم (مت 16: 21 وز؛ 17: 22- 23 وز؛ 20: 18- 19 وز). أما عند لوقا، فيسبق الإنباء الأول تنبيهٌ خاص بلوقا: "ضعوا جيّداً في رؤوسكم هذه الكلمات" (9: 44). ويرتبط الإنباء الثالث ببرهان كتابيّ (18: 31). ويتفرَّد لوقا فيقول: "ولكنهم لم يفهموا كل هذا. وظلت هذه الكلمة مخفية عنهم، فلم يفهموا معناها" (18: 34). وهكذا شدد لوقا على ما شدد عليه مرقس في الإنباء الثاني (مر 45:9)، وما أشار إليه متّى في الإنباء الأول بالنسبة إلى بطرس وحده (مت 16: 21 - 23). وزاد لوقا على هذه الإنباءات وحياً وصل إلى التلاميذ ساعة التجلي حول حضور موسى وإيليا على الجبل: لقد كان موضوع محادثتهما مع يسوع نهاية يسوع في أورشليم (9: 21). والملاك سيذكّر النسوة بهذه الإِنباءات بعد دراما الآلام (7:24)، ويسوع القائم من الموت سيذكِّر المسافرين إلى عماوس (24: 25- 26)، كما سيذكِّر الرسل في العلية (24: 45- 46) بهذه الآلام التي تسبق المجد. وحسب لوقا، يرغب يسوع في "معمودية" الآلام (12: 50)، ويعلن أن على كل نبي أن يموت في أورشليم (13: 32- 33)، وأن على ابن الانسان أن يتألّم ويُرذل قبل أن يظهر كالبرق (17: 24- 25). غير أن لوقا لم يذكر الحوار الذي جرى بين يسوع وتلاميذه بعد التجلّي: "كذلك سيعاني إبن الإنسان منهم الآلام" (مت 17: 12؛ مر 9: 12: "يعاني آلاماً شديدة ويُزدرى"). وهناك إشارات أخرى مثل الصعود إلى أورشليم (رج مت 20: 17 وز). كما نجد بعض الرموز في إنجيل الطفولة. فيسوع هو علامة خلاف (2: 34) وهذا ما يظهر خصوصاً ساعة الآلام. وسيُوجَد يسوع في الهيكل "بعد ثلاثة أيام" (46:2). هي الأيام التي تفصل الموت عن القيامة. ونقول الشيء عينه عن كرازة يسوع في الناصرة (4: 16- 30). جعلها لوقا في رأس الحياة العلنية: يسوع هو موضوع إعجاب (4: 22)، ثم موضوع بغض ومحاولة قتل (29:4). ولكنه اجتاز بينهم متابعاً طريقه (4: 30؛ رج 7: 30؛ 8: 20). فهو من الآن قد انتصر على الموت. * ألقاب يسوع المسيح يحدثنا متّى (9: 4 وز) عن يسوع الذي يعرف الأفكار العميقة في القلوب. وهذا ما يشدّد عليه لوقا في 8:6 (بمناسبة شفاء يوم السبت: "علم أفكارهم")، وفي 47:9 بعد جدال بين التلاميذ: "فعلم يسوع ما يساور قلوبهم" (حرفياً: مباحثة قلوبهم، مر 33:9). ويسوع يعرف أيضاً الآب كما يعرفه الآب: "أحمدك يا أبت، رب السماء والأرض... ما من أحد يعرف الإبن إلاَّ الآب، ولا مَن يعرف الآب إلاّ الإبن ومن شاء الإبن أن يكشفه له" (10: 21- 22= مت 25:11 - 27). يتفرّد لوقا فيسمي يسوع كما سماه المسيحيون الأولون: كيريوس، الرب. نقرأ خبر إقامة شاب نائين: "فلما رآها الرب، أخذته الشفقة عليها" (7: 13). وفي إرسال وفد يوحنا المعمدان: "أرسلهما إلى الرب يسأله" (19:7؛ رج 10: 1، 39، 41...). وهذا اللقب يوازي لقب المسيح الممجّد كما نقرأه في فل 2: 11: "يشهد كل لسان أن يسوع المسيح هو الرب تمجيداً لله الآب" (رج 1 كور 16: 22: "إن كان أحد لا يحب الرب"). شدَّد مرقس على السر المسيحاني. ومع أن لوقا لم يتخلّ عن هذا الموضوع (رج 4: 35، 41؛ 5: 14؛ 8: 56؛ 9: 21)، فلقب الرب غطَّى على لقب إبن الإنسان. وهذا ما نراه واضحاً في 26:8: تحدث متّى (16: 27) ومرقس (38:8) عن مجد الله فقط. أما لوقا فتحدث أيضاً عن مجد الإبن الشخصي الذي سيظهره يسوع في تجليه. إن إبن الإنسان الذي نستحيي به هنا هو ذلك الممجَّد منذ الآن بانتظار المجد الفصحي (26:24). فالمسيح عند لوقا هو الملك. هذا ما نكتشفه لدى الدخول إلى أورشليم: "تبارك الآتي، الملك، باسم الرب" (19: 38). وحين يقدّم الإنجيل الثالث مثل الأمناء، فهو يختلف فيه عن مثل الوزنات كما يقدمه متّى. إنه يشدد على الطابع الملوكي: "كانوا يظنون أن ملكوت الله... لا نريد هذا ملكاً علينا... فلما رجع بعدما حصل على المُلك... فليكن لك الملك (السلطان)... أولئك الذين لم يريدوني مَلكاً عليهم" (19: 12، 14، 15، 17، 27؛ رج مت 25: 14- 30 الذي يتحدث عن رجل لديه عبيد).
ب- ملكوت الله والروح القدس * ملكوت الله البشرى هي ملكوت الله (43:4؛ 8: 1) كما تحدثت عنه الكرازة المسيحية الأولى. (16: 16؛ 18: 29؛ أع 1: 3؛ 8: 12). حين يورد لوقا هذه اللفظة، فهو لا يدل على الواقع الإلهي الذي يعمل على الأرض (كما عند متّى)، بل الملكوت الإسكاتولوجي أو السماء، الذي يُشرف على تصّرفنا على الأرض ويتطلب منا الإيمان. نقرأ مثلاً في 27:13- 29: "فيقول لكم: لا أعرف من أين أنتم. إليكم عنّي يا فاعلي السوء جميعاً! فهناك البكاء وصريف الأسنان، إذ ترون إبراهيم وإسحق ويعقوب وجميع الأنبياء في ملكوت الله، وترون أنفسكم في خارجه مطرودين. وسوف يأتي الناس من المشرق والمغرب، ومن الشمال والجنوب، فيجلسون إلى المائدة في ملكوت الله" (27:13- 29). نحن هنا أمام الديان في نهاية الأزمنة، نحن في إطار الوليمة المسيحانية. ونقرأ أيضاً في 14: 15: "وسمع ذلك الكلام أحد الجلساء على الطعام فقال له: طوبى لمن يتناول الطعام في ملكوت الله". نحن هنا أيضاً في جو الوليمة المسيحانية كما في رؤ 9:19: "طوبى للمدعوين إلى وليمة عرس الحمل". ومثل الزارع لا يعني الحضور السري للملكوت، كما عند متّى ومرقس، بل متطلبة الإيمان. قال يسوع: "والذين على جانب الطريق هم الذين يسمعون. ثم يأتي إبليس فينتزع الكلمة من قلوبهم لئلا يؤمنوا فيخلصوا". أجل، إن الكلمة تُقبل بالإيمان. وهذا الإيمان يقود إلى الخلاص، ونقرأ أيضاً في 8: 15: "وأما الذي في الأرض الطيبة فيمثِّل الذي يسمعون الكلمة بقلب طيب وكريم ويحفظونها، فيثمرون بثباتهم". يتحدث لوقا عن الأخطار التي تهدد الكلمة، فيطلب من المؤمنين الثبات المحن. فقد قال لنا ربّنا في مكان آخر: "بصبركم تقتنون نفوسكم" (19:21). ويمكننا أن نقابل مت 28:16 وز الذي يتحدث عن مجيء الملكوت مع لو 27:9 الذي يتحدث عن رؤية الملكوت. فإن كان الملكوت حاضراً على الأرض (17: 21)، فهو حاضر في شخص إبن الإنسان (17: 22). وهذا ما يفسر كلام يسوع: سيأتي لكوت (2:11: "ليأت ملكوتك")، ولكنه قد جاء وحل بيننا. قولوا للناس: "إقترب منكم ملكوت الله" (10: 9). وزاد يسوع في معرض دفاعه عن نفسه: "إذا كنت باصبع الله أطرد الشياطين، فقد وافاكم ملكوت الله " (11: 20). * الروح القدس إذا كان ملكوت السماوات يبدو في وجه ديناميكي عند متّى، فعند لوقا، يصبح الروح القدس هذا الواقع الإلهي الذي يعمل على الأرض. ليس الملكوت هو الذي ينزل من السماء، بل الروح القدس الذي يحَلّ كعطية وموهبة. والذي يعمل الآن ويدل على قدرة الله هو الروح. هذا أوضحه لوقا في أع 1 :8: "الروح القدس ينزل عليكم، فتنالون قوة". تساءل الرسل: هل هذا وقت إعادة الملك إلى إسرائيل؟ فحوّل يسوع أنظارهم عن هذا الملكوت وثبّتها على الروح القدس: إنه القوة، إنه نازل. الروح القدس هو الموهبة العظمى. قال يسوع: "إذا كنتم أنتم لأشرار تعرفون أن تعطوا العطايا لأبنائكم، فكم أحرى بأبيكم الذي في السماء أن يعطي الروح القدس لمن يسأله) (13:11). شدّد لوقا على عطية الروح القدس، أما متّى 7: 11 فقال: "العطايا الصالحة". ونلاحظ في السياق عينه اختلافة في 11: 2. قال النص الأصلي: "ليأتِ ملكوتك". أما الاختلافة فقالت: "ليأتِ علينا روحك القدوس وليطهرنا، أو ليطهرنا". والروح القدس هو في الإنجيل قوة من النوع النبوي. هناك أشخاص يحرّكهم الروح: يوحنا (1: 15، 80) ووالداه، زكريا (1: 67: "امتلأ أبوه زكريا من الروح القدس") وأليصابات (1: 41: امتلأت من الروح القدس"). وسمعان الشيخ الذي نزل الروح القدس عليه، الذي ألهمه الروح "أنه لا يرى الموت قبل أن يعاين مسيح الرب فأتى الهيكل بدافع من الروح" (2: 25- 27). هذا الروح حضر وقت الحبل بيسوع (1: 35). ومنذ البداية كان يسوع "ممتلئاً من الروح القدس" (4: 1). "بقوة الروح، ترك يسوع البرية ليجترح المعجزات (4: 14)، بهذه القوة التي تجعله يشفي المرضى (4: 17) ويطرد الشياطين "باصبع الله" (11: 20؛ رج مت 28:12 الذي يقول: "بروح الله أطرد الشياطين). بالروح يتهلل يسوع (10: 21) فيحمد الله. إنه ذلك الذي "مسحه الله بالروح والقوة" كما يقول القديس بطرس (أع 10: 38). وأخيراً، الروح هو الذي ويعلّم التلاميذ ماذا سيقولون خلال الاضطهادات: "لا يهمكم كيف تدافعون عن أنفسكم، أو ماذا تقولون. لأن الروح القدس يعلّمكم في تلك الساعة ما يجب أن تقولوا" (12:12؛ مت 10: 20؛ رج مر 13: 11: لستم أنتم المتكلمين، بل الروح القدس).
ج- مناخ إنجيل لوقا * مناخ المديح والتمجيد يتردّد في إنجيل لوقا المديح وفعل الشكر وتمجيد الله. فمريم تعظم الرب (1: 46 ي)، وزكريا يبارك الله (1: 66، 68 ي)، والملائكة في بيت لحم يسبِّحون الله ويقولون: المجد لله في العلى (13:2- 14). سمعان الشيخ يبارك الله ويسلم حياته إلى الله (28:2- 29)، وحنة النبية تحمد الله وتحدّث بأمر الطفل كل من كان ينتظر افتداء أورشليم (38:2). شُفي المخلّع فمضى إلى بيته وهو يمجد الله (5: 25). ورأت الجموع أموراً عجيبة فمجَّدت الله (5: 26). قام ابن أرملة نائين، فاستولى الخوف على الناس ومجدوا الله (7: 16). وانحلت المنحنية الظهر، فأخذت تمجد الله (13: 13). رأى الأبرص أنه برئ فرجع وهو يمجّد الله بأعلى صوته (17: 15)، وكذا فعل الأعمى (18: 43) والتلاميذ حين دخلوا أورشليم (19: 37- 38) والضابط عند موت يسوع (47:33). ويقدّم لنا لوقا لوحة في نهاية إنجيله: رجع التلاميذ إلى أورشليم "وكانوا يلازمون الهيكل ويباركون الله" (24: 53). وسنسمع صدى هذا التمجيد والتسبيح في فم الجماعة المسيحية الأولى. فهم خلال اجتماعاتهم "يسبحون الله وينالون حظوة عند الشعب" (أع 47:2). وحين شُفِيَ المخلع على يد بطرس، مشى وأخذ "يسبح الله" (أع 8:3)، بل إن "جميع الناس كانوا يمجدون الله على ما جرى" (أع 4: 21). أدخل بطرس أول وثني إلى الكنيسة، فكان دخوله إيذاناً بتمجيد الله (أع 18:11). وفتح بولس الباب للوثنيين، ففرحوا ومجّدوا كلمة الرب (أع 13: 48؛ 21: 20). * مناخ الفرح الفرح، البهجة، التهليل، إنشاد السعادة. تلك هي الكلمات التي تتردّد في إنجيل لوقا. والفعل "أنجل" (أي حمل الإنجيل) يحمل دينامية لا يحملها الاسم. فهو يعني بشرَّ، حمل البشرى، حمل الخبر المفرح. نجد فعل "أنجل" في مت 11: 5: يسوع يحمل البشارة إلى الفقراء". ويحدثنا مر 16:4 (= مت 13: 20= لو 13:8) عن فرح الذين يتقبلون الكلمة. ويشير مت 2: 10 إلى فرح المجوس حين شاهدوا الطفل، إلى فرح التلميذ الذي اكتشف كنزاً مخفى في حقل (مت 13: 44)، إلى الفرح الذي يملأ السماء (مت 25: 21، 23: ادخل فرح سيدك)، إلى فرح المرأتين اللتين جاءتا إلى القبر يوم القيامة: تركتا القبر بسرعة وهما في خوف وفرح عظيم (مت 8:28). هذا في متّى ومرقس. أما في لوقا فالفرح يجتاح إنجيله. فمولد يوحنا سيكون مناسبة فرح وابتهاج، فيفرح بمولده أناس كثيرون (1: 14). فرحت به أليصابات وفرح جيرانها وأقاربها معها (58:1). حين بشّر الملاك مريم قال لها: إفرحي، إبتهجي (نقول عادة السلام وهذه الكلمة لم تعد تكفي لأنها صارت مبتذلة في حياتنا اليومية) (28:1). حين سمعت أليصابات سلام مريم قفز الولد من الفرح في بطنها (1؛ 41، 44). هذا الفرح الذي به بشر الملائكة الرعاة (2: 10). عاد التلاميذ من الرسالة وهم فرحون (17:10)، فحدّد لهم يسوع الباعث الحقيقي لفرحهم (10: 12)، وأعلن فرحه هو وابتهاجه (10: 21). فرحت الجموع حين رأت المعجزات تتمّ أمامها (17:13)، وفرح زكا العشار حين استقبل يسوع (6:19) كما فرح التلاميذ في دخول يسوع إلى أورشليم (17:19) وتلميذا عماوس اللذان كانا يسيران كئيبين (17:24). ظهر يسوع للتلاميذ فلم يصدّقوا من الفرح (24: 41). ولما انفصل عنهم في صعوده "رجعوا إلى أورشليم وهم في فرح عظيم" (24: 52). انتهت رسالة يسوع المنظورة، وبدأت رسالتهم هم. يفرح البشر ويفرح الله حين يستقبل الخاطئ العائد. ففرحه بخاطئ يتوب يشبه فرح الرجلٍ الذي أضاع خروفاً ثم وجده (3:15 - 7)، والمرأة التي أضاعت درهماً فوجدته (15: 8- 10). فرح الله يعبر عنه الأب الحنون. عاد الإبن الضال فأعلن الأب للأخ الأكبر: "وجب علينا أن نتنعم ونفرح، لأن أخاك هذا كان ميتاً فعاش، وكان ضالاً فوُجد" (15: 32). هذا الفرح السماوي هو ما وعد به الله المضطهدين، بل دعاهم إليه حين يبغضهم الناس ويرذلونهم ويشتمونهم (23:6= مت 5 :12؛ رج أع 5 :41). طوبى، هنيئاً، ما أسعد الذين يسمعون البشرى! هناك التطويبات الأربع في لوقا (6: 20- 21)، وهناك غيرها تتوزع في إنجيله. طوبى ليوحنا إن عرف أن لا يتشكك بيسوع (23:7= مت 6:11)، طوبى للأعين التي ترى ما يراه التلاميذ (23:10= مت 16:13)، طوبى للعبد الأمين (12: 43= مت 24: 46). وعند لوقا بصورة خاصة، الطوبى للتي آمنت (1: 45)، ولمريم التي تهنئها كل الأجيال بسعادتها (48:1). طوبت امرأة من الجمع تلك التي حملت يسوع في بطنها وأرضعته من ثدييها (27:11). وطوّب يسوع "من يسمع كلمة الله ويحفظها" (28:11). كما طوّب الخدامَ الساهرين (12: 37- 38)، وذاك الذي يدعو الفقراء والعرج والعميان الذين لا يقدرون أن يكافئوه (14: 14). ويرتبط السلام بهذه الطوبى، بهذا الفرح. لا ذلك السلام الذي يحمله العالم (12: 51= ت 10: 34؛ رج يو 27:14)، بل ذلك الذي يعطيه يسوع (7: 5؛ 48:8= مر 5: 34) منذ ولادته. هذا السلام لم تعرف أورشليم أن تتقبّله (19: 42)، مع أن التلاميذ أعلنوه فقالوا: "السلام في السماء والمجد في العلى" (38:19). هذا السلام أعطاه يسوع القائم من الموت (24: 36؛ رج يو 19:20، 21: 26) لأنَّه جاء يبشّر (فعل أنجل) بالسلام (أع 36:10). وعلّم تلاميذه أن يفعلوا مثله: "أي بيت دخلتم قولوا: "السلام على هذا البيت" (10: 5= مت 13:10). * مناخ الصلاة يتحدّث الإِزائيون عن يسوع الذي يصلي حين تكثير الأرغفة (9: 16 وز) وفي العشاء السري (17:22، 19 وز). يحدّثنا متّى عن يسوع الذي سبّح وهلّل (أنشد مزامير الهلال: 113- 118) (مت 26: 30= مر 14: 26) قبل أن يخرج إلى جبل الزيتون. كما أنه صلّى بعد تكثير الأرغفة: "ولما صرفهم صعد الجبل ليصلّي في العزلة" (مت 23:14= مر 46:6). ويتفرّد لوقا بالحديث عن يسوع يصليّ حين ينال المعمودية (3: 21)، وخلال حياته الرسولية (5: 16: "كان يعتزل في البراري ويصلي"، رج مر 1: 35). صلىّ يسوع قبل أن يختار الإثني عشر (6: 12)، وقبل أن يعترف به بطرس "مسيح الله" (9: 18)، وخلال التجلي (9: 28-29). عاد التلاميذ من الرسالة فتهلل يسوع ورفع صوته في الصلاة (10: 21): "أحمدك يا أبت". رآه التلاميذ يصلي فسألوه: "علّمنا أن نصلي" (11: 1). صلىّ يسوع ليثبّت بطرس في الإيمان (22: 32)، وصلّى من على صليبه (23: 34)، وقبل موته (46:23). والناس يصلّون في إنجيل لوقا. حين كان زكريا يقدّم البخور، كانت "جماعة الشعب كلّها تصلي" (1: 10). ولقد صلّى زكريا، فسمع الله صلاته (13:1). وتميزت حنَّة النبية بتعبدّها وتكرّسها للصوم والصلاة (2: 37). ولقد اعتاد تلاميذ يوحنّا أن يقيموا الصلوات (5: 33). واحتفظ لنا لوقا ببعض الصلوات. نشيد المباركة الذي تلاه زكريا (1: 68- 79): "تبارك الرب الإله". ونشيد التعظيم الذي فاهت به العذراء مريم (46:1- 56): "تعظم نفسي الرب". ونشيد الملائكة: "المجد لله في العلى، وعلى الأرض السلام" (2: 14). ونشيد الإستسلام الذي أطلقه سمعان الشيخ بعد أن رأت عيناه خلاص الله (29:2- 32). واجب الصلاة واجب ملح: "إسألوا تعطوا. أطلبوا تجدوا. إقرعوا يُفتَح لكم" (9:11= مت 7:7- 11). يسبق لوقا هذا القول بمثل الصدّيق اللجوج (11: 5- 8): "إن لم يقم ويعطه لكونه صديقه، فإنه ينهض للجاجته". إذن، لا بد من الإلحاح في الصلاة. ويلي هذا القول ويثبته مثلُ القاضي الظالم (18: 1- 8). هو أنصف المرأة التي "صرعت" له رأسه بإلحاحها. "أفما ينصف الله مختاريه الذين ينادونه نهاراً وليلاً"؟ صلاة من غير ملل. وصلاة متواضعة في مثل الفريسي والعشار: "من رفع نفسه وُضع، ومن وضع نفسه رُفع" (18: 14). إن الإيمان ينال كل شيء (6:17؛ رج مت 17: 20؛ 21: 21 - 22؛ مر 23:11- 24). علينا أن نطلب من رب الحصاد (2:10= مت 38:9) ليرسل فعلة لحصاده. علينا أن نصلي من أجل مضطهدينا (28:6= مت 44:5). علينا أن نصلي ونسهر (36:21= مر 33:13) لئلا ندخل في التجارب (22: 40، 46 وز).
د- إنتشار الإنجيل في العالم الروح حاضر في صلاتنا (10: 21؛ 13:11). الروح حاضر في الملكوت. ولكن العمل الذي يقوم به لا يكمن أولاً في ثمار حضوره، كما في الفرح والصلاة. فهو يريد أن يبني جماعة تضم كل المؤمنين. يريد أن يبني "الكنيسة" (لا ترد هذه الكلمة في إنجيل لوقا، ولكنّها ترد في سفر الأعمال). يبيّن متّى أن القطيعة مع الشعب اليهودي كانت الشرط الضروري لانتشار الإنجيل. أما لوقا فرأى هذه الشمولية منذ البداية، وهي حاضرة في مخطط الله. جاءت الشمولية في متّى في النهاية، وبعد أن عاشت الكنيسة مأساة رفض الشعب اليهودي للمسيح. أما عند لوقا، فالشمولية واقع يُلقي بضوئه على الإنجيل. الشمولية هي الإنجيل. يتوجّه لوقا في إنجيله إلى قارئ غير فلسطيني. وهكذا يجعل البشارة تشع مباشرة وراء حدود إسرائيل. أهمل لوقا كل ما يُشتم منه موقفٌ يهودي بارز: السؤال المتعلّق بقانون الطهارة في الطعام (مت 15: 1- 20 وز)، خبر الكنعانية (مت 15: 21- 28 وز)، دعوة إيليّا (مت 17: 10- 13 وز)، السؤال حول الطلاق الشرعي (مت 19: 3- 9 وز)، الإنباء بالمسحاء الكذبة (مت 24: 23- 25 وز)، كلمات يسوع الآرامية أو التعابير الآرامية التي نجدها في التقليد (مر 5: 41؛ 7: 34؛ 11: 10؛ 14: 45...). وهناك المعارضة بين الشريعة القديمة والشريعة الجديدة التي شدّد عليها متّى (17:5 ي)، فتركها لوقا. وهناك المقابلة بين بر الفريسيّين وبر المسيحيين، كما أن هناك تنبيهاً بأن لا يذهب الرسل (أقلّه في فترة أولى) إلى الوثنيّين (مت 10: 5). كل هذا أغفله لوقا. ولكنّه في المقابل أوضح الشمولية التي تتضمنّها بعض التقاليد. وصل متّى في سلسلة نسبه إلى داود وإبراهيم. أما لوقا فربط يسوع بآدم (38:3). أنشد الملائكة السلام لا للشعب اليهودي وحسب، بل لجميع البشر: "السلام للبشر الذي يحبون الله" (2: 11). وحين أورد نبوءة أشعيا، وصل بها لوقا إلى النهاية: "فيرى كل بشر (جسد) خلاص الله" (3: 6؛ رج أع 2: 21؛ 28:28). منذ البداية، نقرأ في نشيد سمعان الشيخ أن هذا الولد سيكون "نوراً يتجلىّ للوثنيّين" (2: 32؛ رج 13: 28- 29 = 8: 11- 12). وفي النهاية نعرف أن على هذا الإنجيل أن يُعلَن في كل الأمم (24: 47؛ رج مت 28: 19- 20). إمتدح يسوع إيمان الضابط الوثنىِ (7: 9= مت 8: 10)، وأظهر أن السامري (الذي يعتبره اليهودي وثنياً) أفضل من الكاهن واللاوي في ممارسة الرحمة (10: 25- 37). وذلك السامري الغريب، قد تميَّز عن التسعة الباقين: "عاد وحده وهو يمجّد الله" (17: 11- 19).
هـ- إنجيل الحنان والصلاح قال القديس بولس: ولمّا تجلىّ لطف الله ورحمته (تي 3: 4). وقال أيضاً: في نظر الله، لا يهودي ولا يوناني، لا عبد ولا حر، لا رجل ولا إمرأة (غل 28:3). لقد صار المسيح الخفي ظاهراً للجميع (كو 1:26 - 27). فالخطأة وجدوا في يسوع صديقاً لهم (7: 34= مت 19:11)، لا يخاف أن يتعامل معهم (27:5، 30 وز؛ 15: 1 ي). لقد أبرز لوقا ما أورده التقليد المشترك، وأتبعه بخبر زكّا: "دخل بيت رجل خاطئ ليقيم عنده" (7:19). بالإضافة إلى ذلك أكّد يسوع أن الخطأة هم حصّة الله، على أثر توبتهم (15: 1- 32) وبفضل طول بال الله وصبره. هنا نقابل بين التينة التي لُعنت فيبست عند متّى (18:21- 22= مر11 :12 - 14)، وبين تلك التي لم تثمر فأعطيت مهلة سنة كاملة قبل أن تقطع (لو 6:13-9). لم يغفر يسوع فقط للمخلّع (20:5 وز)، بل للخاطئة في بيت سمعان الفريسي (7: 36- 50)، وللمسؤولين عن موته (23: 34). بكى بطرس حين نظر إليه يسوع وهو في المحاكمة (22: 61)، ونال اللص الفردوس الخلاصي ساعة قال: "أذكرني" (23: 39- 42). وقرعت الجموع صدرها حين عادت من الجلجلة (48:23). الجميع يستطيعون أن يُصلُّوا مثل العشار: "اللّهم إرحمني أنا الخاطئ" (18: 13). والنساء اللواتي إحتقرهن العالم يحتللن عند لوقا مكانة مميّزة. هناك مريم العذراء واليصابات وحنة النبية وأرملة نائين (7: 11- 17). هناك الخاطئة التي جاءت إلى بيت سمعان (7: 36- 50؛ رج 26: 6- 13 وز)، والنساء اللواتي تطوّعن مع يسوع (8: 1- 3) وتبعنه حتى الصليب (23: 49 - 55؛ 24: 10- 11). وهناك مرتا ومريم الأختان اللتان جمعتا الصلاة إلى العمل (10: 38- 42) والمرأة التي هنَّأت أم يسوع (11: 27-28)، والمنحنية الظهر التي وضع يسوع يده عليها فانتصبت من وقتها وأخذت تمجّد الله (13: 11- 17). ولا ننس نساء أورشليم اللواتي كن يضربن الصدور وينحن عليه فيعبرّن عن موقف كل الذين رأوا في يسوع نبياً ذاهباً إلى الموت. وفي النهاية، نرى النسوة في أمثال لوقا. في 15: 8- 10 ننظر إلى المرأة تبحث عن درهم أضاعته. وفي 18: 1- 8 نرافق هذه الأرملة التي لا تتراجع حتّى يعطيها القاضي الظالمُ حقها. والغرباء هم موضوع إهتمام يسوع. أراد يعقوب ويوحنّا أن تنزل النار من السماء وتأكلهم، فانتهرهما يسوع (9: 54- 55). وهؤلاء الغرباء هم مثال يحتذى به: الضابط الوثني هو موضوع إعجاب يسوع (7: 9)، والسامري المنبوذ هو ذلك الذي "يقدّره" العالِمُ بالشريعة ويحاول أن يعمل مثله (10: 36- 37)، والسامري الأبرصَ الذي عاد يمجّد الله جعل يسوع يتساءل: أين التسعة؟ أما كان فيهم من يرجع ويمجّد الله سوى هذا الغريب (17:17- 18)؟ هذا هو القطيع الصغير الذي يستطيع أن يعيش من دون خوف، لأن الملكوت هو له (12: 32). وهو يتألف من الصغار، لا من الحكماء والأذكياء (10: 21). فابن الإنسان جاء ليبحث عن الهالك فيخلّصه. غير أن حنان يسوع هذا ليس رخاوة وتدليعاً للناس. فهناك كلمات قاسية للسعداء في هذا العالم: الويل لكم أيها الأغنياء، الويل لكم أيها الشباع، الويل لكم أيها الضاحكون، الويل لكم إذا مدحكم جميع الناس (6: 24- 26). وهناك تنبيه إلى الذين يرفضون التوبة: "إن لم تتوبوا تهلكوا بأجمعكم" (13: 1- 5)، وتهديد للتينة العقيمة (9:13)، وتوضيح لمصير الغني الذي تجاهل الفقير الملقى عند باب داره (16: 19- 31)، وبكاء على أورشليم (19: 41- 44)، وجواب إلى نساء أورشليم: "ستأتي أيام يقول فيها الناس: طوبى للعواقر، طوبى للبطون التي لم تلد، وللثُدي التي لم تُرضِع" (29:23).
و- الإنجيل قاعدة حياة * إنجيل لوقا يجعلنا في إطار إجتماعي. حين يفصّل يوحنّا للجموع وللعشارين والجنود بمَ يقوم واجبهم اليومي (10:3- 14)، فهو يقول: مَن عنده قميصان يعطي من ليس له قميص. من كان عنده طعام فليعط من ليس عنده. والعشار لا يجبي أكثر مّما فُرض له. والجندي لا يتحامل على أحد ولا يظلم أحداً. ويقول يسوع في "خطبة السهل": "أعط دوماً لمن يسألك" (6: 30). "كونوا رحومين" (36:6)0 أعط كيلا مفصّلاً بحُبّ. في كل وقت، لا من أجل الدينونة فقط (38:6). نحن ندعو إلى مائدتنا المساكين قبل الأغنياء، لئلاّ ننال المكافأة في هذا العالم (14: 12- 14). والهوة التي حفرها الغني خلال حياته على الأرض بينه وبين الفقير، هي باقية في الآخرة: "بيننا وبينكم هوة عميقة. فالذين يريدون الإجتياز إليكم لا يقدرون" (16: 26). وحين احتقر الفريسي في قلبه العشَّار (والخطأة) إنفصل عن سائر البشر، وبالتالي إنفصل عن الله نفسه. فخسر رضى الله، لم يتبرر (18: 14). * إنجيل الأغنياء والفقراء أشار لوقا إلى أن عدداً من الأغنياء تبعوا يسوع: يوسف الذي من الرامة (23: 50)، زكّا العشار (19: 2، 8)، وحنة إمرأة مدير الخزانة لدى هيرودس (3:8). ولكنّه لا يقول ما قاله مر 10: 21: نظر يسوع إلى الشاب الغني وأحبه. فأصدقاء يسوع هم الفقراء. لم يأت إليه المجوس ليسجدوا له، بل الرعاة (8:2). ولم تُدفَع عنه فديةُ الأغنياء، بل فدية الفقراء: زوجا يمام أو فرخا حمام (2: 24). المثال الذي يقدّمه هو لعازر الفقير (16: 20) والأرملة المسكينة التي لم تعطي الفائض، بل جميع ما تملك، وهو ما تحتاج إليه من أجل معيشتها (4:21). ويسوع نفسه ليس له موضع يُسند إليه رأسه (58:9= مت 8: 20). قال يسوع: "طوبى للفقراء". وقال: "الويل للأغنياء". فلوقا لا يحصر كلامه في الوجهة الروحية للفقر، بل هو يشدّد على واقع الفقر الملموس وما يصنعه الله من أجل الفقراء والأغنياء. "حط المقتدرين عن الكراسي ورفع المتواضعين. أشبع الجياع خيراً والأغنياء صرفهم فارغين" (1: 52- 53). البشارة تُحمَل إلى الفقراء (4: 18؛ 7: 22 وز). فهم سعداء (6: 20)، ويدخلون "من دون واسطة" إلى ملكوت الله الذي هو لهم منذ الآن. أما الأغنياء فهم تعساء ويجدون نفوسهم في وضع سيء. هم يجمعون الكنوز لنفوسهم لا من أجل الله (12: 21). وهكذا ينسون ربهّم (12: 13- 20: الغني الجاهل)، ويتجاهلون إخوتهم (16: 19- 31). والفريسيون ليسوا فقط منغلقين على ذواتهم مكتفين بقداسة أعمالهم (18: 14). إنهم علاوة على ذلك "يحبون المال" (16: 14). ولكن ما هو موضوع تقدير كبير لدى الناس هو موضوع كره لدى الله (16: 15). إذن، مامون (إله المال، هو يعطي الأمان والثقة بالنفس) هو ظالم. نستطيع أن نستعمله بمهارة فنوزّعه على فقراء سيصيرون أصدقاءنا (9:16). ونستطيع أن نتعامل معه بالأمانة وكأنه خير غريب أوكلنا الله به (16: 10- 12). ولكن لوقا يعلن بشدة: لا تستطيعون أن تعبدوا في الوقت نفسه الله والمال (16: 13). * إنجيل التجرّد والكفر بالذات. يبدو التجرّد في التقليد المشترك نتيجة سر الفصح. فهناك رباط واضح بين الإنباءات بالآلام والشروط لاتباع يسوع. فبعد الإنباء الأول (9: 22: "يجب على إبن الإنسان أن يعاني آلاماً شديدةً")، قال يسوع للناس أجمعين: "من أراد أن يتبعني، فليزهد في نفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني... ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كلّه وفقد نفسه أو خسرها" (23:9- 25 وز). نحن هنا أمام قاعدة دائمة في حياة المسيحي: يزهد كل يوم، يتجرّد كل يوم، يحمل صليبه كل يوم. نتخلّى عن كل شيء، ولا نستند إلى المال (13:12- 21)، بل نجعل ثقتنا كلّها في الله الذي يهتم بنا ويؤمّن لنا "خبزنا كفاف يومنا" (12: 22- 32). لهذا، بيعوا أملاككم وأعطوها صدقة للمساكين (12: 33؛ رج مت 6: 19-20). هناك شروط تفُرض على التلميذ الذي يريد أن يتبع يسوع، ترد عند الإِزائيّين. ولكن لوقا زاد: "يجب أن يبغض الإنسان إمرأته ونفسه" من أجل ملكوت الله (29:18). نحن هنا في عبارة قريبة ممّا نقرأ في متّى (19: 12) عن الذين كرّسوا نفوسهم من أجل ملكوت السماوات (خصيان من أجل ملكوت الله). ويزيد لوقا: من لا يتخلّى عن جميع خيراته لا يستطيع أن يكون لي تلميذاً (16:14، 23). هناك تشديد على لفظة "كل" "جميع". حين تبع التلاميذ الرب تركوا "كل شيء" (5: 11). ودعا يسوع لاوي "فترك كل شيء" (28:5). كما دعا الوجيه الغني فقال له: "بِعْ جميع ما تملك ووزِّعه على الفقراء" (22:18). ولكن الغِنَى منعه من هذا التجرّد. فكان له الغم والحزن بدل الفرح. أجل، كل عودة إلى الوراء، كل نظرة إلى الوراء هي موضوع شجب ولوم: "من وضع يده على المحراث والتفت إلى الوراء لا يصلح لملكوت الله" (9: 62). لا يستطيع الدخول إلى هذا الملكوت، وبالأحرى لا يستطيع إعلانه. إنه في رفقة الموتى (9: 60) الذين لم يجدوا حياة الملكوت. هذا هو القديس بوقا. إنه إنجيلي مخطط الله وقصده في البشر. وهو في الوقت عينه ذلك الذي يحدد بطريقة ملموسة متطلبات التعليم الإِنجيلي. يذكرّنا أنه علينا أن نحمل صليبنا كل يوم. ولكنّه يبيّن لنا في الوقت عينه أن الروح القدس يعمل فينا، وأن الروح الذي تفيضه فينا البشارة هو أعظم عطايا الله. |
|
|
|
|
<< Start < Prev 1 2 3 4 5 6 7 8 9 Next > End >>
|
|
Page 4 of 9 |